حوارات عقائدية

يشكل هذا القسم حوارات عقائدية تعالج الإختلافات بين…

بين الإسلام واليهودية

* منهج الحوار بين أهل الأديان السماويّة * هل ور…

مسائل الفقه العملي

يتناول هذا الكتاب العديد من مواضيع الفقه العملي ال…

اسئلة حول الإسلام

تتناول هذه الزاوية اسئلة وإجابات حول الإسلام، وقد …

شؤون الأسرة

تتناول هذه الزاوية شؤون الاسرة وتنقسم إلى عدة فروع…

الاستفتاءات

يتناول هذا الباب العديد من الاستفتاءات التي يجيب ع…

«
»

الحرية في الإسلام.. بشر الحافي نموذجاً

وصف الله تعالى المؤمنين والمؤمنات الأخيار بقوله تعالى: (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ…) الأعراف 7/ 157.

هذه الآية في القرآن الكريم تشير إلى مفاهيم كثيرة ومهمة، وهذه المفاهيم هي من مميزات الإسلام، وإحدى هذه المميزات الحرية، فالإسلام يحرر الإنسانية والإنسان، وقد قال الله تعالى في ذلك: (وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ) فالإصر هو الحمل، والدين الإسلامي يزيل هذا الإصر وهذا الحمل كما أنه يزيل الأغلال؛ أغلال التقاليد السيئة، أغلال العقائد الفاسدة، أغلال السلوك المشين، أغلال المحرّمات، أغلال الرذائل… كل هذه الأغلال والأصفاد والأثقال التي كانت البشرية ترزح تحتها، جاء الإسلام وأزالها وحرَّر الإنسان منها، وهذه الآية من أكثر آيات القرآن الكريم إشارةً إلى الحرية وأهميتها.

ومما جاء عن الحرية  في الإسلام ما ذُكر في خلاصة الأخبار حول أحد كبار أغنياء بغداد في التاريخ ويدعى (بشْر)، فقد كان يقيم بين الحين والآخر حفلاتٍ للهو والطرب والغناء والرقص في بيته، وكان يستدعي المغنيات، والعازفات والراقصات، ويحضر هذه المجالس الرجال وبعض النساء، وحتى لا تقع أي مفارقة، كان يجلس في مكان عالٍ ليراقب الإحتفال. ويُروى أنه في أحد الأيام، أقام بشر حفلةً في بيته الكبير، وبدأت ساعات اللهو والغناء وأصوات الطرب تتصاعد من المنزل، وفي هذه الأثناء خرجت خادمته لترمي النفايات خارجاً لكنها تأخرت، وعندما عادت سألها بشر عن سبب تأخرها؟ أجابته: (سيدي حينما خرجت لإلقاء النفايات، مرّ رجل وقور كبير عليه هيئة الإيمان والتقوى، وسمع الغناء وسمع المعازف، فقال لي سائلاً: سيدك حرٌّ أم عبد؟ قلت له: سيدي حر، فقال لي الرجل: صدقت، لو كان عبداً لخاف من سيده الله، ثم مضى)!! وما ان سمع بشر هذا الكلام من خادمته حتى أدرك بأن هذا الرجل ليس رجلاً عادياً، بل هو رجل عظيم، وانطلق يعدو مسرعاً يـبحث عنه، حتى نسي أن ينتعل حذاءه، فقد خرج حافي القدمين ليسأل عنه من يكون؟ وعندما وصل إليه، علم بأنه الإمام الكاظم (ع)، فتاب على يديه وتاب الله عليه، وقرَّر أن ينصرف عن حياة اللهو والمجون وتاب عن ارتكاب المحرَّمات ليصبح عابداً زاهداً، متقياً، ولُقّب منذ ذلك الوقت بـ(بشر الحافي) نسبةً إلى تلك الواقعة!!

هناك الكثير من الكتابات في التاريخ تتكلم عن بشر الحافي، عن زهده وعن أخلاقه وعن إنسانيته، فقد خصص هذا الرجل قسماً كبيراً من أمواله لعمل الخير والصدقات، فانتقل بتوبته تلك من عالم الفسوق وعالم الإنحراف إلى عالم الإلتزام وعالم الإيمان.

هذه هي الحرّية، لكنَّ كثيرين يسيئون فهمهم للحرية، ويجهلون أين هي حدود هذه الحرية، فيظن البعض أن الحرية هي في أن يفعل المرء ما يشاء دون قيود أو حدود، ولكن هذه ليست حرية إنما هي الفوضى بعينها!! فلو تركنا الناس يفعلون ما يشاؤون لانهار نظام تقدُّم الأمم، ونظام المدنية، ونظام الحياة، ولانهارت قيم إنسانية كثيرة أيضاً، فالمجرم يقتل ويسرق، والشاذ يمارس شذوذه، فهذه ليست حرية إنما هي فوضى وفوضى تغير مفاهيم الحق والعدالة!!

إنَّ مفهوم الحرية يرتبط ارتباطاً وثيقاً وشديداً بالمسؤولية، فكلما ازدادت حرية الإنسان أكثر ازدادت مسؤوليته أكثر، لأن هناك علاقة وثيقة بين الحرية والمسؤولية.

الإمام الكاظم (ع) بحسب مضمون القصة، حينما سأل تلك الفتاة: (أسيدك حر أم عبد؟) وقالت: (هو حر) -حرّ بمعنى الفوضى والإباحية- فأجابها (ع): (صدقت لو كان عبداً لخاف من سيده الله)، إنما كان يقصد بالعبودية هنا العبودية لله تعالى، فنحن حينما نُسمّي المؤمن عبداً لأنه حقيقة هو عبد لله، وهي  أيضاً بمعنى العشق لله، فالعاشق عندما يتكلم عن معشوقته يقول: (أنا أعبدها)، وكذا العاشقة تقول عن معشوقها: (أنا أعبده)! وعندما يرتفع هذا الحب ويسمو، يتحول إلى طاعة كلية لمن نحب، فكيف إذا كان معشوقنا رباً رحيماً كريماً؟

كذلك يقول الشاعر:

تعصي الإلهَ وأنت تضمر حبَّهُ

هذا لَعمركَ في الفعال فظيعُ

لو كنت تصدق حبَّـه لأطــعتهُ

إنَّ الـمحبَّ لـمن أحبَّ مطيعُ

من هنا، فنحن عندما نحبُّ الله نعبده، ونرتفع بذلك الحب وتلك العبادة ونسمو، فالعبادة لا تعني احتقار الفرد وسحقه إنما هي تسمو بذلك الفرد وترتقي به إنسانياً ووجدانياً وأخلاقياً إلى درجة الارتباط بالكامل المُطْلَق.

قد ينبري أحد المتخلفين والمحدودين في كتاباتهم  ككاتبة ووزيرة جزائرية ليقول: (بأن عبادة الله هي إهانة للإنسان)!! أمام هذا الفكر المتخلف لابد من طرح السؤال التالي: أفي عبادة الله إهانة؟!

إن الله تبارك وتعالى يعطينا وقتاً للقائه، خمس مرات يومياً يُشرِّفنا به. إنما هو جل وعلا يتفضل علينا بهذا الوقت، هذا الخالق العظيم الكامل، الجميل جمالاً مطلقاً، الحبيب لقلوبنا، إنما عبادتـنا له تبارك وتعالى هي من صميم حبنا الذي ازداد وارتفع فارتقى إلى درجة العبادة، فكما يقول العاشق عن معشوقته بأنه يعبدها، وهو يعني بذلك أنه مسلّم لها في كل شيء كذلك عبادة الله فهي سموٌّ في الحب، والسمو في الحب يصل إلى العبودية والقدسية، العبودية التي تـنتج مسؤوليةً رائعةً ومسؤوليةً عظيمةً فالله تعالى يقول: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ) الذاريات 51/ 56. وبالعبادة نتكامل لنسموَ ونسعد.

وصايا الإمام الصادق(ع) عن الحرية

الأحاديث الواردة عن الحرية في العبادة، وفي الفهم الإسلامي وفي المفهوم القرآني كثيرة، فقد ورد عن الإمام الصادق (ع) أنه قال: (خمس خصال من لم تكن فيه خصلة منها، فليس فيه كثير مستمتع: أولها الوفاء، والثانية التدبير، والثالثة الحياء، والرابعة حسن الخلق، والخامسة -وهي تجمع هذه الخصال- الحرية).

هذه الصفات والخصال الجميلة إن لم توجد في الإنسان فليس في هذا الإنسان فائدة، فالتدبير هو أن يخطط المؤمن للأمور وأن يفكر فيها، ويدبرها وعليه ألّا يسير على (طفش) الشوك ويُلقي بنفسه في الأشواك بدون حكمة في قضايا الحياة والبيت والأسرة، والتجارة وفي كل قضايا الحياة، بل يدقق ويحقق ويدرس الأمور ويخطط لها.

وإذا أخذنا الخصلة الخامسة وهي الحرية، كما سبق الحديث عن الإمام الصادق (ع) فهي تجمع كل هذه الخصال، نرى وبحسب هذا المفهوم أن الإنسان عندما يكون حراً فهو وفيٌّ، والحرّ عنده حياء، وعنده تدبير، وعنده حسن خلق أيضاً. في بلادنا يقولون عن الإنسان المحترم الذي يعقل الأمور والذي ينصف الآخرين دائماً يصفونه بأنه حرٌّ!! حرٌّ بهذا المعنى، وليس حراً لأنه عبدٌ لنزواته يمارس المحرّمات، لأن من يقوم بالموبقات هو عبد للشيطان، ولأنه عندما يكون الإنسان عبداً لله يأخذ كل الفضائل فتـنطبع في شخصيته وفي كيانه وفي سلوكه وفي حياته.

كما ورد أيضاً عن الإمام الصادق(ع) -في حديث آخر عن الحر كيف يواجه عواصف الدنيا- قوله(ع): (إن الحرَّ حرٌّ على جميع أحواله: إن نابته نائبة صبرَ لها، وإن تداكت عليه المصائب لم تكسره، وإن أسر وقهر واستبدل باليسر عسراً كما كان يوسف الصديق الأمين صلوات الله عليه لم يضرر حريته ان استعبد وقهر، ولم تضرره ظلمة الجب ووحشته..)!!

إن أحرارنا في الجنوب اللبناني عندما احتلت إسرائيل الجنوب سجنتهم وعذّبتهم، وضيّقت عليهم، ولكن ظلّت الحرية متوهجةً في قلوبهم وفي ضمائرهم، وفي مواقفهم، فعلى الرغم من أنهم أُسروا وعُذّبوا، لكنهم ظلوا أحراراً، فقد اقتطفوا روح الحرية من النبي الأعظم محمد (ص) ومن أمير المؤمنين الإمام علي(ع) ومن الإمامين الحسن والحسين (ع)، ومن جميع أئمة أهل البيت(ع).. ففي وقتٍ لم يستطع  فيه العرب ولا المسلمون أن يواجهوا إسرائيل وأن ينتصروا عليها، واجه أحرار جبل عامل إسرائيل وانتصروا عليها وحملوا مشعال الحرية، وعلّموا العالم دروس الحرية والكرامة التي أخذوها وأخذناها من الله تبارك وتعالى، ومن القرآن الكريم، من الرسول الأعظم (ص) ومن أمير المؤمنين الإمام علي(ع) ومن أئمة أهل البيت (ع).

(*) كلمة ألقاها سماحة المرجع الديني العلَّامة الشيخ عبد اللطيف بري في ذكرى أسبوع سالم جميل حجيج (أبي أحمد).

مقابلات

أخبار ومناسبات

بيانات