حوارات عقائدية

يشكل هذا القسم حوارات عقائدية تعالج الإختلافات بين…

بين الإسلام واليهودية

* منهج الحوار بين أهل الأديان السماويّة * هل ور…

مسائل الفقه العملي

يتناول هذا الكتاب العديد من مواضيع الفقه العملي ال…

اسئلة حول الإسلام

تتناول هذه الزاوية اسئلة وإجابات حول الإسلام، وقد …

شؤون الأسرة

تتناول هذه الزاوية شؤون الاسرة وتنقسم إلى عدة فروع…

الاستفتاءات

يتناول هذا الباب العديد من الاستفتاءات التي يجيب ع…

«
»

الرسول الأعظم (ص): لمحة عن حياته وأخلاقه ونبوته وجهاده

تاريخ النشر: 19 صفر 1432هجـ 24 كانون الثاني 2011 م

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ 

والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله الأمين وآله الطيبين وصحبه الغر الميامين وعلى أنبياء الله ورسله أجمعين

(إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا). الأحزاب 33/56 قرآن كريم

 

(قولوا اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل ابراهيم إنك حميد مجيد. اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد) حديث شريف

 

بلغ العلى بكماله                               كشف الدجى بجماله

حسنت جميع خصاله                        صلّوا عليه وآلــــــه

 

أوصافه (ص)

 

أزهر اللون، أبيض مشرب بحمرة، واسع الجبين، يتلألأ وجهه تلألأ القمر بليلة البدر…

معتدل الخلق… ما ظهر من عنقه للشمس والرياح فكأنه إبريق فضة مشرب ذهبا.

ظاهر الوضاءة… كأن الشمس تجري في وجهه حتى قالت فيه زوجته أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها:

جاء الحبيب الذي أهواه من سفر    والشمس قد أثرت في وجهه أثرا

عجبت الشمس من تقبيل وجنته     والشمس لا ينبغي أن تدرك القمرا

)“نقلاً عن كتاب “منتهى الآمال”)

 

شديد سواد الشعر.. له شعر إلى منكبيه، وفي وقت إلى أذنيه… وربما جعل شعره على أذنيه فتبدو سوالفه تتلألأ. حلو المنطق.. في صوته صحل (رنّة وبحّة) وفي كلامه ترتيل. كأن عرقه في وجهه اللؤلؤ… وريحه أطيب من المسك الأذفر. حسن الخلق… ليس قصيراً ولا طويلاً، بل إلى الطول أقرب.. إذا وضع رداءه عن منكبيه فكأنه سبيكة فضة، وإذا ضحك يتلألأ.

وكان جل ضحكه التبسم وإذا افتر ضاحكاً افتر عن مثل سنا البرق.. يمشي برفق وثبات، ينحدر من سبب مشية القوة والهيبة حتى قالت فيه أم معبد: (أجمل الناس من بعيد، وأحلاهم وأحسنهم من قريب).

أكثر ثيابه البياض وينهى عن لبس الأحمر الخالص ويعجبه الثياب الخضر.. وكان (ص) يلبس القلنسوة (غشاء مبطن يستر الرأس) تحت العمامة وبدون عمامة.. وكان له عمامة سوداء، والظاهر أنها كانت نحو عشرة أذرع بذراع اليد.. وإذا إعتمّ سدل عمامته بين كتفيه، وكان يدير العمامة على رأسه ويرسل لها ذؤابة بين كتفيه… وكان له عمامة تسمى السحاب فوهبها للإمام علي (ع) فربما طلع الإمام فيها فيقول (ص) أتاكم عليّ في السحاب!!

وكانت له بردة يخطب فيها.

كفه أنعم من الحرير.. يلبس خاتم فضة في خنصره الأيمن.. يكره الرائحة الرديئة ويعجبه النظر إلى الخضرة والماء الجاري، يغسل أسنانه بالسواك وهو عود ذو رائحة طيبة..

ينظر في المرآة ويرجّل جمّته (مجتمع شعر الرأس) ويمتشط، وربما نظر في الماء وسّوى جمّته فيه ويقول: (الشعر الحسن من كسوة الله فأكرموه).

كان (ص) يتجمّل لأصحابه فضلا عن تجمله لأهله. رأته السيدة عائشة وهو ينظر في ركوة ماء ويسوّي طلعته قبل أن يخرج إلى أصحابه، فقالت:

بأبي أنت وأمي تتمرأ في الركوة وتسّوي جمتك وأنت النبي وخير خلقه؟!

فقال (ص): إن الله تعالى يحب من عبده إذا خرج إلى إخوانه أن يتهيأ لهم ويتجمّل.

وجاء في كتاب البحار أنه كان (ص) لا يفارقه في أسفاره قارورة الدهن والمكحلة والمقراض والمرآة والمسواك والمشط (بحار الأنوار: المجلد 6 الجزء 16 ص 249-250).

وعن الإمام الصادق (ع):

(كان رسول الله (ص) ينفق في الطيب أكثر مما ينفق في الطعام!! (الواعظ: ج 5 ص 68) 

 

قال أنيس ابن مالك بواب النبي (ص): (لقد شممت العطر فما شممت ريح شيء أطيب ريحا من رسول الله). ويروي لنا التاريخ أنه (ص) رأى أحد جلسائه رث الثياب فقال (ص) له: ألك مال؟

قال: نعم

فقال (ص): إذا أتاك الله مالا فليرَ أثره عليك.

لقد كان (ص) مع زهده وبساطة عيشه يهتم بنظافة جسمه وملابسه ومظهره لأن ذلك من آداب الإسلام. فكان (ص) يسرّح لحيته ويدهن رأسه ويمشط شعره ويتطيب.

سأله رجل: يا رسول الله إني أحب أن يكون ثوبي حسناً ونعلي حسنة، أفمن الكبر ذاك؟

فقال (ص): لا، إن الله جميل يحب الجمال، الكبر بطر الحق، وغمط الناس.

هكذا كان الرسول (ص) مثالاً للإسلام في جماله وكماله وزينته.

قال تعالى:

(يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين. قل من حرّم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق، قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة…) الأعراف 31-32

 

أخلاقه (ص)

 

أوسع الناس صدرا.. وأصدقهم لهجة.. وأوفاهم ذمة، يبدأ من لقيه بالسلام… ويبادر أصحابه بالمصافحة. لا يتكلم في غير حاجة ويعرض عن كل كلام قبيح، ويكني عن الأمور المستقبحة إذا اضطر إلى الكلام عنها… طويل الصمت… كثير السكوت… لا يراعي أحداً في الحق. لا يغضب لنفسه ولا ينتصر لها. وإذا غضب يغضب لله!

وإذا غضب أعرض وأشاح ونحّا وجهه. قلّما يحدق في الناس، بل يلحظ ببصره لحظا.. ولا يثبت بصره في وجه أحد. لا يتجشأ ويكره التثاؤب، وإذا أخذه العطاس وضع يده أو ثوبه على فمه وخفض به صوته.

أكثر الناس تبسما ما لم ينزل عليه القرآن أو تستوقفه عظة.. دائم البشر والتبسم.. ويضحك من دون قهقهة، طلق المحيا.. يقول عبد الله بن الحارث:

(ما رأيت أحدا أكثر تبسما من رسول الله (ص).. لا يحدث أحداً حديثا إلا تبسّم)

ما شتم أحداً بشتمة، ولا لعن إمرأة ولا خادما بلعنة، ما قصده أحد بحاجة إلا قام معه في حاجته. وإذا جاءه أحد خفّف صلاته، وأقبل عليه، وسأله عن حاجته!.. ويقول: أبلغوني حاجة من لا يستطيع إبلاغي حاجته، فإنه من أبلغ سلطانا حاجة من لا يستطيع إبلاغها اياه، ثبَّت الله قدميه يوم القيامة.

كان (ص) أحكم الناس وأحلمهم، وأشجعهم، وأعدلهم، وأعطفهم، وأسخاهم… لا يثبت عنده دينار ولا درهم.. لا يأخذ مما أتاه الله إلا قوت عامه فقط، ويضع الباقي في سبيل الله! ومات ودرعه مرهونة في نفقة عياله.

يقبل الهدية ولو كانت جرعة لبن ويأكلها، يشيِّع الجنائز، ويعود المرضى في أقصى المدينة. يجالس الفقراء ويؤاكل المساكين ويناولهم الطعام بيده!! يكرم ذوي الأخلاق والفضيلة، ويتألف أهل الشر ويتوددهم ويقربهم إلى الدين بالبر والإحسان والصلة!!

يصل أقاربه دون أن يؤثرهم على غيرهم إلاّ بما أمر الله. يقبل معذرة المعتذر إليه.. ولا يجزي بالسيئة السيئة ولكن يغفر ويصفح، وإذا سئل أن يدعو على أحد عدل عن الدعاء عليه.. ودعا له.

ولم يكن خلقٌ أبغض إليه من الكذب. يكرم كريم كل قوم ويوليه عليهم. يحذر الناس ويحترس منهم من غير أن يطوي عن أحد بشره ولا خلقه!!

ويحسِّن الحسن ويقوّيه، ويقبّح القبيح ويوهنِّنه، ويعرض عمن تكلم بغير جميل.

ومن سأله حاجة لا يرده إلا بها أو بميسور من القول، وكان (ص) دائم البشر، سهل الخلق.. ليّن الجانب.. متواضعاً في غير مذلة.. ليس بفظ ولا غليظ، ولا صخّاب، ولا فحّاش، ولا عياب. لا يذم أحداً، ولا يعّيره، ولا يطلب عورته، ولا يبحث عن أخطائه ويقول:

(لا تبلغوني عن أصحابي إلاّ خيرا فإني أحب أن أخرج إليهم وأنا سليم الصدر)!!

يتفقد أصحابه، ويسأل عنهم: فإن كان أحدهم غائبا دعا له. وإن كان موجودا شاهدا زاره. وإن كان مريضاً عاده. وإذا لقيه الرجل فصافحه، لم ينزع يده من يده حتى يكون الرجل هو الذي ينزعها، ولا يصرف وجهه عن وجهه حتى يكون الرجل هو الذي يصرفه، وإن كان ليصافحه الرجل فما يترك رسول الله (ص) يده من يده حتى يكون هو التارك، فلما فطنوا لذلك كان الرجل إذا صافحه قال بيده فنزعها من يده. وإذا لقيه أحد فقام معه، أو جالسه لم ينصرف حتى يكون الرجل هو الذي ينصرف عنه.

وما وضع أحد فمه في أذنه إلا استمر صاغيا حتى يفرغ من حديثه ويذهب. وكان (ص) ضحوك السن.. أشدّ الناس خشية وخوفا من الله. وما ضرب امرأة له ولا خادما. يسبق حلمه غضبه.. ولا تزيده شدة الجهل عليه إلا حلما. أحسن الناس خلقا وأرجحهم حلما. وأعظمهم عفوا.. أجود بالخير من الريح المرسلة. أشجع الناس قلبا وأشدهم بأسا.. أكثر الناس حياء وحياؤه أشد من حياء العذراء في خدرها! يحب الفال الحسن.. ويغيّر الإسم القبيح بالحسن.. يشاور أصحابه في الأمر. أكثر الناس إغضاء عن العورات.

إذا كره شيئا عرف في وجهه، ولم يشافه أحداً بمكروه. وإذا بلغه عن أحد ما يكره، لم يسمّه في حديثه بل عرّض تعريضا وينتقد نفس الخطأ ويقول: ما بال أقوام… دون تسمية الشخص، أو يقول مثلاً: ما بال قوم يشترطون شروطا ليست في كتاب الله تعالى… ونحو ذلك.

ما دعاه أحد من أصحابه أو أهل بيته إلا قال: لبيك… يدعو أصحابه بأحب أسمائهم ويكنيهم إكراماً لهم. وإذا سمع بكاء الصغير وهو يصلي خفف صلاته. ما سئل شيئاً قط فقال لا! إذا أراد ان يفعل قال نعم.. وإذا لم يرد أن يفعل سكت!

كان أصبر الناس على أوزار الناس. إذا مشى أسرع.. ليس بالعاجز ولا الكسلان. ميالاً للجد من القول.. ويضحك أحيانا حتى تبدو نواجذه… فإذا غضب لم يظهر من أثر غضبه إلاّ نفرة عرق بين حاجبيه!. كان حسن الإصغاء إلى محدثه، لا يلوي عن أحد وجهه، ولا يكتفي بالإستماع إلى من يحدثه بل يلتفت إليه بكل جسمه.

قليل الكلام كثير الإنصاب.. وإذا تكلم بكلمة ربما أعادها ثلاثا حتى تفهم عنه. أكثر الناس شفقة على خلق الله، وأرأفهم بهم، وأرحمهم بهم، وأوصل الناس للرحم، وأقومهم بالوفاء وحسن العهد.. قد وسع الناسَ منه بَسْطُه وخُلُقُه فصار لهم أبا وصاروا عنده في الحق سواء (ما ذكرناه هنا في وصفه (ص) هو خلاصة ما جاء في التاريخ عن الإمام علي (ع) وأهل البيت (ع) والصحّابة وكتاب السيّر). 

 

 

الإسم والكنية واللقب والأولاد

 

للرسول الأعظم أسماء ذكرها القرآن:

منها: محمد وأحمد وطه وعبد الله وياسين ورسول الله وخاتم النبيين والمزمّل والمدّثر والمبشر والنذير والسراج المنير والشاهد والشهيد والأمي والداعي ورحمة للعالمين.

وكنيته (ص):

أبو القاسم، وأبو الطاهر، وأبو إبراهيم، وأبو الطيب، وأبو الرحانتين، وأبو السبطين.

ولقبه (ص):

خاتم النبوة والشفيع والهاشمي والقرشي والمدني والعربي.

بنوه (ص):

القاسم والطاهر وإبراهيم توفوا في حياته.

وبناته (ص):

زينب ورقية وأم كلثوم، توفين في حياته ما عدا الصديقة فاطمة الزهراء (ع).

 

حياته (ص)

 

ولد (ص) في مكّة المكّرمة في 12 أو 17 ربيع الأول في عام الفيل حوالي سنة 570 م وهو العام الذي أهلك الله في جيش ابرهة الذي ركب الفيل لهدم الكعبة (راجع سورة الفيل).

توفي والده عبد الله بن عبد المطلب وهو جنين أو طفل صغير ونشأ يتيماً.

تكفله جده عبد المطلب وأرضعته السيدة حليمة السعدية.. توفيت أمه السيدة آمنة بنت وهب وعمره 6 سنين. ثم كفله عمه أبو طالب فرعاه صغيراً وناصره كبيراً وصدقه وأيده نبيا..

في الخامسة والعشرين من عمره عمل في التجارة للسيدة خديجة بنت خويلد ثم تزوجها.

نزل عليه الوحي في سن الأربعين وبعث بالنبوة في السابع والعشرين من شهر رجب.

وكما رفع المسيح (ع) إلى السماء أسري برسول الله (ص) ليلا من مكة إلى المسجد الأقصى في القدس ثم إلى الملأ الأعلى في السماوات العلى ورجع إلى الأرض، كما جاء في السيرة النبوية كإحدى أعظم معجزاته (ص).

أول المؤمنين به الإمام علي بن أبي طالب (ع) ومن النساء زوجته السيدة أم المؤمنين خديجة بنت خويلد.

بقي في مكة بعد النبوة 13 سنة. وبعد وفاة عمه أبي طالب وزوجته السيدة خديجة هاجر إلى المدينة سنة 622 م. وبهذه الهجرة بدأ المسلمون بعد ذلك يسجلون الأحداث وبدأ التاريخ الهجري.

بعد دخوله المدينة هاجمته قبائل الشرك والإنحراف فألّف الجيوش وقاد المعارك والحملات في بدر وأحد والخندق وخيبر وفتح مكة وحنين والطائف وتبوك الخ… حتى نصره الله نصراً عزيزا.

وحول سنة من دخوله المدينة زوّج الإمام عليا (ع) من ابنته الصدّيقة فاطمة الزهراء (ع).

 

في السنة الأخيرة من حياته حج حجة الوداع وقفل راجعا، ثم جمع الحجاج في غدير خم (منطقة رابغ حاليا) ونصب الإمام عليا (ع) من بعده وأمر المسلمين بولايته…

توفي (ص) في 28 شهر صفر سنة 10 هجري المصادف 632 م وعمره 63 سنة… فشكلت حياته تحولا عظيما في تاريخ البشرية.

 

نبوة محمد (ص)

 

الأدلة على نبوة محمد (ص) كثيرة هذا شيء منها:

 

1– نبؤات الأديان:

 

بشرت الأديان السابقة بنبوة محمد (ص) ومهّدت لرسالة الإسلام العالمية الشاملة الدائمة.

وإذا تتبعنا التوراة المتداولة حاليا نجد فيها النص الآتي:

(لأنه هكذا قال رب الجنود هي مرة بعد قليل فازلزل السماوات والأرض والبحر واليابسة. وأزلزل كل الأمم ويأتي مشتهى كل الأمم فأملأ هذا البيت عدلا قال رب الجنود)(سفر حجي اصحاح 2 فقرة 6 – 7) 

 

(مشتهى كل الأمم حمدوت أي الذي تحمده كل الأمم) (راجع محمد (ص) في الكتب المقدسة) لمحمد رواس قلعجي ص 15 طبع المكتبة العربية بحلب – سوريا 1392 هــ 1972 م ).

 

 

وجاء في قاموس الكتاب المقدس تأليف نخبة من المختصين واللاهوتيين بإشراف المؤسسات الدينية المسيحية طبع في المطبعة الإنجيلية في بيروت سنة 1964 م:

(حمدان: اسم عبري معناه: سار، بهيج، مشتهى) ص 317 ويعتبر المسيحيون بأن مشتهى كل الأمم هو المسيح (ع) بشّرت به التوراة اليهودية (7).

(7) (راجع قاموس الكتاب المقدس ج 2 ص 888).

ولكن حمدان وحمدوت أقرب لكلمة محمد وأحمد منها لكلمة المسيح أو عيسى، لأن كلمة محمد تعني في اللغة العربية الذي تحمده الناس حمدا كثيرا وتثني عليه لأنه كثير الخصال الحميدة، وكلمة أحمد تعني الذي يأتي أو يفعل ما يحمد عليه (راجع المنجد وكتب اللغة). 

وإذا أضفنا إلى هذا النص التوراتي نصاً آخر من نفس التوراة يؤكد أنه سيأتي (وحي من جهة بلاد العرب) سفر أشعيا اصحاح 21 – فقرة 13 ، يتضح لنا أن مشتهى كل الأمم الذي تحمده الناس والوحي من جهة بلاد العرب إشارتان لحقيقة واحدة هي نبوة محمد (ص).

وإذا تتبعنا الأناجيل الحالية المتداولة بين الناس نجد في انجيل يوحنا على لسان المسيح (ع) انه قال:

(إن كنتم تحبونني فاحفظوا وصاياي، وأنا أطلب من الأب فيعطيكم معزياً آخر ليمكث معكم إلى الأبد). (اصحاح 14 فقرة 15-16). 

(وأمّا المعّزي الروح القدس الذي سيرسله الأب باسمي فهو يعلمكم كل شيء ويذكركم بكل ما قلته لكم. سلاما اترك لكم) (اصحاح 14 فقرة 26-27) 

ولعل هذا مصداق قوله تعالى في القرآن الكريم:

(وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ) (النحل 16/89).

وجاء أيضاً في إنجيل يوحنا أن المسيح (ع) قال:

(لكني أقول لكم الحق أنه خير لكم أن أنطلق.. لأنه إن لم انطلق لا يأتيكم المعزّي. ولكن إذا ذهبت أرسله إليكم. ومتى جاء ذاك يبكّت العالم على خطية وعلى بر وعلى دينونة). (اصحاح 16 فقرة 7-8)

(ومتى جاء المعزّي الذي سأرسله إليكم من الآب روح الحق الذي من عند الآب ينبثق فهو يشهد لي. وتشهدون أنتم أيضاً لأنكم معي من الإبتداء).(اصحاح 14 فقرة 26.) 

(إن لي اموراً كثيرة لأقول لكم ولكن لا تستطيعون أن تحتملوا الآن. وأما متى جاء ذاك روح الحق فهو يرشدكم إلى جميع الحق لأنه لا يتكلم من نفسه بل كل ما يسمع يتكلم به، ويخبركم بأمور آتية. ذاك يمجدني…) (اصحاح 16 فقرة 12-14 .) 

جاء في قاموس الكتاب المقدس في تفسير كلمة المعزّي:

(هو الروح القدس، ولم ترد إلاّ في انجيل يوحنا، والكلمة الأصلية اليونانية “براكليتيس” وتعني “معزّ” و “معين” و “شفيع” و “محام”…)(ص 626.)

من هو المعزّي الذي بشّر به المسيح عليه السلام؟

ذكر أن هناك كلمة أخرى تشبه كلمة براكليتيس هي بيراكليت تعني محمد أو أحمد أو محمود، ومهما يكن فان أوصاف المعزي الروح القدس كما وردت في انجيل يوحنا أوصاف بشرية بحسب العادة، فهو يسمع ويتكلم ويمكث مع الناس فهو إنسان وليس ملاكا. وهذه الأوصاف لم تنطبق بحسب هذه البشارات إلا على نبوّة رسول الله محمد (ص).

 

وها قد مضى على مجيء المسيح 1982 سنة وهي فترة طويلة جدا لم يعهد مثلها في انقطاع النبوات.. فإذا لم يكن محمد نبيا وخاتم الأنبياء فلماذا انقطع الوحي هذه المدة الطويلة ولم يأتِ نبيّ جديد؟

وفي انجيل برنابا وهو إنجيل لايعترف به المسيحيون، جاء فيه:

-(فمنح الإنسان الأول تلك الكتابة على ابهاميه: على ظفر إبهام اليد اليمنى ما نصه (لا إله إلا الله)، وعلى ظفر إبهام اليد اليسرى ما نصه (محمد رسول الله).(الفصل 39 خلق آدم فقرة 24-25.) 

وهذا يؤيد ما جاء عن الأمام علي الرضا (ع) أنه قال:

(كان نقش خاتم آدم: لا إله إلا الله محمد رسول الله، هبط به معه من الجنة).(قصص الأنبياء للسيد نعمة الله الجزائري ص 21.)

وجاء في انجيل برنابا أيضاً:

( إن اسمه المبارك محمد. حينئذ رفع الجمهور أصواتهم قائلين: يا الله أرسل رسولك! يا محمد تعال سريعا لخلاص العالم!) (الفصل 97 فقرة 17-18.) 

(أجاب التلاميذ: يا معلم! من عسى أن يكون ذلك الرجل الذي تتكلم عنه الذي سيأتي إلى العالم؟.. أجاب يسوع بابتهاج قلب: إنه محمد رسول الله)!!… (الفصل 163 – فقرة 7-8.) 

وقد أكد القرآن وجود هذه البشارات في كتب أهل الكتاب كاليهود والمسيحيين فقال تعالى:

-( الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آَمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ). (الأعراف 7/ 157).

-( وإذ قال عيسى بن مريم يا بنيسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدي من التوراة ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد فلما جاءهم بالبينات قالوا هذا سحر مبين.) (الصف 61/ 6).

 

2– السيرة الشخصية: 

 

سيرة النبي وسلوكه منذ بداية حياته حتى وفاته هي سيرة الأنبياء في العبادة والزهد والتواضع والأخلاق الكريمة والصبر والعفة والرحمة والكرم والشجاعة والحلم والجهاد والتضحية إلى ما هنالك من قيم ومزايا عظيمة.

ويفيد التاريخ أنه (ص) توفي ودرعه مرهونة عند يهودي، وكان يمر عليه الشهر والشهران لا يوقد في بيته نار بل يكتفي بالتمر والماء ولا يطبخ طعاما.. ينام على الحصير البالي حتى أثّر في جنبه وما شبع حتى من خبز الشعير!! وكان قادراً على العيش كأغنى إنسان دون أن ينتقده في ذلك أحد، ولكنه رفض وآثر حياة التقشف والعبادة. إن سيرة النبي (ص) وثباته في سبيل الله وصدقه في الدعوة أمر يدهش الباحثين ويثير إعجاب الأعداء فضلاً عن الأصدقاء، وكل ذلك مؤشر كبير على نبوته (ص).

3– الشخصية: 

شخصية النبي التي اختلفت بشكل ملحوظ بعد النبوة عنها قبل النبوة تشير إلى أن حالة غير عادية طرأت على كيانه وشخصيته فجأة، ولا تفسيرا طبيعيا لهذه الظاهرة المفاجئة إلاّ بالتدخل الإلهي ومعجزة النبوة.. فلم يعرف عن النبي (ص) أنه كان خطيبا مشهوراً في الجاهلية أو متعلما مثقفاً أو كاتباً لنصوص فكرية أو علمية أو أدبية وذلك مدة أربعين سنة قبل النبوة، وعندما نزل عليه الوحي وابتدأت مرحلة الرسالة، تغيرت شخصيته الثقافية والفكرية والحياتية والسياسية والعسكرية بشكل مفاجئ. هذه الظاهرة لا يمكن تفسيرها بالأسباب الطبيعية كما نفسر ظاهرة أي فيلسوف أو متعلم أو عالم في المجتمعات البشرية، لأن الأسباب الطبيعية تقتضي أن يتعلم الإنسان وأن يستمر في إظهار علمه وخطبه وبلاغته وأن ينمو شيئا فشيئا ويتطور في سلسلة من الخطأ والصواب منذ نعومة أظفاره. لكن الرسول (ص) لم يقدم تجارب من هذا النوع فلا يمكن تفسير كل الظواهر المفاجئة التي استولت على شخصيته إلاّ بالمعجزة النبوية وبأن الله هو الذي علمه حتى ورد في الحديث عنه (ص): (آدبني ربي فأحسن تأديبي).

وقال تعالى:

(وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا). (النساء  4/ 112)

إن ملامح النبوة ظاهرة في شخصية الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وما يقدمه أهل الأديان من أدلة على نبوة موسى وعيسى عليهما السلام تجد أكثر منه في النبي محمد (ص).. فإذا أنكرنا نبوة محمد (ص) فقد أنكرنا نبوة كل الأنبياء… يقول القرآن الكريم:

(قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ…) ) الاحقاف/46 9(.
(
أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ…) ) يونس/10 2(.

(قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيد).

 

4– الإنقلاب الحضاري:

 

الإنقلاب الحضاري الذي أحدثه الرسول (ص) خلال 23 سنة لا يسهل تفسيره تفسيراً طبيعياً.. فقد قضى على الوثنية وعادات الجاهلية السيئة المستحكمة، ووحد المجتمع، وأرسى نظام دولة كبرى، وخلق عناصر بروز أمة ضخمة قوية سرعان ما أزالت كيان الدولتين الأعظم في ذلك العصر: الدولة الساسانية الفارسية والدولة البيزنطية الرومية.

وأحدث (ص) انقلابا فكريا وروحيا وعقليا واجتماعيا وسياسيا وإنسانيا مدويّا..

لقد حدث كل شيء فجأة.. بدون مقدمات اجتماعية ولا تمهيدات فكرية أو تاريخية أو حضارية أو اجتماعية في بلاد العرب كالتي تسبق كل ثورة بشرية. تحوّل العرب من قبائل متقاتلة متوحشة، تقتل الأطفال وتئد البنات، ويسطو بعضهم على بعض، وتتحكم فيهم الغرائز والنزعات القبلية والعنصرية الجاهلية والخرافات والأساطير والعقد، ويستحكم فيهم الجهل والتخلف والفوضى والمرض.. تحولوا خلال 23 سنة إلى أقوى دولة في العالم في ذلك العصر وأكثر الدول تقدما ورقيا وعلما وثقافة وعدلا…

ما الذي حدث خلا ل هذه الفترة الخاطفة؟

لا يسهل علينا تفسير كل ما حدث تفسيراً طبيعياً عاديا وفق سنن التاريخ الإجتماعي… إنها النبوة المسددة من قبل الغيب التي يقول الله تعالى فيها:

(هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) )التوبة/9 33(.

 

5– المعجزة الخالدة: القرآن العظيم:

 

لا بد لكل نبي من معجزة تكون دليلا على صدق نبوته تناسب نوعية رسالته وقدرات عصره ووعي الناس… فالمعجزة المؤقتة هي للدين الموقت كالدين اليهودي والمسيحي، والخالدة المستمرة الغنيّة بأنواع الإعجاز الدائمة هي للدين المستمر الدائم كالإسلام.

 

جاء نبي الله موسى (ع) في عصر السحر ودينه موقت فجاءت معجزته موقتة وعلى نسق السحر وهي العصا التي انقلبت حية وقد انقضت وانتهت. وجاء نبي الله عيسى (ع) في عصر الطب حيث كانت فلسطين مستعمرة يونانية تأثرت بالطب اليوناني، ودينه موقت فجاءت معجزاته موقتة وعلى نسق الطب كإبراء المريض والأعمى والأبرص وإحياء الموتى بإذن الله، وقد انقضت وانتهت.

وجاء رسول الله محمد (ص) في عصر الفصاحة والبلاغة والكلمة الفاعلة المؤثرة ودينه كلي أبدي فجاءت معجزته القرآن الغني بالبلاغة وأنواع الإعجاز ليتناسب وتنوع الكفاءات والإختصاصات عبر العصور واختلاف المجتمعات… القرآن الذي تعجز البشرية عن الإتيان بمثله… قائماً أبديا، لم ينقض ولم يزل كأبدية الإسلام وعالميته وديمومته، ومعجزته لا تختص بالبلاغة وحدها.

إن كل معاجز الأنبياء انتهت إلا معجزة الدين العالمي الأبدي قائمة.. إنها النبأ العظيم: القرآن!! الذي يتناسب ونضوج العقل البشري وأعظم تطور يمكن أن يصل إليه إنسان، ولما كان القرآن لكل العصور تعددت عناصر معجزته مما يتناسب واختصاصات كل العصور. القرآن معجزة قائمة أمام العين الآن.. تماماً كأنك أمام رسول الله (ص) حتى قال بعض أصحابه:

من بلغه القرآن فكأنه رأى رسول الله!!

وجاء في الحديث عن رسول الله (ص):

(من القرآن فكأنما أدرجت النبوة بين جنبيه إلا أنه لا يوحى إليه)!!(الواعظ ج 6 حرف القرآن). 

القرآن أكثر من ستة آلاف أية، وكل من يقرأه يشعر كأن في داخل القرآن آلاف الخبراء والفلاسفة والإختصاصيين والمحللين والمشرعين والمفكرين، وعلماء النفس والطب والإجتماع والسياسة والإقتصاد، وعلماء الحساب والرياضيات والفلك والطبيعة والتاريخ والجغرافيا، وعلماء النبات والأحياء…

ما هذه العجيبة؟

لقد صدق من قال (لقد سمعنا قرآنا عجبا)!!

والسؤال هل كان رسول الله (ص) كل أولئك الخبراء والإختصاصيين؟

هل درس كل ذلك وتخصص فيه مما لا تسعه أعمار أجيال فضلا عن عمر شخص واحد؟

ألا يدل ذلك على أنه تنزيل العزيز العليم؟

 

إذا لم يكن محمد (ص) نبيا

 

من لم يؤمن بنبوة محمد (ص) يلزمه أن يقول بهذه الأمور:

1- أن النبي كاذب بادعاء نبوته!

2- وأن عبادته وزهده وتقواه وتضحيته كانت رياء وحيلة!

3- وأنه كان مثقفا متعلما حتى استطاع أن يأتي بالقرآن.

4- وأنه ليس على شاكله بقية الرسل والأنبياء.

5- وأن الله نصره ونصر نبوته وأظهرها على الناس رغم كذبه وريائه! معاذ الله!

ولندرس هذه الفروض على ضوء العقل والمنطق ووقائع التاريخ:

 

1– كذب النبوة:

 

إن من يدعي النبوة كذبا ويقع في مأزق هذه الكذبة الكبرى لا بد أن تكون حياته سلسلة ضخمة من الغش والتلاعب والخداع والكذب، ولا بد أن يفتضح أمره فورا ويكشفه الأعداء والأصدقاء.. فهل كانت حياة رسول الله (ص) كذلك؟

يؤكد لنا التاريخ أن حياته منذ نشأته كانت تشتمل على أروع صفات الطهر ومكارم الأخلاق والعاطفة والعفة والكرم والأمانة والصدق حتى لقب منذ شبابه بالصادق الأمين… وعندما نزل عليه الوحي في الأربعين من عمره صدّقه أقرب المقربين إليه العارفين بشؤونه الذين لمسوا صدقه واستقامته وهم الإمام علي (ع) وأم المؤمنين خديجة زوجة النبي التي لمست ظواهر جديدة ومفاجئة في شخصية زوجها فقالت: (والله ما يخزيك الله أبدا… إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتكسب المعدوم، وتعين على نوائب الحق) (راجع صحيح البخاري موضوع الوحي.)

وهذا ما قاله هرقل ملك الروح لأبي سفيان وجماعته عندما طلبوا نجدته للقضاء على الرسول (ص)، قال: هل كنتم تتهمون محمدا بالكذب قبل أن يقول ما قال؟

فقالوا – لا، ما جربنا عليه كذبا.

فقال لهم هرقل – لم يكن ليدع الكذب على الناس ثم يكذب على الله).

والواقع أن وضوح الصدق في شخصية النبي دفع أعرابيا إلى أن يسلم بمجرد رؤية النبي (ص) وقال: (والله ما هذا بوجه كذاب)!

وبعضهم اكتفى بنفس شهادة رسول الله (ص) على صدق نبوته ولم يطلب منه معجزة أو دليلا، وذلك لتأكدهم من صدقه وأمانته واستقامته…

يروي التاريخ أن رجلا دخل على رسول الله (ص) واستأذن بالحديث ثم قال:

(- لم أسألك بربك ورب من قبلك هل أرسلك الله إلى الناس كلهم؟

قال النبي – اللهم نعم.

فقال الرجل – أنشدك الله! هل أمرك أن تصلي الصلوات الخمس في اليوم والليلة؟

قال النبي – اللهم نعم.

فقال الرجل – أنشد الله! هل أمرك أن تصوم هذا الشهر من السنة؟

قال النبي – اللهم نعم.

فقال الرجل – أنشدك الله! هل أمرك أن تأخذ الصدقة من أغنيائنا فتقسمها على فقرائنا؟

قال النبي – اللهم نعم.

فقال الرجل – آمنت بما جئت به، وأنا رسول مَن ورائي من قومي… أنا ضمام بن ثعلبه أخو بني سعد بن بكر). 

ومن يدّعي النبوة كذبا لا بد أن يكون طامعاً بمجد أو مال أو سلطة فهل كان رسول الله طامعاً بالمجد والمال والسلطة؟

لقد عرضت عليه قريش كل ذلك شرط أن يترك الدعوة إلى الإسلام فأبى ورفض واستمات في سبيل نشر الإسلام.

هل تذرع النبي بالنبوة ليفرض مبادئه الإصلاحية؟.. إن المصلحين يستطيعون القيام بعمليات الإصلاح الضخمة بما وهوبوا من عبقرية وذكاء ولا حاجة بهم إلى استعمال هذه الكذبة الشائنة، وادعاء النبوة زورا وبهتانا.. ولو كان النبي مصلحا فقط لكانت مهمته أسهل وأقل صعوبة وأكثر تأثيراً من هذه الدعوى العريضة، دعوى النبوة التي تفرض على صاحبها تحديات كثيرة لا يقوى على مواجهتها لو لم يكن نبيا.

أمام هذه الوقائع وهذا المنطق هل تصمد دعوى أن النبي (ص) (كاذب) في نبوته؟

 

2– الرياء والحيلة:

 

هل كانت عبادة رسول الله (ص) وزهده وخوفه من الله في السر والعلن وتضحيته في سبيل الله رياء وحيلة؟!! من أجل ماذا؟ إذا كان من أجل هدف خاص فلا بدّ أن تنتهي عملية الرياء بعد أن تحقق الهدف واستتبت السلطة لرسول الله (ص).

وهل يستطيع النبي ممارسة الرياء والحيلة طيلة حياته، ولا يستطيع أحد اكتشافه لا سيما أهل بيته كالإمام علي (ع) والصدّيقة فاطمة الزهراء (ع) وهما اللذان تأثرا برسول الله (ص) إلى أبعد حدود الصدق والإلتزام بالإسلام ولازماه طيلة فترة الرسالة الإسلامية حتى وفاته؟

كيف استطاع أن يخفي حقيقته على أزواجه وكل من يعيش معه وكل من يشاهد تصرفاته السرية والخاصة؟

لماذا يقوم في عمق الليل وحده يصلي لله حتى تتورم قدماه؟ وهل في هذا العمل بهذا الشكل من الإنفراد والإنزواء والناس نيام حيلة ليجعلها تنطلي على الآخرين؟!

وإذا كان هدفه جمع المال والتمتع بملذات الحياة فلماذا عاش فقيرا زاهدا متقشفاً ورفض الإسراف والبطر والترف وكثيراً من المباهج وحياة اللهو واللغو والمجون؟

وإذ كان هدفه المجد والجاه فلماذا عاش عيشة بسيطة في بيت متواضع بسيط ينام على الحصير حتى أثر في جنبه وهو القادر على امتلاك الدور والقصور والأثاث الوثير وطيبات المآكل.. ويؤكد أنه عبد من عباد الله حتى ورد عنه أنه قال (ص):

(لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم… إنما أنا عبد الله، فقولوا عبد الله ورسوله).!!

ويؤكد التاريخ أنه (ص) دخل مكّة ظافراً منتصراً وهو ساجد على راحلته يشكر الله.. وعفا عن الناس… وجاءه رجل يرتعد فقال (ص): (هوّن عليك فإني لست بملك!! إنما أنا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد..)!!

وكره الكبر والغرور والغطرسة مصداق قوله تعالى: (وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا). 

هل يصح بعد كل هذا أن نقول إن عمله (ص) كان رياء وحيلة؟!

وإذا كان رياء وحيلة من أجل الإصلاح بين الناس وإزالة عاداتهم الجاهلية السيئة، فإن هذه الكذبة الشائنة أفظع من عادات الجاهلية السيئة لأنها زور وبهتان على خالق السموات والأرض وهو كذب يهون بعده كل كذب أو حرام أو عادة سيئة.. فهل يصلح الخطأ بالخطيئة والجريرة بالجريمة.

وتسأل: ألم يكن محمد من حنفاء الجزيرة العربية الذين كانوا يكرهون عادات الجاهلية ويعتقدون بالله؟.. ولكنه لم يكن نبيا مرسلاً.

الجواب: من يعتقد بالله ويخشاه ويحبه كيف يفتري هذه الكذبة الكبرى على من يحبه وهي مدعاة لغضب الله؟.. وهي كذبة لا يستسيغها الكذابون المحتالون فضلا عن الحنفاء المؤمنين الأمناء الصادقين المتقين.

 

3– أميّة النبي:

 

ثبت تاريخياً أن الرسول (ص) كان أميا لا يقرأ ولا يكتب، ولم يكن شاعراً أو كاتباً، ولم يعهد في بيته قلم أو ورق.. وقد أكد القرآن هذه الحقيقة أمام الملأ فلم يكذبه أحد ممن يعرف النبي محمدا (ص).. ولو كان ما ذكره القرآن في هذا الصدد غير حقيقي لاستنكره وكذبه المعارضون الذين نقل التاريخ إلينا اعتراضاتهم، وهم الذين كانوا يبحثون عن أي ثغرة أو ممسك للطعن في نبوة محمد (ص).. يقول تعالى:

(وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ) )العنكبوت29  /48.( 

(قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ) )يونس/10 16(.

ولو مارس الرسول التعلم لأشتهر ذلك بين الناس، لأن التعلم وتلقي الدروس والعلوم لا يتم في يوم واحد… ولادّعى أستاذه ذلك الشرف العظيم، ولاضطر رسول الله (ص) إلى تكريم أستاذه، أو تكريم أبنائه وأهله بعد وفاته، وذلك كله لأن التعلم لا يمكن اخفاؤه أو انكاره… علماً أن في القرآن علوما ومعارف ومفاهيم وقوانين يعجز الأمي عن فهمها فضلا عن اختراعها والإتيان بها… وهذا يدل على أن القرآن لا بدّ أن يكون من لدن عليم خبير.

 

4– الإختلاف عن بقية الرسل:

 

إن سلوك النبي وتمتعه بأعلى صفات الكمال البشري وجهاده ونضاله، فاقت بقية الرسل حتى ورد عنه أنه قال في مضمون حديث: (ما أوذي نبي كما أوذيت).

واحتج القرآن على منكري نبوته مؤكداً أنه لم يشذ عن سيرة الأنبياء فقال تعالى: (قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ..) ) الأحقاف/46 9. ( 

وقال غوستاف لوبون في كتابه (حضارة العرب):

(إذا ما قيست قيمة الرجال بجليل أعمالهم كان محمد من أعظم من عرفهم التاريخ)!!

 

5– هل ينصر الله النبي الكاذب؟

 

قد ينتصر بعض الكفار والمنافقين مؤقتاً، ممن لم يدّعِ النبوة، ولهذا يكون انتصارهم ممكنا… ولكن الحال فيما إذا ادّعى النبوة شخص كاذب، إذ يجب للـه من باب اللطف أن يمنع انتصاره حتى لا تلتبس الحجة على طالبي الحق فيكون ذلك تغريراً من الله للناس، ومخالفة للحكمة والعدل وإرادة الخير، تعالى الله عن ذلك علوا كبيراً.

إلى مثل هذه الحقيقة أشارت الآيات القرآنية:

(هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (62) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) )الأنفال/8 6263 ((وكان حقا علينا نصر المؤمنين).

(لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ). ) التوبة /9 25(26.

 

 

 

جهاد الرسول (ص)

 

كان رسول الله (ص) في غنى عن تجشم صعاب الرسالة لو كان همه نفسه وهو المتزوج من تلك الأميرة العربية القرشية الثرية يعيش في رفاه وهناء في ظل عاطفتها ومالها وجمالها، ولكنه رفض حياة الدعة والطمأنينة، وفضّل حياة الجهاد ومبادىء الحق على حياة الأمن والراحة.. كيف!! وقد هتف فيه صوت الوحي (يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ)!! (إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا)! فبدّل من أمنه خوفا، وشبعه جوعا، واستقراره تشردا وغربة!

وعرض عليه الجاه والمنصب سهلا سريعا على أن يترك هذا الأمر، فلم يساوم ولم يهادن.

وقد تعرّض عمه أبو طالب للعداوة والمقاطعة بسبب مساندته للنبي (ص) وقالوا له:

يا أبا طالب! إن لك سنا وشرفا ومنزلة فينا، وقد استنهيناك من ابن أخيك فلم تنهه عنّا… وإنّا والله لا نصبر على شتم آبائنا، وتسفيه أحلامنا، وعيب آلهتنا، حتى تكفّه عنا أو ننازله وإياك حتى يهلك أحد الفريقين!!

وجاء أبو طالب إلى الرسول يروي له ما أصابه من عنت قريش وصلفهم، ويرجوه إيقاف حملته قائلاً: فابق عليّ وعلى نفسك، ولا تحملني من الأمر ما لا أطيق. فأطرق النبي يفكر.. وما أصعب هذا الضغط الأدبي من أعز أعزاء الرسول، إنه عمه وكافله ومربيه منذ طفولته يتوسل إليه…

ولكن الأمر خارج عن إرادة الرسول الشخصية (ليس لك من الأمر شيء..) إنه أمر الله والرسالة والمبادىء الصادقة… أمر لا يحق التراجع فيه أو المساومة عليه. وهكذا ينبري الرسول ليجيب عمه بكل رحمة: يا عم!! والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك فيه!! وقام (ص) وقد خنقته العبرة!

ويتعاظم التقدير لرسول الله (ص) في نفس الشيخ الطاعن في السن ويستجيش إيمانه في صدره ليمتزج بعاطفته فيقول:

إذهب يا ابن أخي فقل ما أحببت… فو الله لا أسلمك لشيء تكرهه أبدا… إنه جواب لا يقل روعة عن جواب الرسول (ص).

*        *        *        *        *        *

واشتدت الحرب في وجه رسول الله (ص)…

وتتبع قريش معه شتى الأساليب من التخويف والترهيب إلى الإغراء والترغيب وتقديم المال والجاه والمنصب… ويرسلون الرسل لمساومته وإقناعه بالعودة عن الدعوة إلى الإسلام ويقولون له:

يا محمد إنا واللات (يحلفون باسم الصنم) ما نعلم رجلا من العرب أدخل على قومه مثل ما أدخلت على قومك… فإن كنت إنما جئت بهذا الحدث تطلب به مالا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا.. وإن كنت تريد تشريفا سودناك علينا (أي جعلناك سيدا علينا) فلا نقطع أمراً دونك.. وإن كنت تريد به ملكاً ملكناك علينا… وإن كان هذا الذي يأتيك رئيا (من الجن) تراه لا تستطيع رده عن نفسك، طلبنا لك الطب حتى تبرأ أو نعذر فيك!!

هذه هي اللحظات الحاسمة بين الأهداف الشخصية والرسالة.

لو كان الرسول طالب مجد أو مال فهذه هي اللحظة المناسبة.. ولكن الأمر يختلف… إنه صاحب رسالة.. وأي رسالة! رسالة الله إلى الإنسان والعالم.. رسالة كل الأنبياء والشهداء مختصرة في رسول الله!! مسؤول هو عنها!! ويرفض (ص) بكبرياء وعزة قائلاً: (ما بي ما تقولون!! ما جئت بما جئتكم به أطلب أموالكم، ولا الشرف فيكم، ولا الملك عليكم، ولكن الله بعثني إليكم رسولا، وأنزل عليّ كتابا، وأمرني أن أكون لكم بشيرا ونذيرا، فبلغتكم رسالات ربي، ونصحت لكم.. فإن تقبلوا مني ما جئتكم به فهو حظكم من الدنيا والآخرة، وإن تردوه عليّ أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم).

بهذه الكلمات الصاعقة حسم (ص) أمره، وفرض شروط اللاعودة، فتحزّب الناس في وجهه.. وشددوا عليه الخناق وجرعوه غصص المرارة.. واغروا به شعراءهم يذمونه وسفهاؤهم يقولون فيه السوء.. وعذبوا أصحابه بالضرب والحبس والتشريد والقتل.. وهددوه وأهله بالحرب والموت، فلم يزده ذلك إلاّ قوة وثباتا وإصراراً في سبيل الله!.

 

*        *        *        *        *        *

 

وأمر (ص) أصحابه بالهجرة حفاظا على دينهم، فهاجروا سراً إلى الحبشة (أثيوبيا) وكانوا في الدفعة الأولى 11 رجلاً و4 نسوة. وخرجت قريش إلى طلبهم فلم يدركوهم..

ثم هاجروا في الدفعة الثانية وكانوا 80 رجلاً و 18 امرأة فيهم جعفر بن أبي طالب وزوجته أسماء. ودخلوا على النجاشي ملك الحبشة وهو مسيحي، فأحسن جوارهم. ولكن قريشاً طالبت النجاشي بهم! فقال له جعفر بن أبي طالب:

أيها الملك! كنا قوماً أهل جاهلية، نعبد الأصنام ونأكل الميتة ونأتي الفواحش ونقطع الأرحام ونسيء الجوار ويأكل القوي منا الضعيف… فبعث الله فينا رسولا منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه.. فأمرنا أن نعبد الله وحده ونخلع ما كنا نعبد من دونه من الحجارة والأوثان.. وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام وصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الأرحام، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش، وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنات.. فصدقناه وآمنا به.. فعدا علينا قومنا ليردونا إلى عبادة الأصنام، واستحلال الخبائث… فلما قهرونا وظلمونا، خرجنا إلى بلادك، واخترناك على من سواك، ورجونا أن لا نظلم عندك!

وقرأ جعفر على النجاشي من سورة مريم.. فبكى النجاشي وبكى أساقفته!! وقال النجاشي:

إن هذا والذي جاء به موسى ليخرج من مشكاة واحدة.. وامتنع النجاشي عن رد المسلمين، وأكرمهم.. وكتب رسول الله (ص) بعد ذلك إلى النجاشي يدعوه إلى الإسلام فأسلم.. وشددت قريش الحصار على النبي وأهل بيته وبني هاشم ممن ساند رسول الله أو رقّ له مسلماً أو كافرا!!.. وعمدت إلى مقاطعتهم إجتماعياً وإقتصادياً وحصرهم في شعب من شعاب مكة (ناحية من نواحي مكة) لا يكلمون ولا يجالسون، ولا يبايعون ولا يخالطون ولا يطعمون حتى يموتوا جوعاً!! وكتب بنو قريش بذلك صحيفة ووقعوها واعتبروها وثيقة لا يجوز نقضها. فدخل النبي (ص) وأهله وبنو هاشم الشعب في خوف وكرب.. وقطع عنهم الطعام إلاّ ما كان يحمل سراً وهو نزر لا يمسك رمقهم.. حتى بلغ بهم الجهد! وسمعت أصوات صبيانهم من وراء الشعب!!

وكان ذلك أشد ما لقي رسول الله وأهل بيته في مكة!! وصبر النبي على ذلك سنتين أو ثلاثا…

وتلاوم رجال من قريش على ما صنعوا ببني هاشم، فأقبلوا إلى أندية قريش وقالوا:

يا أهل مكة أنأكل الطعام ونشرب الشراب ونلبس الثياب وبنو هاشم هلكى؟! والله لا نقعد حتى تُشَقَّ هذه الصحيفة القاطعة الظالمة!

فامتنع بنو قريش، فتلاسنوا وإياهم، وعلت الأصوات وكادت تقع فتنة، وما زالوا بهم حتى شقت الصحيفة.

وخرج بنو هاشم من حصار الشعب إلى مساكنهم شعثا غبرا ضعافا!! وكان ذلك في السنة التاسعة أو العاشرة من النبوة.

وتوفيت زوجة النبي السيدة خديجة وعمه أبو طالب وقد كانا سندا له ومعينا في الشدائد.. فحزن رسول الله (ص) حزناً شديداً… وسمى ذلك العام عام الحزن.

*        *        *        *        *        *

ولما توفي أبو طالب اجترأت قريش على رسول الله أكثر، وصممت على إذلاله وقتله.. وأغروا سفهاءهم يطاردونه ويرمونه بالحجارة، ورجموا داره ولاحقوه حتى أن بعضهم نزع عمامته عن رأسه الشريف وشدها في عنقه، واعترضه بعض سفهاء قريش وحثا التراب على رأسه.. فدخل الرسول (ص) إلى بيته والترب على رأسه، فقامت إليه ابنته فجعلت تغسل التراب عنه وهي تبكي، وهو يقول لها: لا تبك يا بنيّة، فإن الله مانعٌ أباك..

واشتدت قريش في إيذاء النبي بعد موت عمه وسنده وحاميه، واجتمعوا على إهانته والإيقاع به، حتى خرج (ص) إلى الطائف واستنجد بسادات ثقيف، وطلب إعانتهم، ودعاهم إلى الإسلام.. فقال له أحدهم: أما وجد الله أحدا يرسله غيرك!! وقال الآخر: انزع أستار الكعبة وارميها إن كان الله قد أرسلك!!. وقال الثالث: والله لا أكلمك أبدا: لئن كنت رسولا من الله كما تقول، لأنت أعظم خطرا من أرد عليك الكلام. ولئن كنت تكذب على الله ما ينبغي لي أن أكلمك!! فرجع رسول الله (ص) يائساً من ثقيف وقال لهم:

أما وقد فعلتم ما فعلتم فاكتموا عني.. لأنه (ص) خشي أن يعلم قومه بما حدث فيزدادوا جرأة عليه وشماتة. ولكن ثقيفا أغرت سفهاءها وعبيدها فأخذوا يسّبونه ويصيحون به حتى اجتمع عليه الناس وألجأوه إلى بستان، فاستظل بكرمة فيه، ووقف وقد خنقه الكرب وتهاطلت دموعه وأخذ يدعو قائلاً: (اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس يا أرحم الراحمين! أنت رب المستضعفين وأنت ربي… إلى من تكِلُني؟ إلى بعيد يتجهمني؟ أم إلى عدو ملكته أمري؟ إن لم يكن بك عليّ غضب فلا أبالي!! ولكن عافيتك هي أوسع لي. أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن تنزل بي غضبك، أو يحل عليّ سخطك، لك العتبى حتى ترضى!! ولا حول ولا قوة إلاّ بك).!!

إنه دعاء مثقل بالألم، جياش بالوجد والأسى، يستنزف الدمع، ويثير اللوعة.. ولكن.. كل شيء يهون في سبيل رضا الله!

(إن لم يكن بك عليّ غضب فلا أبالي)!! هذه هي القاعدة عند رسول الله (ص)، وبها اصطبغت حياة أهل البيت عليهم السلام وأصحابهم من بعده، فها هو الإمام الحسين (ع) سبط الرسول يقف بعد عشرات السنين في ساحات الشهادة في كربلاء وهو يعاني الجراح والموت والعطش والغربة قائلاً: هوّن عليّ ما نزل بي إنه بعين الله!

ويأتي حفيد أهل البيت الإمام الخميني في هذا العصر فيضرب أروع الأمثلة على الصبر وتحمل الأذى في سبيل نصرة الإسلام والمستضعفين في العالم. إنها مدرسة واحدة اسمها مدرسة الرسول وأهل البيت (ع).. مدرسة النبوة والإمامة والحق والصدق… مدرسة النضال والحرية والكرامة والإرادة والعزم والثبات في سبيل الله حتى النصر أو الشهادة!– (ما جاء في هذا الفصل من أحداث تاريخية وأقوال وردت عن الرسول وآله هي خلاصة روايات عديدة ذكرها المؤرخون.) 

فسلام على رسول الله وعلى آله الأكرمين وصحبه الطيبين والتابعين لهم بإحسان إلى قيام يوم الدين… مع أزكى آيات المودة والحب لهم إلى الأبد.

مكتب المرجعية 

 

مقتطف من كتاب “الرسول الأعظم (ص): لمحة عن حياته وأخلاقه ونبوته وجهاده”

عبد اللطيف برّي

أميركا ـ ديربورن

1403هــ 1982 م

 


أهم المصادر

القرآن الكريم

بحار الأنوار                               الشيخ المجلسي

الواعظ                                      الشيخ محمد علي الرباني

وسائل الوصول                          الشيخ يوسف البهاني

موجز تواريخ أهل البيت (ع)   محمد الشيخ طاهر السماوي مطبعة البرهان- بغداد 1380 هـ – 1961 م

الكتاب المقدس

العهد القديم والجديد (التوراة والإنجيل المتداولان)

قاموس الكتاب المقدس  نخبة من المختصين المطبعة الإنجيلية بيروت 1964 م

إنجيل برنابا                                ترجمة الدكتور خليل سعادة الطبعة الأولى – مطبعة المنار مصر 1325 هــ – 1907 م

محمد (ص) في الكتب المقدسة                        محمد رواس قلعه جي المكتبة العربية بحلب 1392 هـ – 1972 م

 

 

صحيح البخاري ومسلم

أعيان الشيعة                               السيد محسن الأمين

روح الدين الإسلامي    عفيف عبد الفتاح طبّارة الطبعة 5 1381 هــ – 1962 م

السيرة الحلبية                             ابن هشام

ثورة الإسلام وبطل الأنبياء            محمد لطفي جمعة

 

مقابلات

أخبار ومناسبات

بيانات