حوارات عقائدية

يشكل هذا القسم حوارات عقائدية تعالج الإختلافات بين…

بين الإسلام واليهودية

* منهج الحوار بين أهل الأديان السماويّة * هل ور…

مسائل الفقه العملي

يتناول هذا الكتاب العديد من مواضيع الفقه العملي ال…

اسئلة حول الإسلام

تتناول هذه الزاوية اسئلة وإجابات حول الإسلام، وقد …

شؤون الأسرة

تتناول هذه الزاوية شؤون الاسرة وتنقسم إلى عدة فروع…

الاستفتاءات

يتناول هذا الباب العديد من الاستفتاءات التي يجيب ع…

«
»

حوار حول الله والمادة

تاريخ النشر: 23 صفر 1432هجـ \\ 28 كانون الثاني 2011 م

مقدمة الطبعة الثانية

بعد صدور هذا الكتاب عن دار الصادق سنة 1393 هجـ 1973م كـ(دراسة حول الله والمادة)، ثم وقوع الأحداث اللبنانية سنة 1975م، حلّ الدمار مع الأسف بالدار المذكورة وغيرها من دور النشر في منطقة المكتبات في وسط بيروت، فاحترقت باقي نسخ الكتاب وتلفت أو ضاعت كغيرها من حشود الكتب.

وقد عمدت مجدّداً ـ بتوفيق الله ـ إلى مراجعة الكتاب أخيراً على عجل لإعادة طبعه، لتقوم دار الهادي النشطة بنشره وتوزيعه، وأسميته هذه المرة (حوار حول الله والمادة) ليعبِّر العنوان أكثر عن أسلوب الكتاب وموضوعه.

هذا ولم أرجع نصوص الكتاب غالباً إلى مصادرها، إلاَّ ما جاء عن المعصومين ، محافظةً على طابع الكتابة الحرّة، وطبيعة السجالات التي لا تركز عادة على ذكر المصادر بقدر ما تركّز على الإقناع، علماً أنّ تلك النصوص إنّما سيقت للاستئناس بمضمونها الفكري أو الفلسفي، بغضّ النظر عن مصدرها، لأنّها تقدم براهينها من ذاتها كمقاييس تحليلية منطقية لا على أساس مصدريتها، وتلك هي طبيعة الكتاب القائمة على النقاش العقلي البحت في ما تقتضيه طبيعة الموضوع، لا على النصوص وأسانيدها..

أسأله تعالى أن يساهم هذا العمل في تقديم إضافة فكرية ميسَّرة في هذا الجانب المعرفي وأن يجيب على أكثر شبهاته بالعقل والمنطق العلمي، وهو تعالى من وراء القصد.

عبد اللطيف بري

المجمع الإسلامي الثقافي

الولايات المتحدة الأمريكية

ديتروت-ديربورن

صفر 1423 هجـ – نيسان 2002م

هذا الكتاب

لعلّ أخطر قضية في الفكر البشري تفصل بين منهجين في فهم الكون والحياة على مستوى المبادىء والسلوك، وتحدد نمط حياة الإنسان، وآفاقه وآماله ومستقبله، هي قضية الوجود الإلهي!

هل لله وجود؟ وما هي مستنداته وحقائقه وتأثيره في الكون والحياة؟ أم أن الله مجرّد عقيدة؟

إذا تأكّد هذا الوجود يتغير موقع الإنسان ويصبح تابعاً لله، قوياً به، يثري ماهيته البشرية وإنسانيته بعزّة الله وجماله وكماله وحكمته، ويستمدّ منه قيمه وأحكامه، ويطوِّر وجوده على أساسه، ليعود إليه في حياة لا تنقطع، ووجود لا يستهلكه الأبد.

وعلى أساس غياب الوجود الإلهي وعدم وجود الله ـ جلّ الله وعلا ـ يصبح الإنسان وحيداً في هذا الكون؛ هو الذي يشرِّع القيم والمبادىء، ويدبِّر أموره بنفسه، ويصارع المجهول، ليستغرق داخل ذاته المتضخمة، وأنانيته المتورِّمة، ونسيجه الكينوني المستقل، ثم يطويه التراب ويستهلكه العدم.

هذا الكتاب يدرس هذه القضية الخطيرة في أدقّ مفاصلها، وفق أحدث الآراء التي يطرحها الإلحاد المعاصر، ويعالج كل ذلك بالتحليل والنقد في الحدَث والحوار التالي:

أرخى أحمد أجفانه من التعب، وأغمض عينيه، واستسلم لنوم هادىء عميق بعد آخر يوم من الامتحانات الدراسية الصعبة في الجامعة اللبنانية.

وفي صبيحة اليوم التالي حزم حقيبته، وغادر بيروت وحرّها الشديد إلى منتجع عين السيدة قرب مدينة عاليه في جبل لبنان للاستجمام والراحة.

وفي منتجع عين السيدة ـ حيث الهواء عليل والمناخ طيب ـ حطَّ أحمد رحاله في أوتيل رويَّال، فاستقبله صاحبه الشاب السيد جان قشّوع بحرارة وترحاب، وأنزله في غرفة خاصة.

رويَّال هو فندق يقع على منعطف جبل شامخ يقف بوقار وصمت، ويطلّ على الآفاق البعيدة فوق بيروت وشواطىء لبنان، يؤمه السوّاح والمصطافون، خلوداً للراحة والاستمتاع بهدوء الطبيعة وسحرها.

وهكذا كان أحمد يجلس طويلاً في باحة الفندق، يراقب الزائرين الجدد، ويرشف الشاي، ويطالع الصحف الصباحية وبعض الكتب المسلية، ويقرأ بحوثاً مختلفة في شتَّى الميادين.

وفي فترة ما قبل الغروب، تعوَّد أحمد أحياناً كثيرة أن يجلس ساعة على الشرفة المطلّة على البحر البعيد، يراقب سحر الطبيعة وجمالها، ويستشرف منظر الأفق النائي والشَّمس الغارقة في ما وراء الأفق.

وظلَّ أحمد يستمتع بوحدة لا يكدّر صفوها شيء.

وبعد أيَّام قلائل نزل في غرفة مجاورة شاب يدعى (عادل).

وحدث أن اجتمع أحمد بهذا الزائر الجديد القادم من السفر، وتجاذب وإيَّاه أطراف الحديث.

ثمَّ تكررت اللقاءات مرَّات عديدة.

وهكذا تطورت العلاقة إلى صداقة وتطارح هموم وآراء.

وكانت إقامة هذين الشابين طيلة فصل الصيف مثاراً للفضولية، فقد كان النقاش يحتدم بينهما، ويسهران أحياناً ساعات طويلة يتجادلان في حوار مثير حول شتَّى المواضيع الفكرية والدِّينيَّة والإلهية.

وذات يوم، خرج أحمد إلى الشرفة بعد غروب الشَّمس، فصلَّى هناك، وعقّب صلاته بشيءٍ من الدعاء وتلاوة القرآن الكريم… ثمَّ أخذ يتمشى عبر الشرفة في لحظة تأمل وتفكّر… ثمَّ تمدّد على مقعد وثير، وراح يقلب مجموعة من الكتب كانت أمامه ليختار منها ما يرضي فضوله.

ثمَّ تناول كتاباً صغيراً، وراح يلتهم سطوره بشغف ولذَّة. وفيما هو مستغرق في القراءة، إذ بصديقه عادل يلمحه من شباك غرفته.

وفجأة تسلل عادل إلى مقعد مقابل أحمد، وجلس عليه بهدوء وهو يقول:

ـ رُبَّ صدفة خير من ميعاد.

وانتبه أحمد، وهبَّ واقفاً، وقد اختلطت أفكار الكتاب بكلمات صديقه في لحظة ذهول. لكن أحمد تماسك ومدّ يده مصافحاً وقال:

ـ أهلاً… عادل؟ إنَّها صدفة سعيدة.

ـ وأسعد من ذلك أن نتناول الشاي سوية في هذه الزاوية المطلّة على الأفق.

وانتقل الصديقان إلى زاوية هادئة… وبعد برهة قصيرة راحا يرتشفان الشاي، ويتجاذبان أطراف الحديث:

عادل:

لمحت كتاباً دينياً صغيراً كنت تطالعه بشغف… على فكرة، هل تهتم بالبحوث الدِّينيَّة كثيراً؟

أحمد:

بالطبع، لقد وجدت في البحوث الدِّينيَّة وقضايا الإيمان عالماً حقيقياً وممتعاً لم أكن أتصوّره من قبل بهذا الشكل، ولهذا دأبت منذ فترة طويلة على دراسة هذا الحقل وتفهّمه بجدٍ، وأشعر أنِّي قد اكتشفت ما كنت أبحث عنه… لقد ارتاح ضميري، وهدأت عواصف روحي، بعد أن اطمأنت نفسي ووصلت إلى شاطىء اليقين والإيمان.

العلم والإيمان

عادل:

عجيب أمرك يا أحمد؛ أفي عصر النُّور والعلم والذرَّة والأقمار الصناعية تؤمن بهذه الأفكار القديمة؟!

أحمد:

بل أمرك أعجب يا عادل! إنَّك تخاطبني بلغة أقرب إلى الحماسة منها إلى المنطق.

فهل يتعارض عصر العلم والاختراعات مع الإيمان بالله؟

بل إنِّي أحتجُّ عليك بأنَّ عصر العلم يجب أن يحفّزنا على درس قضايانا بهدوء وتفهّم ومنطقية، دون اللجوء إلى الأسلوب الانفعالي.

عادل:

إنِّي أعهدك شاباً مثقفاً واعياً لا يبالي بهذه القضايا الغيبية، فنحن في عصر الواقع والقضايا المحسوسة، لا في عصر الغيبيات.

لقد انتهى عصر الإيمان بالغيبيات والقوى الخفية، وجاء عصر العلم والبحوث الجدّية، وما مضى لا يمكن أن يعود.

أحمد:

ما دمنا نؤمن سوية بالعلم الحديث والقضايا المنطقية والنقاش المثمر؛ فإنِّي على استعداد للدخول معك في حوار هادىء لاكتشاف أخطائنا، فليس كل قديم خطأً، ولا كل جديد صواباً. لقد علّمتنا التجارب أنَّ العلماء يطلعون كل يوم بنظريات جديدة، ثمَّ يبطلونها بعد فترة من الزمن أو يعودون إليها وهكذا…

ونحن إزاء هذا المناخ الجديد بحاجة إلى التروّي ومناقشة هذه الأفكار والنظريات بصراحة، لا أن نأخذ بها أخذ المسلَّمات؛ فنقع في التقليد الأعمى والجهل الغاشم من حيث أردنا أن نسترشد بنور العلم.

ولا مانع أن نأخذ بشكل واع ما يعطينا العلم من حقائق، أو ما تطلع به علينا النظريات من معلومات منطقية تثبت أمام النقد والنقاش.

ثمَّ من قال لك انَّ العلم الحديث يخالف ما نؤمن به أو ينفي وجود الله؟

ثمَّ هل تعلم أنَّ كثيراً من قضايا العلم ليست سوى غيب في غيب؟؟

النقاش المنطقي السليم

عادل:

على أيِّ حال، أنا غير مستعد للإيمان بشيء لم أقتنع به. وأراك تشجّعني على الدخول في حوار ونقاش يستهدف اختبار قضية الإلحاد والإيمان، ولا مانع عندي أن نخوض غمار هذه التجربة، عسى أن نكوِّن قناعات كافية ومواقف واعية وجريئة نصحّح بها أخطاءنا وأفكارنا.

وقد راق لي جدّاً ما اقترحته من إجراء حوار ونقاش موضوعي ونزيه حول وجود الله. لذا أرجو ألا تحرجك أسئلتي وأفكاري المادية.

أحمد:

وأرجو منك أيضاً أن تكون واسع الصدر، متفهّماً للأُمور، فإنَّ هدفنا هو الحقيقة، وتحديد الموقف الصحيح والرأي السليم… ولهذا فإنِّي لا أريدك متشدّداً بقدر ما أريدك متفهّماً.

عادل:

نحن متفقان إذاً…

أحمد:

وفي حقيبتي الآن بعض الكتب والمحاضرات في هذا الموضوع… ولا بُدَّ أولاً من تحديد نقطة الخلاف، والتعرّف إلى محور القضية الَّتي نختلف فيها بالرأي، ثمَّ ندرسها بعد ذلك بهدوء ومنطق سليم، وذلك عن طريق النقاش والحوار.

عادل:

إنِّي أوافق على الطرح العلمي المنطقي المقارن مع أفكارك.

أحمد:

وهذا ما سنتّبعه في حوارنا.

عادل:

إذاً مَنْ هو الخالق الَّذي خلقنا وخلق كُلَّ شيء؟ ماذا تقول؟

أحمد:

من أجل الإجابة عن هذا السؤال وأمثاله قامت شتَّى الفلسفات والأفكار والآراء، واختلفت الأجوبة وتباعدت المواقف.

فقال قوم: الخالق هو الله.

وقال آخرون: المادة هي الأساس، وإليها ينتمي الخلق. وتشعّبت الآراء في الخالق، حَتَّى أخذوا يحسبون الأصنام والأوثان ومظاهر الطبيعة ومخلوقاتها هي الخالق الأساس، أو الَّتي يتجسّد فيها الخالق الأساس، وهكذا…

ومن العجيب أنَّ جميع هذه المذاهب والفلسفات والأفكار اتفقت على أنَّ لهذه الموجودات خالقاً هو الأساس أي ليس قبله خالق، بل إليه يرجع كل الخلق، وهو أزلي الوجود منذ القِدم، لا بداية له، ولم يخلقه أحد، وهو خالد باقٍ إلى الأبد. ولكن هذه المذاهب اختلفت في نوعية هذا الخالق، في كنهه ومعناه وطبيعته.

ومعنى هذا ـ مبدئياً ـ أنَّه لم ينكر أحد وجود خالق ما لهذه الموجودات.

عادل:

هذا حق… لا بُدَّ من خالق هو أساس كُلّ شيء، وليس قبله شيء.

أحمد:

فمن هو هذا الخالق؟

عادل:

هذا ما أريد منك أن تجيبني عليه.

أحمد:

هنالك ثلاثة افتراضات للخالق الَّذي تبحث عنه وهي:

1 ـ اللاشيء أو العدم هو خالقنا وخالق الكون والموجودات.

2 ـ المواد الموجودة في الطبيعة هي الخالق.

3 ـ ذات واعية قادرة على التصميم والخلق والإتقان وإحكام الصنع، وهي الله الخالق الأول.

عادل:

الافتراض الأول لا يستحقّ الاهتمام، وليس جديراً بالدرس والنقاش.

أحمد:

رأيك صحيح يا عادل، فإنَّ اللاشيء أو العدم يستحيل أن يخلق أو يعطي شيئاً… وكما أنَّ فاقد الشيء لا يعطيه؛ فكذلك لا يمكن أن يكون العدم خالقاً للكون…

مثلاً: فقير لا يملك شيئاً، هل يستطيع أن يعطي مالاً؟

وإبريق ليس فيه ماء، هل يسكب ماءً؟

ومعلّم يجهل اللغة الروسية، هل يستطيع أن يعلِّمك إيَّاها؟

عادل:

بالطبع، لا…

أحمد:

إذاً فاقد الشيء لا يستطيع أن يعطي ما هو فاقده، والعدم لا شيء فلا يستطيع أن يعطي شيئاً.

عادل:

ولهذا فإنَّ الافتراض الأول مرفوض بتاتاً.

أحمد:

حسناً… نحن الآن بين قضيتين فقط:

(الطبيعة بما فيها من مواد) و(الذات الواعية العاقلة) أو فقل: المادة والله. وهذه النقطة بالذات هي موضع الاختلاف.

عادل:

حقاً هذه هي نقطة الاختلاف: هل الخالق هو الله أم المادة؟

أحمد:

فمن هو الخالق في رأيك؟

رأي مادي في نشوء الكون

عادل:

ما أمكننا التأكد منه بصورة قاطعة هو وجود المادة، وغيرها مشكوك فيه.

ولذا فإنَّ الخالق الأول هو الطبيعة متجسدة بالمادة بكلِّ أشكال المادة وعناصرها، فالمادة أصل كل شيء… والتفاعل المتبادل بين المواد الكونية هو سبب وجود الأشياء وتكوّن المخلوقات.

أحمد:

بغضّ النظر عن أنَّ وجود الله هو أيضاً حقيقة قاطعة أكدتها مظاهر الكون والأدلة المنطقية، وأكدها الأنبياء والرُّسل، فإنَّا نقول:

كيف تمّت هندسة الكون بهذا الشكل الدقيق المدهش من دون مهندس عظيم ذي وعي وقصد؟

الصدفة وتنظيم الكون

عادل:

الصدفة هي الَّتي نظمت هذا الكون…

أحمد:

هندسة دقيقة جداً عن طريق الصدفة؟؟ هذا شيء غير معقول، وكأننا نقول إن اللامنطق أوجد منطقا..

عادل:

تمَّ ذلك عن طريق تشكّل مواد الطبيعة في حِقَبٍ طويلة من الدَّهر…

فلقد كانت مواد الطبيعة متركبة تركّباً لا معنى له… وخلال مليارات لا تعدّ ولا تحصى من السنين، اختلفت هذه التشكيلات من حقبة إلى أخرى، وكانت في كلِّ مرة تتركب بشكل عشوائي مضحك… وهكذا حَتَّى تركبت بهذا الشكل دون تدخل أي قُوَّة أو إرادة واعية، فجاء التركيب هذه المرة متناسقاً رائعاً بعد معاناة طويلة منذ أقدم العصور. أليس ذلك معقولاً دون حاجة إلى افتراض إله أو مهندس؟

أحمد:

… إنَّه شيء مستحيل:

أولاً: لقد قدّر العلماء أنَّ عمر الكون هو 15 مليار سنة، ودعنا نقول: إنّ هذا العدد مضاعف كثيراً، فإنّ ذلك الوقت مع أضعافه من السنين لا يكفي لكي تتشكل فيه مواد الكون تشكّلات عشوائية هائلة لا تعدّ ولا تحصى حتّى تنظِّم الكون بالصدفة بهذا الشكل الرائع البديع حيث توقف التشكُّل واستقرّ وكأنّ هناك عقلاً وإرادة فولاذية عملاقة واعية أمسكت به!.

أمَّا التغييرات البسيطة جداً الَّتي تحدث في الكون عبر آلاف السنين، فهذه لا تكفي أيضاً لإيجاد تغيير جذري في الكون، وبالتالي فإنَّ هذه التغيُّرات البسيطة عاجزة عن أن تقلب الكون وتركبه تركيبة واحدة مرَّة ثانية خلال بضعة آلاف مليون سنة، فكيف إذا كُنَّا بحاجة إلى مليارات لا تعدّ ولا تحصى من التركيبات؟!

ثانياً: إذا كانت الطبيعة تتشكّل دائماً، فلماذا توقفت الآن ولم تهتزّ برمّتها بعد ذلك ولو مرَّة واحدة لتتغير بكاملها؟ وحَتَّى هذه التحويرات البسيطة جداً الَّتي تحدث في الكون وبشكل منتظم أحياناً، فهي تأتي في صالح هذه الصورة الفنّية الرائعة للكون، لتزيده جمالاً وبهاءً وروعةً وسحراً!! وهذا يعني أنَّ وراء كل ذلك مهندساً عظيماً يخططها وينسقها، وذلك هو الله تبارك وتعالى.

ثالثاً: إنَّ الدراسات الحسابية والرياضية الحديثة في نظرية الصدفة، أصبحت تميّز بين ما يمكن وقوعه عن طريق الصدفة وبين ما لا يمكن وقوعه عن طريقها.

ونشوء الكون هو من القسم الَّذي يستحيل أن يكون نتيجة للمصادفة، بل لا بُدَّ له من تخطيط وتوجيه وإرادة واعية وضبط محكم.

وهكذا، فمن المؤكد أنَّ المصادفة قد تحدث إذا كانت المساحة ضيقة والعدد قليلاً والنظام بسيطاً… وكُلَّما تكاثر العدد، وكبرت المساحة، وتعقّد النظام؛ كُلَّما صعب الحصول على صدفة هندسية تقوم مقام القصد والتنسيق المحكم. فلو وضعنا ملايين ملايين الأرقام المتسلسلة ضمن صندوق كبير، فامتزجت واختلطت، فهل يتصوّر العقل أنَّ من الممكن أن نخرج الواحد بعد الآخر بطريقة عشوائية، ونحصل على الأعداد بالترتيب، مهما نكرر التجربة إلى ما لا نهاية؟ وحَتَّى لو فرضنا أنَّها جاءت متسلسلة بالصدفة ـ وهذا فرض غريب ـ فهل يمكن أن تخرج مباشرة بشكل متسلسل مرَّة ثانية؟ مع أنَّ مخلوقات الله يتكرر وجودها باستمرار، وهي أعقد وأعجب من ملايين هذه الأعداد الجامدة!!

رابعاً: لقد أثبتت العلوم كما يقول (جون كليفلاند) وهو من علماء الكيمياء:

«أنَّ سلوك أي جزء من أجزاء المادة ـ مهما صغر أو تضاءل حجمه ـ لا يمكن أن يكون سلوكاً عشوائياً، بل إنَّه على نقيض ذلك يخضع لقوانين طبيعية محددة. وفي كثير من الأحيان يتمّ اكتشاف القانون قبل اكتشاف أسبابه أو فهم طريقة عمله بفترة طويلة من الزمن. ولكن لمجرد معرفة القانون وتحديد الظروف الَّتي يعمل في ظلِّها، يثق الكيميائيون فيه كل الثقة. ويظلّ القانون عاملاً ومؤدياً إلى النتائج نفسها. وليس من المعقول أن يكون لدى الكيميائيين كل هذه الثقة في القوانين الطبيعية لو أنَّ سلوك المادة والطاقة كان من النوع العشوائي الَّذي تتحكم فيه المصادفة. وعندما يتم أخيراً إدراك الأسباب الَّتي تجعل هذا القانون الطبيعي عاملاً، وتفسّر لنا حقيقته، فإنَّ أي أثر لفكرة العشوائية أو المصادفة في سلوك المادة أو الطاقة سوف يندثر اندثاراً تاماً».

خامساً: لو لم يكن الكون ناتجاً عن تدبير وقصد وإرادة واعية وحكمة بالغة وهندسة عظيمة تعنى به وتضبطه ضبطاً محكماً؛ لتعرّض للدمار والفناء منذ نشوئه، لأنَّ تشكيلة عشوائية واحدة من تشكيلات الكون اللاواعية كافية لتدميره وإفنائه كلية من خلال التصادم الفظيع.

ونحن نعرف أنَّ الطبيعة بما فيها من أجرام وذرَّات وجزئيات وأفلاك وقوانين محكمة، تبلغ من الدقة حدّاً يعجز أمامه أكبر العقول تفكيراً… وأنَّه لا مجال للخطأ والشذوذ في قوانينها ونظامها العجيب، وأنَّ أيَّ اختلال خطير في القوانين والإشعاعات الكونية كافٍ لتصادم الأشياء في الأجرام السَّماويَّة أو اختلال توازنها مرَّة واحدة، وبالتالي تفتيتها ودمارها. وهذا ما يجعلنا نتأكد أنَّ الصدفة والعشوائية والتشكيلات المختلفة الكلية العمياء، لا علم للكون بها… ولم تطرأ عليه لحظة واحدة.

سادساً: وإذا كان كل هذا الكون جاء نتيجة الصدفة، فليت شعري، كيف تفسِّر لنا الشيء الَّذي يحدث عن سابق تصميم وتخطيط ومن غير صدفة؟!

وإذا كان كل هذا الكون صدفة، فما هو الشيء الَّذي لم يكن وجوده صدفة؟؟ وما هي أوصافه وخصائصه ومميزاته، حَتَّى نرى هل تنطبق على الكون ومخلوقاته العجيبة؟!

جاء عن الإمام الصَّادق (ع) قوله عن مخلوقات الله وعجائب صنعه:

«هل ترى يمكن أن يكون بالإهمال؟ فإن كان الإهمال يأتي بمثل هذا التدبير، فقد يجب أن يكون العمد والتقدير يأتيان بالخطأ والمحال، لأنَّهما ضد الإهمال، وهذا فظيع من القول، وجهلٌ من قائله. لأنَّ الإهمال لا يأتي بالصواب، والتضادّ لا يأتي بالنظام، تعالى الله عمَّا يقول الملحدون علواً كبيراً» (1).

ولهذا يا عادل، إنَّ الصدفة الَّتي تفترضها في سبب نظام الكون وأحكامه لا دليل من العلم عليها، ولا برهان من المنطق يعضدها، بل إنَّ البرهان قائم على إبطالها ودحضها.

فما هي قيمتها بعد ذلك؟

عادل:

حقاً يجب الاعتراف بما تقول… ولكن العلماء يستعملون كلمة الصدفة أحياناً لتفسير بعض الظواهر الطبيعية، فماذا يقصدون بها إذاً؟

أحمد:

أجل يا عادل، إنَّ بعض العلماء يستعملون لفظ الصدفة أحياناً حين لا يعرفون سبب بعض الظواهر الطبيعية، فيضعون لفظ الصدفة مؤقتاً إزاء تلك الظواهر الطبيعية والحوادث الغامضة، بانتظار أن يكشف العلم في المستقبل عن أسبابها وقوانينها الحقيقية؛ في مثل ذلك، يكون استعمال الصدفة أمراً مؤقتاً يزول بمعرفة القانون وأسبابه، وليس هو الأمر النهائي.

وهذا يختلف عن الصدفة الَّتي تفترضها كسبب نهائي لهندسة الكون وتصميمه، بعد أن قامت الأدلَّة على أن لا مجال للصدفة في نظام الكون وقوانينه العجيبة الَّتي لم يجهلها العلم؛ بل اكتشفها وعرفها.

اللَّه والصدفة

عادل:

ولكن يا أحمد، ألا تعتقد على هذا الأساس بأنَّ وجود الله هو لون من ألوان الصدفة؟

أحمد:

وكيف يكون ذلك؟

عادل:

ما دام كل وجود منظم دقيق يحتاج إلى مهندس، فإنَّ نفس المهندس الأكبر، أي الله، هو بحاجة إلى سبب يكوّنه أيضاً، وحين لم يوجد له أي سبب، فلا بُدَّ من اعتبار وجوده صدفة!

أحمد:

هذا منطق غريب!! ألم نتّفق سابقاً على أنَّه لا بُدَّ من خالق هو أساس كل شيء، وليس قبله شيء، وهو غنيٌّ بذاته، ضروري الوجود، ليس بحاجة إلى سبب، ولا بُدَّ من وجوده لتفسير الكون، وإلاَّ لما أمكن لهذا العالم أن يوجد، ولا للنظام أن يسود فيه؟

إنَّ وجود الخالق ليس صدفةً أو عمليةً جاءت عن غير قصد وضرورة… إنَّ وجود الخالق هو ضرورة كونية وحتمية لازمة لا غنى عنها، ولذلك وصف الفلاسفة الخالق بأنَّه (واجب الوجود).

أمَّا الصدفة فهي العمل اللاضروري الَّذي يحدث دون قصد وإرادة، والَّذي يتساوى وجوده وعدمه.

بينما الخالق ضروري الوجود، ممتنع العدم، غني في الأسباب، لا يحتاج إلى سبب، بل إليه ترجع كل الأسباب والكائنات في وجودها واستمرارها ودقة صنعها.

هل للخالق خالق؟

عادل:

حقاً إنَّ الخالق هو أساس كُلّ شيء، إنَّه المنطلق الَّذي انبثقت عنه كل المخلوقات، فهي محتاجة وفقيرة إليه، تستمدّ وجودها واستمراريتها منه، ولكن لماذا يمتنع أن يكون هو ذاته مخلوقاً، خلقه وكوّنه إله سابق عليه؟! لماذا يستحيل أن يكون لهذا الخالق خالق؟

أحمد:

يتفق الإلهي والمادي على أنَّ الأشياء في الطبيعة تحتاج إلى موجد، وهذا لا نقاش فيه عند الجميع.

لكن المادي يقول: إنَّ الموجد هو المادة ذاتها، وإنَّها موجودة منذ القدم لا بداية لها ولا نهاية، ولم يخلقها أحد. وهي من طبيعتها الوجود…

فالمادي يصل إلى مرحلة يؤمن فيها بوجود أصل أزلي لا بداية له تنبثق عنه كل الأشياء ولا ينبثق عن شيء، بل يكون الخلق والوجود من طبيعته، فلا يحتاج إلى موجد، والمؤمن كذلك يصل إلى المرحلة نفسها، فيؤمن بأصل تنبثق عنه كل الأشياء، ولا ينبثق هو عن شيء، بل يكون الوجود من طبيعته، ولا بداية له ولا نهاية… إلاَّ أنَّ المؤمن يقول إنَّ هذا الموجد حكيم ذو إرادة ووعي وتصميم، والمادة لا وعي لها ولا إرادة ولا تصميم…

فلا بُدَّ أن يكون الموجد شيئاً غير المادة هو الله تبارك وتعالى، الذات الواعية، والقُوَّة الحكيمة المسيطرة، المبدعة.

وهذه القُوَّة لا حدود لها، ولا يحصرها الزَّمان والمكان، لأنَّها خالقة الزَّمان والمكان، وهي موجودة قبلهما، باقية بعدهما، ومن طبيعتها الوجود… فكما أنَّه لا يُقال: «لماذا كانت الثمانية زوجاً؟ ولماذا كانت النَّار حارة؟ ولماذا كان الثلج بارداً؟» فكذلك لا يُقال: «لماذا كان الإله أزلياً لا موجد له؟»… وذلك لأنَّ هذه الصفات: (الزوجية)، (الحرارة)، و(البرودة) من طبيعة هذه الذوات.

ومن هنا لا يصح أن نسأل من خلق الله؟ لأنَّ ذلك يعني أنَّنا نقيس وجود الخالق على وجود المخلوق… فلو قلنا «إنَّ للخالق خالقاً»، لتبادر إلى أذهاننا السؤال نفسه: ومن خالق الخالق؟

ولو قلنا: إنَّ لخالق الخالق خالقاً.. وخالقاً آخر، وهكذا.. لما أمكن حينئذٍ أن يوجد أي خالق، لأنَّ أي خالق نفترض وجوده ـ والحال هذه ـ لا بُدَّ وأن نفترض وجود خالق له، فلا يكون هناك منطق أساس تقف عنده سلسلة الخلق، وبالتالي لا تصل إلى نتيجة منطقية، بل تقع في الفراغ والدوّامة اللانهائية؛ ولامتنع وجود أي إنسان أو مخلوق أو أي شيء آخر في الكون.

ولنأخذ مثلاً بسيطاً على ذلك: فلو قال لك صديقك: أدخل أي باب شرط أن تدخل قبله باباً سابقاً!

فهل تستطيع تلبية هذا الطلب، وتدخل باباً من الأبواب؟ كلا، إذْ يمتنع عليك دخول أي باب، وتقف مكتوف اليدين.

وكذلك لو قلنا: إنَّ أي خالق لا بُدَّ وأن يكون له خالق سابق، ففي هذه الحال يمتنع أن يوجد مخلوق كما امتنع دخول كل الأبواب في المثال السابق.

عادل:

لماذا يمتنع ـ في المثال ـ دخول الأبواب؟ فإنِّي أستطيع مثلاً دخول باب البيت قبل باب الغرفة…

أحمد:

يجب أن تدخل باباً سابقاً قبل أي باب تريد دخوله، فمثلاً إذا أردت العبور من باب الغرفة يجب أن تدخل باباً سابقاً عليه، فلو رجعت إلى باب البيت؛ وجب كذلك أن تدخل باباً سابقاً عليه، وهكذا إلى ما لا نهاية… فهل يمكن تنفيذ هذا الطلب؟

عادل:

بالفعل إنَّ تنفيذ ذلك مستحيل.

أحمد:

نعم، إنَّ ذلك مستحيل، فكل شيء يتسلسل بهذا الشكل ليس من المعقول أن يكون موجوداً أو منفّذاً، ولهذا قال الفلاسفة: التسلسل باطل… أي مستحيل الوقوع.

وكذلك الأمر بالنسبة إلى الله، فلو قال لك صديقك «إنَّ كل إله موجود لا بُدَّ له من إله سابق عليه وهكذا»… فإنَّ ذلك مستحيل وخطأ كبير.

ومثال ذلك أيضاً: ما لو تعلمت قانون «أرخميدس» من المعلم، وتعلمه هو من أستاذه، والأستاذ من أستاذه الأسبق وهكذا… إلى أن تصل المرحلة إلى «أرخميدس» الَّذي اكتشف بنفسه ذلك القانون. فلو لم تصل المرحلة إلى شخص معيّن اكتشفه من تلقاء نفسه؛ لبقي ذلك القانون مجهولاً ولاستحالت معرفته.

وكذلك المخلوقات، لو لم تصل إلى أساس ومصدر يكون خالقاً غير مخلوق لما أمكن لتلك المخلوقات أن توجد… وعليه، فإنَّ سؤال «لماذا لا يكون للخالق خالقاً» سؤال غير منطقي، لأنَّ كلمة الخالق الأول أو الإله تعني أنَّه خالق غير مخلوق.

مثال آخر: لو كنت في غرفتك الخاصة، ووضعت كتابك على الكرسي، ثمَّ خرجت وأغلقت الباب، وعدت بعد قليل ووجدت الكتاب موضوعاً في المكتبة، فلا بُدَّ أن تتساءل بدهشة عن الشخص الَّذي حرّكه ونقله من مكانه، لأنَّ الكتاب ليس من طبيعته الحركة.

أمَّا لو تركت صديقك في الغرفة جالساً على الكرسي، ثمَّ عدت فوجدته جالساً على السرير، ففي هذه الحال لا تسألُ عن سبب انتقاله، لأنَّك تعرف أنَّه يملك قُوَّة الحركة والانتقال؛ والأمر هكذا بالنسبة إلى الله والمخلوقات. فنحن نعلم أنَّ هذه المخلوقات قاصرة في طباعها وصفاتها عن أن توجد بنفسها، فلا بُدَّ لها من خالق وموجد، وذلك هو الله تعالى.

ولما كانت الألوهية تقتضي أن يكون الإله موجوداً بذاته، كاملاً غير محتاج إلى غيره، لأنَّ من صفاته: وجوده وقيامه بنفسه، كان السؤال عن السبب الَّذي خلق الله سؤالاً ساذجاً غير علمي!

حدوث الصدفة أحياناً

عادل:

حسناً، إذا لم يكن الله مخلوقاً، ووجوده ليس نتيجة الصدفة، فهل يمكننا أن نفهم من كل ما مرَّ أنَّ الصدفة لا وجود لها إطلاقاً في عالم الطبيعة، مع أنَّ الصدفة تأتي نتيجة للإلتقاء العفوي بين سببين أو أكثر؟

أحمد:

نحن لم نقل هذا، فالمصادفات كثيرة في الطبيعة وفي حياة الإنسان، وهي ناشئة عن أسباب ومسبّبات، وكل ما نقوله هو أنَّ المصادفات في عالم الطبيعة والأشياء لا يمكن لها وحدها أن تنوع وتركب وتقنن وتضبط الخلق ضبطاً محكماً.

الصدفة قد تصنع مغارة (جعيتا) الجميلة في لبنان مثلاً، إلاَّ أنَّها لا تكرّر العملية بالشكل نفسه كالمصانع والمعامل المصنوعة بقصد وإرادة واعية، لأنَّ الصدفة لا تملك الوعي والإرادة… بينما نرى مخلوقات الطبيعة تتكرر باستمرار وبتناسق مدهش، وهذا يعني أنَّ هناك ما يفوق الصدفة في الخلق… هناك عقل كلّي شامل، وذات حكيمة واعية تكمن وراء الكون وتديره…

التطور في المادة

عادل:

ما دامت الصدفة باطلة، وهي عاجزة عن تفسير نظام الكون وهندسته العجيبة؛ فلماذا لا يكون التطور في تركيب المادة، والنزوع نحو الأفضل هو سبب هذا النظام والهندسة في الكون؟

أحمد:

أرجو أن توضّح لي كلامك.

عادل:

كانت المواد تتشكل منذ الماضي السحيق، وبدلاً من أن تكون الصدفة هي المتحكمة في تركيب مواد الطبيعة، حلَّت محلها سنّة التطور الطبيعي، التطور الَّذي يجعل تشكيل المواد وتركيبها ينتقل باستمرار، وينزع نحو الأفضل، حَتَّى وصل إلى صورته الحالية المتناسقة دون حاجة إلى افتراض إله.

أحمد:

ما هو الشيء الَّذي يحرّك المادة، فتتحرك وتتطور وتتشكل؟

عادل:

إنَّه القُوَّة الموجودة في نفس المادة.

أحمد:

ما الَّذي يرغم المواد ويجبرها على التطور؟ هل هي قُوَّة عاقلة أو قُوَّة غير عاقلة؟

فإذا كانت قُوَّة عاقلة، فتلك هي الله تبارك وتعالى، الله الَّذي بثَّ القُوَّة في صميم المادة والأشياء وجعلها تصبو وتنزع وتتحرك نحو التناسق والنظام بقدرته الخلاقة الحكيمة المبدعة.

عادل:

هب أنَّها قُوَّة غير عاقلة.

أحمد:

إذا لم تكن تلك القُوَّة الكامنة في أعماق المادة ناتجة عن العقل الكوني الأعظم، فما الَّذي يدفعها نحو الانضباط والتناسق والتشكل العجيب الَّذي يوزّع الأدوار ويعطي لكلِّ شيء مهمته وغايته؟

وإذا كانت تلك القُوَّة غير عاقلة، فلماذا تتحرك باتجاه الأفضل وتنزع نحو التناسق والنظام بشكل يجعل أكثر النَّاس عقلاً وحكمة عاجزاً عن مجاراتها… بل يجعل العلماء خاضعين أمام قوانينها وعظمتها إجلالاً وتقديساً؟

وإذا كانت تلك القُوَّة تتخبط بشكل عشوائي أعمى، فلماذا لا يجوز أن ترجع القهقرى دائماً، وتمعن في الشتات والفوضى؟

ألا ترى يا عادل بعين بصيرتك أنَّ الكون يخضع لقُوَّة عقلانية تحكم ضبطه وتماسكه؟

الحتمية الجدلية والتطور

عادل:

فلنفترض أنَّ هناك حتمية تكمن في أعماق المادة هي الَّتي تحركها وتطورها نحو الأفضل، وبالتالي تبثُّ روح التناسق والانضباط بين الأشياء وبين المخلوقات.

أحمد:

إذاً هذه حتمية عاقلة، لأنَّها تحمل مواصفات العقل والحكمة والتخطيط والهندسة، فإذا كانت كذلك؛ فلماذا يصعب علينا أن نتصور وراءها وجود الله؟

عادل:

فلنفترض أنَّها غير عاقلة، حتمية جبرية وكفى.

أحمد:

ما أعجب هذا يا عادل!! إنَّ الألفاظ لا تخلق الحقائق أو تغيّرها، وإلاَّ لما احتاج العلماء إلى الجهد المضني والعمل المستمر من أجل اكتشاف الحقائق وأسرار الكون.

إنَّ كلمة الجبرية، والحتمية، والضرورة المادية، كُلَّها ألفاظ لا تغيّر الواقع، ولا تجعل من القُوَّة العمياء اللاواعية قُوَّة بصيرة عاقلة واعية تخطط وتهندس وتبدع.

عادل:

دعني أوضح لك كيف تعمل هذه الحتمية الجبرية اللاواعية، وبعد ذلك قل ما شئت…

أحمد:

حسناً تفضل…

عادل:

إنَّه صراع وجدل المتناقضات الكامنة في أعماق المادة، هذا الصراع أو الجدل بين المتناقضات المادية يسمى (الديالكتيك) المادي أو الجدل المادي.

والجدل المادي هو رأي قديم طوّره المفكر الألماني «هيجل»، ولكنَّه اعتبر أنَّ قانون الجدل المادي نفسه من صنع الفكر الكوني الأعظم (الله) الَّذي يتجسد في هذا الكون شيئاً فشيئاً. وجاءت بعد هيجل المدرسة الماركسية الشيوعية، فنفت وجود الله، واعتبرت الجدل المادي شيئاً ذاتياً في صميم الكون والمادة… وأنَّه ليس من صنع الله، وأن لا إله إلاَّ المادة. كما اعتبرته أنَّه هو سبب الحركة والتطور والتناسق والهندسة في الكون، وأنَّ لا شيء قبله. لذا فإنِّي أفترض أنَّ جدل الطبيعة وصراع المتناقضات في المادة، أو ما يسمى بالديالكتيك، هو سبب التطور والتنوع والتناسق والهندسة في الكون.

أحمد:

رغم أنِّي أحمل فكرة حسنة عن الديالكتيك أو الجدل المادي، إلاَّ أنِّي أرجو منك أن تفسّر لي جيداً من وجهة نظرك كيف يتمُّ الصراع والجدل؟؟ وما هي تلك المتناقضات؟

عادل:

إنَّ الجدل المادي هو قانون حتمي عام، يشمل كلَّ مظاهر الكون ونشاط الطبيعة.

ويؤكد ذلك أنَّ القُوَّة الَّتي تحرّك المادة وتطوّرها هي قُوَّة ذاتية مستبطنة فيها، لأنَّ كل شيء يوجد فإنّه يحمل في صميمه نقيضه، وكل موجود يستبطن داخله بذور عدمه، فالكون والطبيعة ومواد الطبيعة والمادة الواحدة والذرَّة كُلُّها أشياء تحمل نقيضها في الصميم. إنَّ المادة مجتمع الأضداد، تحتدم فيها النقائض، ويدور بينها الصراع والجدل المحموم، ويشتدّ النضال… ويصل إلى موقف حرج هو عقدة العقد، وتنصهر النقائض، وفجأة تنحلُّ العقدة، فتتحرّك المادة وتنقلب، لتتحد في شكل جديد مركَّب يختلف عمَّا كانت عليه المادة السابقة، وبهذا يتهيأ الشيء للتطور والتشكل والتناسق.

وحين يولد هذا المركّب الجديد يحمل نقيضه معه أيضاً، ثمَّ يشتدّ الصراع مرَّة ثانية على طول الزمن، وفجأة ينقلب هذا المركب إلى مركب أرقى… وهكذا دواليك، تطور عن طريق الصيرورة والانحلال والنفي والإثبات، وحتمية جبرية أبدية تتجه صعداً نحو الشكل الأرقى باستمرار، وتفسّر لنا بالتالي كل مظاهر الكون المتناسقة وقوانينه الدقيقة.

نقد الجدلية المادية

أحمد:

يجب تفحص واختبار الجدلية المادية هذه لنرى هل تصلح حقاً لتفسير الكون وتنوعات الطبيعة وتطوراتها، أم أنَّها مجرد فرضية لا سند لها.

عادل:

يبدو أنَّها فلسفة معقولة.

أحمد:

نستطيع نقد الجدلية المادية من عدَّة جهات:

أولاً: الخلل الداخلي في الجدلية المادية:

إنَّ الجدل المادي يعني الصراع الفعلي بين النقيضين: الإثبات والنفي أو الوجود والعدم، واتحادهما بعد ذلك في مركّب جديد.

وهنا نتساءل:

هل يمكن للنقيضين أن يجتمعا في شيءٍ واحد؟

هل يصدق على أيِّ شيء في الكون أنَّه موجود ولا موجود في لحظة واحدة، في زمان واحد، في مكان واحد من جهة واحدة؟

هل أستطيع أن أقول إنَّك موجود ولا موجود الآن؟

بل هل يستطيع أن يتصوّر العقل ذلك بشكل عملي واقعي؟

عادل:

حقاً إنَّ ذلك أمر غير معقول. وقد يكون الشيء موجوداً ولا موجوداً، ولكن في زمانين أو مكانين أو جهتين مختلفتين… أمَّا أن يكون الشيء ذاته بكلِّ أوصافه موجوداً ولا موجوداً، في مكان واحد، في لحظة واحدة، من جهة واحدة، فذلك مستحيل الحدوث، ممتنع عقلاً.

أحمد:

وهنا نتساءل أيضاً: كيف يحمل الشيء نقيضه معه؟

هل يحمل الشيء وجوده وعدمه بشكل فعلي حقيقي في مكان وزمان واحد وجهة واحدة؟

إنَّ ذلك مستحيل عقلاً…

عادل:

ولكن كل شيء في الطبيعة مؤهل للفناء والعدم.

أحمد:

الأهلية والاستعداد والإمكانية شيء، والعدم الفعلي شيءٌ آخر.

ولا شكَّ أنَّ كل شيء في الطبيعة يحمل في صميمه أهلية الفناء وإمكانية العدم.

ولا شكَّ أنَّ مخلوقات الطبيعة تتوقى الموت وتخافه، وتناضل من أجل استمرار الحياة…

ولكن ليس معنى ذلك أنَّ الموت والحياة أو الوجود والعدم مجتمعان فيها بشكل فعلي.

ومن هنا، إذا لم يكن النقيضان مجتمعين فعلاً في الشيء نفسه، فهل يوجد بعد ذلك صراع فعلي بين النقيضين؟

عادل:

بالطبع على هذا الأساس لا صراع بين نقيضين فعليين.

أحمد:

وحيث لا يوجد هناك متناقضات فعلية، فمن أين جاءت الحركة؟ وهل يمكن بعد ذلك أن تتواجد الحركة التطورية حسب نظرية الجدل المادي؟

وما دامت التناقضات غير مجتمعة بالفعل، أي في الواقع العملي، حيث وجود الشيء قائم بالفعل ونقيضه، وهو الفناء، مجرّد إمكانية غير فعلية فلا يوجد تناقض فعلي بين الطرفين الوجود والعدم، وحينئذٍ فلا مستمسك يدعم صحة القول بذاتية التطور بالشكل الجدلي، على الرغم من أنَّنا نعترف بالتطور والتدرج المستمر من حالة إلى حالة ومن شكل إلى آخر، كما قد ينقلب الشيء إلى ضدّه أو نقيضه بالتدرج. وفي اللحظة الَّتي يصدق فيها نقيضه يكون وجوده قد انتهى، ولا يمكن أن يجتمع وجوده مع عدمه في لحظة واحدة.

عادل:

هب أنَّ التناقض لا يعني اجتماع الوجود والعدم المحض في شيء واحد، بل يعني التضادّ والمنافرة، بل وحَتَّى مجرد الاختلاف والتصارع بين شيئين أحياناً، وحينئذٍ يأتي التطور نتيجة الفعل المتبادل بين هذه القوى المتضادة في الطبيعة أو في داخل المادة.

وقد أكد (لينين) أحد أقطاب الماركسية، أنَّ التناقض بهذا المعنى عام في الكون، وذلك كما يلي:

في الرياضيات:

+ و – التفاضل والتكامل

في الميكانيكا:

الفعل ورد الفعل

في الفيزياء:

الكهرباء الموجبة والسالبة

في الكيمياء:

اتحاد الذرَّات وتفككها

في العلوم الاجتماعية:

الصراع الطبقي

يقول (ماوتسي تونغ) زعيم الصين الشيوعية الأسبق:

«إنَّ كل تفاوت في العالم ينطوي في ذاته على تناقض، وإنَّ التفاوت هو التناقض».

أحمد:

التناقض فكرة غائمة عند الماركسيين، وليس له معنى علمي واحد محدّد، فهو تارة يعني الوجود والعدم، وأخرى يعني الضدّين، وثالثة يعني الشيئين المختلفين، وأحياناً يعني مجرد الصراع حَتَّى بين الشيئين المتماثلين… وهو تارة أساسي وأخرى ثانوي، وتارة عدائي وتارة غير عدائي!! حقاً هذا هو اجتماع النقائض في هذه الفلسفة!!

ومهما يكن معنى التناقض، فلا شكَّ أنَّ موجودات الطبيعة مختلفة، ولا شكَّ أنَّ هناك تفاعلاً بين مختلف موجودات الطبيعة، ولا شكَّ أنَّ هناك تطوراً وتدرّجاً وارتقاءً في مدارج الكمال والتغيُّر. وهذا كُلُّه لا كلام لنا فيه.

إنَّما الاختلاف في المحرك الأساس لقوى الطبيعة، في المهندس الَّذي نسّقها ونظمها وأعطاها قُوَّة الحركة والنزوع نحو التكامل والتنوّع والتشكل المشرف على قوانين التطوّر نفسها.

عادل:

فليكن نفس هذا الاختلاف هو المثير للحركة والصراع والتطور الخلاَّق، وهذا هو الجدل المادي بعينه.

والحركة من الأساس هي طاقة كامنة في المادة، وهي شيء ذاتي فيها يفسّره الجدل المادي، وتبقى الحركة في حدود الإمكانية، حَتَّى تستثار فتنقلب إلى واقع وفعل على الرغم من وجود حركة مستمرة داخل الذرَّة لا تهدأ ولا تتوقف.

أحمد:

حسناً، لنختبر الجدل المادي والديالكتيك علمياً في صميم المادة، لنرى هل أنَّ التناقض داخل المادة هو الَّذي يحركها؟

عادل:

يقول (لينين) في (الدفاتر الفلسفية):

«إنَّ الديالكتيك، بالمعنى الخاص للكلمة، هو درس التناقضات في ماهية الأشياء نفسها».

أحمد:

وهذا ما سأفعله:

إنِّي أنظر حولي فأرى أشياء مختلفة:

طاولة، خشب، قماش، نبات، ماء، أحجار، هواء، معادن، الخ… وكُلَّها أشياء تتكوَّن من أجزاء دقيقة، وهذه بدورها تتألف من دقائق أصغر، ثمَّ أصغر… وهكذا حَتَّى تصل إلى ذرَّات لا ترى حَتَّى في أقوى المجاهر… هذه الذرَّات من الصغر بحيث يوجد منها في حبة رمل واحدة أكثر مِمَّا يوجد من حبات الرمل نفسها في شاطىء واسع. والذرَّة الواحدة هي عالم قائم بذاته، أفلاك ومدارات وأسرار غامضة. وألغاز عسيرة الحل.

ولكن العلم الحديث أحدث شرخاً في الذرَّة، وسلَّط الأنوار على محتوياتها الداخلية، ففضح بعضاً من أسرارها، واكتشف أنَّ في داخل الذرَّة نواة تدور حولها كهارب الكترونية سالبة، فهي كنجوم تدور حول شمسها. وفي داخل النواة كهارب بروتونية موجبة، وفي داخلها أيضاً جسيمات خالية من الشحنات الكهربائية تسمى نيوترونات، وتتعايش النيوترونات بهدوء وسلام وطمأنينة وتفاهم تام، فلا عراك ولا صراع ولا جدال بينها.

وأمَّا البروتونات والإلكترونات، فعلى الرغم من أنَّ بعضها موجب والآخر سالب، فهي لا تتحرك انطلاقاً من تفاعل أو تصادم الإيجاب والسلب… بل إنَّ بعضها ثابت نسبياً وهو البروتون، وبعضها متحرك في ذاته كالإلكترون الَّذي يتحرك على أساس حراري، وما دامت الحرارة تموّنه فهو يتحرك حَتَّى لو انعتق من مدار الذرَّة، أمَّا البروتونات فإنَّها تضبط مدار الإلكترونات وتبقيها ضمن خط جاذبيتها، بل إنَّ سرعة الحركة ومدى قطرها تتأثران أحياناً بعوامل من خارج الذرَّة لا دخل لها بالسلب والإيجاب.

ولو كان السلب والإيجاب منشأ الحركة لتحرّكت البروتونات كحركة الإلكترونات، بل إنَّنا نرى أحياناً أنَّ الإيجاب والسلب يستدعيان التعادل والتوازن والاستقرار واللاصراع ككفتي ميزان متعادلين في الوزن.

ومن المعروف علمياً أنَّ الجسمين المختلفين يتآلفان، والجسمين المتجانسين يتنافران، وعلى ذلك، فإنَّ هناك تآلفاً تاماً بين الإلكترونات والبروتونات داخل الذرَّة لأنَّهما جسمان مختلفان، وظاهرة التآلف هذه تسمى في لغة العلم قُوَّة الترابط.

فإذا كانت الإلكترونات والبروتونات تشكلان عنصري التناقض، فلماذا تآلفتا وتحابتا ولم تتصارعا ولم تتجادلا كما لم تتنافرا؟!

ولو كان هناك صراع وتنافر بين الإيجاب والسلب، بين البروتون والإلكترون، لأدَّى ذلك بشكل عفوي إلى فصل قُوَّة الترابط وانفلاق ذرَّات المادة كُلِّها، وسوف يحصل جرَّاء ذلك انفجار ذري هائل في الكون كُلِّه، وهذا ما لم يحدث فعلاً، فأين هو الديالكتيك والجدل؟

وعلى العكس من ذلك، إذا حاولنا بشكل مقصود شطر النواة الذرية، وفصل الكهارب بعضها عن البعض الآخر، فستثور النواة وتنفجر.

وهكذا نرى أنَّ افتراق المتناقضات يولد انفجاراً لا اجتماعها ولا صراعها، وأنَّ اجتماع المتناقضات لا يكفي وحده لتفسير الحركة في الكون، ابتداءً من الذرَّة وانتهاءً بالمجرَّة.

وأمَّا الطاقة الكامنة في أعماق الذرَّة، وهي حركة مضغوطة ومختزنة، فليست ناشئة من سذاجة التناقض بين الشحنات الإلكترونية السالبة والشحنات البروتونية الموجبة.

يقول المهندس السوفياتي الاختصاصي بفيزياء اللاسلكي (ك. جلاد كوف) في كتابه «طاقة الذرَّة» المطبوع في دار «مير» للطباعة والنشر موسكو:

«لقد واجهت الفيزيائيين صورة بهذا الشكل، عندما حاولوا فهم ما يجري داخل الذرَّة وفي نواتها، أي معرفة القوى السائدة فيها، والقوانين الَّتي تسيّرها. إنَّنا نعلم أنَّ القوى الكهربائية الَّتي تعمل على جذب الإلكترونات ذات الشحنة السالبة إلى نوى الذرَّات الموجبة، لا بُدَّ وأن تجبر الجسيمات الموجبة المجتمعة داخل النواة ـ البروتونات ـ على التنافر والابتعاد عن بعضها البعض بقُوَّة هائلة. وعلى عكس كل القوانين المعروفة لدينا، فإنَّ البروتونات الموجودة داخل نواة الذرَّة، بدلاً من أن تتطاير وتتنافر، فإنَّها لسببٍ ما، تظل مرتبطة ببعضها البعض بشدة، لدرجة تَلزمنا فيها قُوَّة كبيرة لفصلها.

ما هي هذه القُوَّة؟

هل هي قوى كهربائية؟ إذا كان نصف عدد بروتونات النواة اكتسب شحنة سالبة بدلاً من شحنته الموجبة، نتيجة ذلك تنشأ قُوَّة جذب كهربائية بين البروتونات بدلاً من قُوَّة التنافر المفروض وجودها، إلاَّ أنَّه اتضح أنَّ قُوَّة الجذب الكهربائية هذه، أقل بحوالي 40 مرَّة من تلك القوى الَّتي تقوم فعلاً بربط البروتونات ذات الشحنات المتشابهة داخل نواة الذرَّة.

وبالتالي، فإنَّ هذه القوى الداخلية ليست قوى كهربائية. وإلى جانب ذلك، كيف تستطيع القوى الكهربائية أن تجمع داخل النواة، النيوترونات الَّتي لا تحمل أية شحنات كهربائية على الإطلاق؟

هل بالإمكان أن تكون هذه القوى، قوى جاذبية؟ لقد اتضح أنَّ هذا أيضاً غير محتمل، إذ إنَّ قُوَّة الجذب بين جسمين من جسيمات النواة، أقل من تلك القوى الَّتي تربطها فعلاً، بمقدار 10/37 مرَّة.

إذأً، ما هي هذه القوى المحيرة غير المفهومة؟

عندما بدأ العلماء الاهتمام بالإلكترونات ودراستها، كانت القوى الَّتي تدخل في هذه «اللعبة» مفهومة بكُلِّ دقة. لقد كانت قوى جذب وتنافر كهربائية.

وفي ذات الوقت، لم تكن القوانين الَّتي توجه وتتحكم في هذه القوى معروفة بعد (…) وعندما يدور الحديث عن نوى الذرَّات، يمكننا أيضاً فهم القوانين المتحكمة فيها، لأنَّ ميكانيكا الكم تتحدث عن هذه القوانين. ولكنَّنا لا نعرف ماهية القوى الَّتي تشترك في «اللعبة» الَّتي تجري داخل النواة (…). ويجدر أن نشير هنا إلى تلك الحقيقة المدهشة، وهي أنَّ هذه القوى الموجودة بين الجسيمات، لا تعتمد إطلاقاً على شحنة هذه الجسيمات الكهربائية».

وهكذا نرى أنَّ قُوَّة الحركة المخزونة داخل الذرَّة ليست نتيجة التناقض والسلب والإيجاب، بل لخواص ثانية تفوق سذاجة التناقض.

بل تؤكد النظريات العلمية أنَّ هناك تأثيراً متبادلاً بين البروتونات الموجبة والنيوترونات الخالية من أيِّ شحنة، تبادلاً بين البروتونات والنيوترونات لا الإلكترونات، وأنَّ المسؤول عن عملية التبادل هذه هي الميزونات الثقيلة، وهي جسيمات تحمل القوى النووية الداخلية في الذرَّة، لا التناقض الَّذي يؤكده أقطاب الديالكتيك.

ويقول المهندس السوفييتي الآنف الذكر:

«إنَّ النظرية الميزونية تفسّر بشكل مرضٍ جميع خواص ودقائق القوى الكامنة في النواة الَّتي ما زالت مبهمة حَتَّى الآن (…) إنَّ دور هذه الميزونات الثقيلة جداً، فيما يتعلق بأصل وتأثير القوى الكامنة في النواة ما زال غير واضح (…) ولا يستبعد أن يظهر أنَّ النظرية الميزونية للقوى الكامنة داخل النواة قصيرة العمر، ويضطر العلماء إلى وضع نظرية جديدة تفسّر المعضلة رقم واحد في الفيزياء الحديثة: ما هي القوى الكامنة داخل النواة؟

هذه هي الصورة الَّتي يمكنها أن تعطينا فكرة تقريبية فقط عن خواص القوى المؤثرة في حيز صغير جداً، هو نواة الذرَّة، الَّتي تختفي في حركتها المستمرة وتحولاتها طاقة هائلة، تَمكَّنَ الإنسان من تحرير جزء صغير منها فقط حَتَّى الآن».

من هذا كُلَّه، نرى أنَّ العلماء لم يستطيعوا حَتَّى الآن إعطاء نظرية شاملة قاطعة تفسّر كُلَّ شيء في عالم الماديات والذرَّة، فكيف نسمح لأنفسنا بعد ذلك ـ إن كُنَّا نحترم العلم ـ أن نعطي الديالكتيك والجدل المادي حكماً كلياً قاطعاً في تفسير كل شيء؟ حَتَّى إذا استعصى علينا الحل في مجهول علمي أو تعبنا في البحث عن سبب موضوعي، لجأنا إلى وثيقة الجدل المادي فأبرزناها، كما لو كُنَّا نملك تلك الوصفة السحرية الَّتي تصلح لكل معضلة!

ولو سلّمنا وآمنَّا أنَّ الجدل هو الحالة القائمة في أعماق الذرَّة، إلاَّ أنَّه يبقى شكلاً وصفياً لحالة قائمة، فكيف يكون هو سبب تلك الحالة؟

إن علمنا بشكل النزاع القائم بين فريقين لا يعني علمنا بسببه.

وإذا شاهدنا آلةً تتحرك لا يعني أنَّنا عرفنا سبب حركتها والقوى الكامنة وراء تحريكها.

إنَّ التناقض هو عمل وصفي، لا كشف عن سبب.

عادل:

حَتَّى لو نفينا الجدل المادي، فإنَّ الحركة حينئذٍ تبقى شيئاً من صميم المادة، وبالتالي فلا تستطيع من خلال ذلك أن تدلل على وجود الله حَتَّى لو رفضتَ منطق الديالكتيك والجدل المادي ما دامت الحركة ملازمة للمادة.

أحمد:

إذا سلّمنا ببطلان منطق الجدل المادي الَّذي يفسّر الحركة ويعتبر نفسه سبباً لها، فلا بُدَّ أولاً من فاعل للحركة وخالق لها ما دام الجدل لا يستطيع أن يكون هو العلَّة الكافية.

وثانياً، فإنَّ اتجاه الحركة ينزع نحو التنسيق والإبداع، والحركة لا تعي ولا تفكر… فلا بُدَّ من وجود العقل الَّذي جعلها تنزع وتتوجه قدماً نحو التطور والتناسق والخلق.

عادل:

الحركة ليست صفة عرضية للمادة، بل هي إحدى الخواص الأساسية للمادة، وهي صفة أزلية ملازمة لها. المادة والحركة تشكلان وحدة لا تنفصم.

والحركة منبثّة في الكون كُلِّه بلا استثناء مهما تعقّدت بعد ذلك أو تداخلت. وهي ليست تبدّلاً في المكان فحسب، بل هي كلّ تحوّل يطرأ:

فهناك حركة مكانية (ميكانيكية).

وحركة فيزيائية.

وحركة تفاعلية كيميائية.

وحركة عضوية بيولوجية.

وحركة اجتماعية تاريخية.

وتبدأ الحركة بالظواهر البدائية البسيطة، وترتفع صعداً نحو الظواهر المعقدة العالية… وهذا التطور يمرّ في مراحل ثلاث:

1 ـ المرحلة الدُّنيا: وهي الحركة في المواد غير الحية، كالحركة المكانية والفيزيائية والكيميائية.

2 ـ مرحلة الكائنات الحية: وتتمثل بالحركة العضوية.

3 ـ المرحلة العليا: وتتمثل بالحركة الاجتماعية وحركة الفكر والشعور، وهما أرقى نتاج للمادة حَتَّى الآن.

أحمد:

إنَّ الحركة ليست ملازمة للمادة عقلاً، ولا صفة ذاتية فيها، لأننا نستطيع أن نلحظ المادة بدون الحركة، كما نلاحظ المادة مقرونة بالحركة ونلمس الفرق عملياً.. أما في الذرة فلأنَّنا إذا حررنا كل الطاقة الكامنة في المادة عبر التفاعل النووي، فإنَّ أشلاء المادة المتبقية ـ إن بقي منها شيء ـ ستصبح في حالة سكون تام.

ومهما يكن، فإنَّ الديالكتيك والجدل المادي لا يحتم التطور، بل يحتم التغيُّر فحسب. والتغيُّر لا يعني بالضرورة تقدماً، فربَّما كان تقدماً وربَّما كان تأخراً، ولهذا فإنَّ اتجاه الحركة نحو التطور هي قضية لا يملك الديالكتيك وحده تفسيرها ولا إعطاء سبب كامل لها، بل لا بُدَّ معه من وجود إرادة كونية عاقلة تقرن التغيُّر بالتطور، وتمزج الحركة بالتقدم.

ثمَّ إنَّ المادية الجدلية وقعت في حرج شديد، حيث لم تستطع تفسير العلاقة بين المراحل ذاتها، كيف يحدث الأعلى من الأدنى، الفكر من المادة، والحيوان من النبات؟

ولكنَّها فسَّرت ذلك عن طريق القفزة… غير أنَّها لم تفسّر لنا ما مصدر هذه القفزة من مرحلة إلى أخرى؟ ولماذا يأتي الشيء الجديد عن طريق القفزة؟

بل إنَّ الديالكتيك يكتفي بعملية وصف شكلي لحادثة الانتقال من مرحلة إلى مرحلة، فيقول: إنَّها القفزة!

ولكن لم القفزة؟ وكيف تحدث؟

ومن هو المموّن الأساس لحركة القفزة ذاتها؟ ولماذا تتجه نحو الأفضل والأحسن ما دام أنَّها لا تعتمد على عقل يوجهها؟

عادل:

يقول ماركس عن سبب القفزات التطورية بأنَّه:

«اندفاعات داخلية نحو التطور يثيرها التضاد والتصادم في القوى والاتجاهات المتمايزة الَّتي تعمل في جسم معين وفي حدود حادث معين أو في قلب مجتمع معين».

أحمد:

ولكن ما الَّذي يفسّر الجدل المادي ذاته؟

هل الجدل المادي نفسه هو سبب القفزة، مع أنَّ القفزة هي أحد نوابضه وعناصره المهمة؟

لا شكَّ أنَّ القفزة هي الَّتي تفسّره، وهي تعبير آخر عن الاندفاعات الداخلية أو لون من ألوانها.

القفزة تحوُّلٌ من الكمِّ إلى الكيف، ولكن كيف نفسر التحول ذاته؟

ما سبب هذا التحول؟ هل سببه الجدل المادي؟ مع أنَّه هو ذاته أحد أسباب الجدل المادي…

كيف يكون الجدل المادي فاعلاً لشيء، ومفعولاً لنفس ذلك الشيء؟

إنَّ أهم الصعوبات الجمَّة الَّتي تعترض المادية الحديثة في عملية التطور والحركة، قد أخفق الجدل المادي في تفسيرها.

وحين يقف الجدل المادي عند عقدة القفزة، عاجزاً مكتوف اليدين؛ يصبح عمله ثانوياً، ويكون أساس التطور في الأشياء هو الاندفاعات الداخلية والقفزات الذاتية للشيء… وهكذا يكون سبب التطور هو التطور!! وصدق قول الشاعر:

وفسّر الماء بعد الجهد بالماءِ!

الواقع أننا نحتاج إلى سبب معقول غير الجدل يفسّر قفزات التطور.

ثمَّ إنَّ الجدل المادي لا يفسّر لنا المعطيات الجديدة الَّتي يحصل عليها الشيء في تطوره عبر تلك المراحل، ومن أين تأتي تلك المعطيات الجديدة.

الجدل المادي هنا لا يقوم سوى بدور وصفي أيضاً لعملية التطور والتحول فحسب، ولا يشرح لنا من هو المموّن الأساس لكلِّ المعطيات والمحاصيل الجديدة الَّتي تستفيدها المواد عبر رحلتها في سلّم التطوّر.

كما لم يفسّر لنا الجدل لماذا تتصارع النقائض نفسها؟ ومن الَّذي يحركها ويدفعها لمهاجمة عدوّها النقيض الآخر؟

إنَّ فلسفة الجدل المادي تعتبر أنَّ الحركة هي نتاج صراع المتناقضات، ولكنَّ الصراع بين المتناقضات هو بذاته أيضاً حركة، فمن أين جاءت؟

إنَّها حركة لا يفسّر الجدل مصدرها، ولا يعطي تفسيراً لها.

ولكنَّها حركة ترجع في سلسلة أسبابها المادية إلى المحرك الأول خالق الكون.

عن أمير المؤمنين علي (ع) من خطبة له في الكوفة متحدثاً عن الله:

«وبتجهيره الجواهر عُرف أنَّ لا جوهر له، وبمضادّته بين الأشياء عُرف أنَّ لا ضدّ له، وبمقارنته بين الأشياء عُرف أنَّ لا قرين له… ضادّ النُّور بالظلمة، واليبس بالبلل، والخشن باللين، والصرد بالحرور… مؤلف بين متعادياتها، ومفرّق بين متدانياتها، دالة بتفريقها على مفرقها، وبتأليفها على مؤلفها، وذلك قوله تعالى: { وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ }الذاريات 51\49 »(2).

ثمَّ إنَّ الجدل المادي هو عمل لا إرادي عشوائي، ولكنَّ هذا الكون هو مظهر عقلاني، فكيف تنتج العشوائية عقلانية؟ وكيف يعطي الجهل علماً، والفقر غنى، وفاقد الشيء لا يعطيه؟

ويؤكد (الشهيد الصدر) في كتابه (فلسفتنا)، أنَّ الحركة هي تطور وتكامل تدريجي للشيء الناقص، ولا يمكن للشيء الناقص أن يطور نفسه، ويكمّل وجوده تدريجياً بصورة ذاتية؛ فإنَّ الناقص لا يكون سبباً في الكمال،… ولهذا فإنَّ سبب الحركة التطورية للمادة في صميمها وجوهرها، ليس هو المادة ذاتها، بل إنّه مبدأ يقف وراء المادة، يمدّها بالتطور الدائم، ويفيض عليها بالحركة الصاعدة والتكامل المتدرج.

ويقول نيوتن:

«إنَّ الحركات الحالية للكواكب لا يمكن أن تنشأ من فعل الجاذبية العامَّة، لأنَّه لكي تدور هذه الكواكب حول الشَّمس، يجب أن توجد يد إلهية تدفعها إلى الخط المماس لمداراتها.. لا بدّ من وجود سبب يعلم كميات المادة الموجودة في الأجرام السَّماويَّة المختلفة، ويدرك ما يجب أن يصدر عنها من القُوَّة الخارقة، ويقدّر المسافات المختلفة بين الكواكب والشَّمس وبين توابعها، ويقدّر السرعة الَّتي يمكن أن تدور بها هذه الكواكب وتوابعها حول أجسام تصلح أن تكون مركزاً لها».

وهكذا، فإنَّ الجدل المادي يشرح لنا مجرد الحركة المغروسة في أعماق المادة فحسب… ولكنَّه لا يستطيع أن يوضح لنا لماذا تسعى المادة نحو الرقي والتشكل المتناسق، وهل إنَّ ذلك يأتي عن طريق الصدفة أو عن طريق القصد والإرادة الواعية؟ وهل هناك وعي في أعماق المادة؟ وإذا لم يكن هناك عقل أعمق يكمن وراء الكون، فلماذا تسعى المادة نحو النظام والتشكل العجيب؟!

لماذا لا تتخبط المادة، ولا تقع في الفوضى والعبث اللامنطقي ما دام العقل أو المنطق والحكمة لا يسودان هذا العالم؟

ثمَّ إنَّ فلسفة الجدل المادي تشرح لنا شكل الحركة، الحركة فقط، ولا تفسّر لنا لماذا تصبو المخلوقات وتنزع نحو الجمال والتناسق والروعة؟

لماذا ينبثُّ الجمال في الكون كقيمة مستقلة عن النظام؟ مع إمكان سيادة القوانين الكونية دون حاجة إلى انبثاق الجمال والسحر في مخلوقات الطبيعة.

أليس الجمال نتاج ذلك العقل الفنَّان المبدع الَّذي يعمل باستمرار على إضفاء السحر والروعة في الكون؟؟

عادل:

ولكنَّ التطور لا يمضي دائماً نحو التناسق؛ بل يصاب بنكسات وانكفاء إلى الوراء، فالتطور متفاوت، ولهذا قال (ماوتسي تونغ):

«لا شيء في هذا العالم يتطور بتناسب مطلق».

ومن هنا لا يبدو أنَّ وراء التطور عقلاً خلاَّقاً، وإلاَّ لما أصيب التطور ذاته بنكسات مستمرة.

أحمد:

قد ينخرم التطور أحياناً، أو يصطدم بحاجز، وذلك كُلُّه لوجود أنظمة وأسباب وموانع تؤخره، وهي كُلُّها أسباب ذات نظام عقلاني، غير أنَّ الصفة الشمولية لعملية التطور في المسار الكلي ليست هي النكسات والرُّجوع إلى الوراء؛ بل السير قدماً نحو التناسق والضبط والحكمة على الرغم من المرور بتلك الحواجز، ولذا قال (إنجلز):

«إنَّ هذا المرور ينمُّ عن تغيُّر لا ينقطع من الصيرورة والانحلال، حيث يشرق نهار النمو المتقدم في النهاية، رغم جميع الصدف الظاهرة والعودات المؤقتة إلى الوراء».

ثانياً: عمر الكون أقصر من تحقق الجدلية المادية:

إذا افترضنا أنَّ الجدل المادي سيطر على موجودات الطبيعة منذ فجر التاريخ الكوني، فإنَّ عمر الكون ذاته ـ والَّذي توصل إلى تقديره العلماء أخيراً ـ لا يكفي لحدوث التطور الديالكتيكي للوصول إلى الأنواع أو التشكيلات والنظم الكونية الموجودة حالياً، ما لم يرتبط كل ذلك بعقل مدبّر ومخطط.

ثالثاً: الجدلية المادية تلغي مبدأ الهوية:

إنَّ الأخذ بالجدلية المادية يضطرّنا إلى إلغاء مبدأ الهوية والخصائص النوعية لكلِّ شيء.

وهكذا تُصبح الأشياء مائعة سيَّالة غير مستقرة، متشابكة متداخلة ممتزجة غير متميزة، وهذا خلاف الواقع الموضوعي، فإنَّ هناك ـ ولو في الشكل والبنية العامَّة ـ ثباتاً نسبياً تتصف به الكائنات، وهو الَّذي يحدد شخصيتها وهويتها ونوعيتها، وإلاَّ اختلطت وتشابهت وضاعت المقومات الشخصية والنوعية للأشياء والمخلوقات. ولولا هذا الثبات في الأشياء، لما أمكن حَتَّى للجدل الماديّ أن يفترض شيئاً ما في لحظة ما يشكل عنصر الإثبات، وشيئاً ما في لحظة ما يشكل عنصر النفي حَتَّى يتصارعا.

لو لم يكن هنا ثبات في الإثبات، وثبات في النفي؛ لما حصل الصراع والجدل، ولو كانت الأشياء لزجة سيَّالة لا إثبات ولا نفي فيها؛ لما احتجنا من الأساس إلى الجدل المادي لنفسر به التحرك والتطور والتنوع.

رابعاً: كيف بدأ الجدل المادي؟

منذ بدء الكون، وقبل أن تحدث الأنواع والتشكيلات المختلفة، وقبل أن تحدث أي حركة جدلية، هل كان هناك نقائض وأضداد أو لم يكن؟

فإذا كان هناك نقائض وأضداد وأنواع وتشكيلات مختلفة، فمن أين جاءت؟ وما الَّذي أوجدها، حيث لم يكن الجدل قد ولد بعد؟

وإذا لم يكن هناك نقائض وأضداد، فكيف حدث الجدل بعد ذلك؟ وكيف تصارعت نقائض الكون حيث لا نقائض؟

من هنا يبدو أنَّ مدرسة (ديبورين) قد اضطرت إلى تأكيد القول بأنَّ التناقض قد حدث في مرحلة أخيرة، ومنه حصل الجدل المتبادل بين المتناقضات.

لكنَّ (ماوتسي تونغ) في كتيبه «في التناقض» ينفي حدوث التناقض في الأخير، فيقول:

«هل التناقض كان موجود أيضاً في المرحلة البدائية من كل عملية؟

وهل هناك حركة تناقض من البداية حَتَّى النهاية في عملية تطور كل شيء؟

يبدو من المقالات الَّتي نقدت فيها الأوساط الفلسفية في الاتحاد السوفياتي مدرسة (ديبورين)، أنَّ هذه المدرسة تزعم أنَّ التناقض لا يظهر منذ بداية عملية ما، وإنَّما يظهر عندما تكون العملية قد تطورت إلى مرحلة معينة. وبناءً على ذلك، فإنَّ تطور العملية حَتَّى تلك اللحظة لا ينشأ عن الأسباب الباطنية؛ بل عن الأسباب الخارجية. وهكذا يكون (ديبورين) قد عاد إلى نظرية الأسباب الخارجية، ونظرية الميكانيكية، اللتين تنادي بهما الميتافيزيقا».

هكذا يأبى (ماوتسي تونغ) إلاَّ أن يلصق الميكانيكية الميّتة بالميتافيزيقا الواعية الخلاَّقة، كأنَّما الميكانيكية ذاتها في أصل وجودها وقدرتها الميكانيكية لا تخضع لقوى عقلانية خلاَّقة مبدعة!!

وأخيراً يا عادل، فإنَّ الجدلية المادية كغيرها من الفلسفات لا يمكن الأخذ بها ما لم يكن لها سند من العلوم، وما لم تؤكدها العلوم ذاتها. والمادية الجدلية في أحسن الأحوال لا تعدو كونها نظرية فحسب وليست حقيقة علمية… فمن الواجب إخضاع الجدلية المادية للعلوم، لا إخضاع العلوم للجدلية المادية. وكأنَّها ليست سوى مرسوم صادر عن السلطات العليا يقضي أن تعمل الطبيعة والتاريخ وفق الفكر الجدلي، الَّذي هو بحدِّ ذاته ليس إلاَّ نتاجاً لمرحلة معينة من تطور الطبيعة والتاريخ والفكر.

وهذا هو الخطأ الَّذي نبَّه عليه (إنجلز) ولكنَّه وقع فيه هو وغيره من أقطاب الجدلية المادية حين ادّعوا ذلك الشمول، ورفضوا أي محاولة لإبطالها أو التشكيك بها أو التقليل من شأنها، لذا سمَّاها (ريمون أرون): أفيون المثقفين!

وقال (جان بول سارتر) في ذلك:

«لقد أصيبت الماركسية ـ منذ أن تحوّلت إلى عقيدة رسمية ـ بتصلب في الشرايين وتيبس، لقد توقفت، وكفَّت عن أن تعرف شيئاً جديداً، وتكاسلت، وصار همُّها لا الوصول إلى معلومات ومعارف، بل تأسيس نفسها قبلياً على أنَّها مطلق، علم مطلق يعرف سلفاً النتائج الَّتي سيفضي إليها التحليل».

وهكذا يتأكد لنا يا عادل من خلاصة ما مرَّ، أنَّ المتناقضات والأضداد ـ وإن تصارعت أحياناً ـ فهي لا تجتمع معاً في مكان وزمان واحد.

والصراع والجدل المادي ذاته لا يكفي لتفسير غنى الطبيعة وتنوعها المدهش المنسّق العجيب؛ بل إنَّ الجدل والصراع نفسه بحاجة إلى تفسير…

عادل:

حسناً.. فلننفض أيدينا من الجدلية المادية بعد أن تبين أنَّه لا يمكن أن تحلّ محل الله، ولكن…

أحمد:

وهذا ما تقودنا إليه التجربة الصافية حينما نخلو إلى أنفسنا ونفكر بصدق وإخلاص، فنشعر أنَّ وضع الجدلية المادية مكان الله، وإعطاء الجدل بعض أوصاف الله؛ هو تزوير للحقيقة الكونية وللفكر والمنطق الإنساني.

الاكتفاء الذاتي للمادة

عادل:

ولكن على الرغم من بطلان المادية الجدلية، إلاَّ أنَّ الماركسية تؤكد أنَّ المادة موجودة من ذاتها لا من غيرها، وهي تنطوي في صميمها على كل الأطوار التكاملية المرتقبة، وأنَّها هي المموّن الوحيد للحركة والارتقاء، وبذلك تتوزع وتتنوع تدريجياً، لينبثق عنها هذا الكون والموجودات. لذا فهي لا تحتاج إلى خالق ولا إلى سبب أعمق، إنَّها مكتفية ذاتياً…

أحمد:

ما الدليل على اكتفاء المادة الذاتي؟

إنِّي أطالب بدليل واحد على هذا الزعم.

عادل:

الدليل هو انبثاق النظام والقوى الكونية الخلاَّقة والأنواع عن المادة، وارتباطهما الشديد وتلاحمهما المطلق، فلا نظام يعني لا مادة، ولا مادة يعني لا نظام.

أحمد:

إنَّ التلازم الشديد بين المادة والقوانين الكونية لا يعني أنَّ المادة تستبطن عقلها باكتفاء ذاتي، بل يعني أنَّ المادة في حالة وجودها لا بُدَّ لها من سنن وقوانين تنتظمها لتؤلف منها هذا الكون المتناسق المدهش.

ولأنَّ الكون يعتمد على عنصرين أساسيين هما: المادة والنظام، كان لا بُدَّ لهذين أن يكونا موجودين ومترابطين حَتَّى يؤلفا كوناً.

ومن هنا لا يمكن أن يدلّ هذا الترابط على الاكتفاء الذاتي للمادة، لأنَّ المادة ناقصة لا تمتلك العقل، والشيء الناقص لا يمكن أن يطوّر نفسه ذاتياً، ولا يمكن للناقص أن يكون بنفسه سبباً للكمال، لأنّ فاقد الشيء لا يعطيه، والفقر الذاتي لا يعطي غنىً وكمالاً ذاتياً.

إنَّ أرقى مظهر للمادة هو الإنسان العاقل، فإذا كان الإنسان العاقل لا يستطيع تغيير قوانين الكون فضلاً عن إيجادها، فكيف تستطيع المادة قبل وصولها إلى مرحلة الإنسان، أي في حالة انحطاطها وتخلفها، أن تخلق قوانين الكون ونظام الوجود؟

وإذا كان الكائن الراقي من المادة الَّذي ينتج الفكر عاجزاً عن التحكم بقوانين وجوده، بل ووجود الأدنى، فكيف تستطيع المادة العمياء الصمَّاء غير العاقلة، وهي في أدنى وجودها، أن تتحكم منذ البدء بقوانين الوجود، وتصنع نظامه الرائع؟!

تطوّر الأنواع

عادل:

حسناً، لكنَّ الإنسان كمخلوق حيّ جاء نتيجة تطوّر في المخلوقات، وتنشأ حياة كل مخلوق من حياة أبسط منها وهكذا… ويعزى هذا التنوع في الأحياء إلى أصل واحد بسيط نشأت عنه كل الأحياء والمخلوقات.

أحمد:

وذلك الأصل الأول البسيط… من أنشأه وكوَّنه؟ ومن أين استمدَّ حياته ما دامت الحياة لم تسبقه؟

وكيف توجد الحياة من مادة ميتة لا حياة فيها؟

وهل اللاحياة تعطي حياة؟

وهل العدم يعطي وجوداً؟ وكيف يأتي الوجود من العدم، ويولد الحي من الميت دون قدرة خالق حي؟

انبثاق الحياة من المادة

عادل:

الحياة في المادة ليست شيئاً غير المادة، وذرَّاتها مترتبة بنسب وموازين معينة… تنتج تفاعلاً معيناً هو ما يسمى الحياة، تماماً كما ينتج الثلج من الماء عندما تنخفض درجة حرارته، وكما ينتج الماء ذاته من اتحاد الأوكسجين بالهيدروجين، وهكذا الحياة.

فالذرَّات تتفاعل وتتشكل عفوياً…

ثمَّ تتشكل، وتتكرر هذه العمليات العشوائية حَتَّى تنتج ـ وعن محض صدفة ـ أحماضاً أمينية، وهذه بدورها تنتج البروتين الَّذي يشكل مادة الحياة.

وتتفاعل هذه العناصر ملايين المرَّات بفعل الطبيعة وتقلباتها لتولد حامض الـ (د. ن. أ) الَّذي يشكل بدوره جوهر الحياة…

ويتولد من هذا الحامض كائن مخضرم بين المادة والحياة، له بعض خصائص المادة وبعض خصائص الحياة، وهذا الكائن هو الفيروس.

والفيروس هو حلقة الوصل بين المادة الميتة والمادة الحية، إنّه يقف على حدود الحياة واللاحياة…

وهكذا نرى أنَّ الحياة ليست غير المادة ذاتها، محوّرة ومترتبة بشكل معين، يفرز طاقة وحركة معينة هي الَّتي نسميها الحياة.

أحمد:

على الرغم من تعقّد الصدف الَّتي ذكرتها، وكونها أقرب إلى القصد والتخطيط منها إلى العفوية، فإنَّ السؤال المثير هو: لماذا يتكرر وجود تلك المادة الحية عن طريق التناسل بشكل لا يمكن أن يأتي عن طريق العفوية واللاقصد؟

ولماذا تسعى المخلوقات نحو التناسق والضبط؟

ولماذا تفرز الحياة حياة؟

إنَّ القوى الكامنة في أعماق المادة تدلُّ على وجود القصد والتخطيط والتوجيه من خالقها، ولو عبر سلسلة طويلة تظهر لنا أنَّها عفوية، ولكنَّها تجري في الواقع عبر سياق نظامي يقوم على قوانين الخلق و(الشيفرة الوراثية).

يقول علماء الأحياء والنبات:

«إنَّ دراسة التكاثر هي أروع دراسات علم الأحياء وأكثرها إظهاراً لقدرة الله.

إنَّ الخلية التناسلية الَّتي ينتج عنها النبات الجديد ـ مثلاً ـ تبلغ من الصغر درجة كبرى، بحيث تصعب مشاهدتها إلاَّ باستخدام المجهر المكبّر… ومن العجيب أنَّ كل صفة من صفات النبات: كل عرق، وكل شعيرة، وكل فرع على ساق، وكل جذر أو ورقة، يتمّ تكوينها تحت إشراف مهندسين قد بلغوا من دقة الحجم مبلغاً كبيراً، فاستطاعوا العيش داخل الخلية الَّتي ينشأ منها النبات. تلك الفئة من المهندسين هي فئة الكروموسومات…

إنَّ ذلك لا يعدو أكثر من خطوة جديدة في إدراك ما أبدعه الخالق الأعظم الَّذي خلق وحده تلك الروائع الَّتي يعمل النَّاس جاهدين متكاتفين في الكشف عنها».

عزيزي عادل… إنَّ تفسير الحياة بالتفاعل الكيميائي أمر غير مستقيم؛ فإنَّ النشاط الكيميائي موجود حَتَّى في الجسم الميت، فلماذا لا تدبُّ فيه الحياة؟

إنَّ التركيب الكيميائي وحده لا يكفي لتفسير الحياة… وما أصدق ما قد قيل:

«إنَّ الحياة ليست مجرد منظومة جامدة مثل البيت أو المصنع، وإنَّما هي منظومة فيها قدرة على تكرار نفسها والتفوّق على نفسها… وفيها فطرة إرشادية تقودها من الداخل… فطرة مبثوثة في نسيجها، تجدّد ما يتلف منها، وتستحدث ما يضيع».

وهكذا يصعب التصديق بأنَّ المادة تنشىء عن طريق الصدفة حياة، وتخلق وعياً وتفكيراً وعقلاً وقلباً وسمعاً وبصراً.

كيف يمكن للصدفة أن تجمع ذرّات المادة لتكوّن الأجسام الَّتي تتناسل بدورها وتتكاثر وتتفاعل مع الحياة وتشعر بالحب والبغض والفن والجمال؟

ما هو ذلك السرّ العجيب الَّذي يحل بالمادة، فتنتعش، ثمَّ تهتزّ وتنتفض، وتفكر وتعيش… وفجأة تموت وتنطفىء الرُّوح العجيبة، فإذا بالمادة خاوية خامدة؟

وكيف يمكن لقُوَّة عشوائية كالصدفة أن تصنع كل خلية في المخلوقات على أنواعها وتخططها في مثل تلك الصورة الهندسية العجيبة لتتناسب مع المهمة الَّتي خلقت لها؟

كيف يمكن للصدفة أن تصنع الخلية التناسلية الَّتي تنقل الخصائص والمميزات والأوصاف من الآباء إلى الأبناء؟

وما الَّذي يدفع بالجزيئات الصغيرة فيها لتسلك سلوكاً معيناً، فتخلق هذا النوع من الحياة أو ذلك النوع، دون أن تقصّر أو تخطىء؟!

التولّد الذاتي للحياة

عادل:

ولكن قضية التولد الذاتي تشغل تفكيري، فهي تؤكد أولاً موضوع الاكتفاء الذاتي للمادة، وثانياً تؤكد الخلق الذاتي للحياة.

إنَّ الحياة يمكن أن تتولد من تلقاء نفسها دون تدخل أي قوى عقلانية، ودون أن تمتدّ بنسبها إلى أحياء قبلها سبقتها في الأبوة. فقد شوهد ذباب اللحم ينشأ من اللحم ذاته، وشوهدت ميكروبات التخمّر تتواجد من ذاتها وتتنامى.

وتولدت فطريات وأحياء دقيقة من مواد عضوية ميتة. ونشأت ديدان داخل الأمعاء وفي مخ الأغنام، وهذا ما يؤكد انبثاق الحياة في المادة بشكل ذاتي، دون حاجة إلى حياة أسبق أو افتراض قدرة إلهية غرست الحياة.

أحمد:

ساد الاعتقاد بالتولّد الذاتي قروناً عديدة على الرغم من كل التعقيدات المحيرة والمدهشة في أجسام الأحياء، ولكنَّه تراجع أخيراً لمّا تقدمت العلوم، وظهرت المجاهر والميكروسكوبات، وشوهدت أطوار الحياة لمعظم الأحياء. وأنزل الباحث الإيطالي (فرانشسكوردي) ضربة شديدة بنظرية التولد الذاتي، وتبعه (باستور) بعد ذلك، وكشف النقاب عن أنَّ الحياة الَّتي يظنُّ أنَّها جاءت نتيجة التولد الذاتي، إنَّما هي سلسلة من الفطريات والأحياء والجراثيم والبيوض الدقيقة جداً، والمتناهية في الصغر، تتناسل وتتكاثر وتنتقل بسرعة هائلة عبر الهواء والأجسام والأمعاء والرئة، وحَتَّى داخل الشرايين والأنسجة والعروق، فتتحرك من مكان إلى آخر، وتتوالد وتتغذى على حساب الجسم الَّذي تنزل ضيفاً عليه.

وهكذا اندحرت نظرية التولّد الذاتي في نهاية القرن التاسع عشر على يد (باستور)، حين أثبت بشكل قاطع أنَّ الحياة لا تتولّد إلاَّ من الحياة، وأكد ذلك بواسطة عمليات التعقيم، حين قطع كل احتمال لأي حياة سابقة في العضويات والسوائل، وعزل تلك العيّنات ضمن زجاجات مغلقة فلم يتولد أي شيء جديد.

ومن هنا اكتشف (باستور) أنَّ الأحياء الدُّنيا والطفيليات والفطريات والجراثيم ما كانت لتتولد وتنمو فيما مضى لولا أحياء سابقة كانت تمدّها بالحياة عن طريق التناسل والتوالد.

عادل:

هذا شيء طبيعي، فكيف يمكن لأي حياة أن تتولد تولداً ذاتياً ما دام الأوكسجين مفقوداً والهواء ممنوعاً عنها، وهذا غير ما قلته أنا…

أحمد:

حقاً لقد تنبَّه لذلك (باستور)، فأدخل إلى تلك العينات هواءً معقماً خالياً من الجراثيم، فلم تنشأ أي حياة، ولم يتولّد أي شيء.

وهكذا تلاشت هذه النظرية وقبعت في زوايا النسيان.

وزاد في إهمالها ذلك التساؤل المثير الَّذي طرحه الكثيرون، ولم يجدوا له جواباً:

لماذا توقفت عملية التولّد الذاتي، ولم تعد تكرّر نفسها؟

ولماذا توقفت المادة الميتة عن إعطاء الحياة؟

ولماذا لا ينتج الجماد ذاتياً إلاَّ جماداً، ولا ينتج النبات كذلك إلاَّ نباتاً، ولا تنتج الأحياء إلاَّ أحياءً؟

إنَّه ردٌ قاطع على ما تقول.

عادل:

لم تعد الطبيعة بحاجة إلى تكرار عملية توليد الحياة عبر التفاعلات الطويلة والمعقدة، ما دامت الحياة ذاتها أصبحت تحدث بشكل أسرع وأسهل، وذلك عبر التزاوج والتناسل والتوالد.

أحمد:

إنَّك إذاً تعتبر الطبيعة واعية عاقلة، وبالتالي تعترف بوجود عقل يسود الكون من حيث تشعر ولا تشعر، وإلاَّ فما الَّذي يمنع الطبيعة ما دامت عشوائية أن تكرر فعل توليد الحياة من اللاحياة… وفعل إخراج الحي من الميت، سواء وجد طريق أسهل أم لم يوجد؟

عادل:

السؤال ذاته يطرح عليك:

لماذا لم يعد الله يكرر إيجاد الحياة من المادة؟

أحمد:

لئلا يؤخذ ذلك دليلاً على التولد الذاتي للحياة، ولئلا يكون ذريعة لنفي وجود الله الخالق الأعظم.

ذلك ما يمكن أن يُفرض ببساطة كجواب على سؤالك.

غير أنَّ الخالق ما دام متّصفاً بالعقل والحكمة والإبداع؛ فإنَّه يكفي أن يدفع بعجلة الحياة مرَّة واحدة، ويعطيها وقوداً كافياً، لتتحرك باستمرار وتنتج المزيد عبر سلسلات التفاعل البناء والتناسل الموجه من النباتات والأحياء والمخلوقات والفصائل…

كلُّ ذلك بفعل تلك القوى والطاقات المبدعة الَّتي غرسها تعالى في أعماق المواد والنباتات والأحياء، والَّتي تنتقل من جيل لآخر.

وحَتَّى انتقال الحياة عبر الأجيال إنَّما هو معجزة رائعة، وآية ناطقة تهتف وتدلل على عظمة ذلك الخالق ودقة صنعه وبالغ حكمته.

الحيوية المنبثقة والتركيبة الكاملة

عادل:

إنَّ مذهب الحيوية المنبثقة ومذهب التركيبة الكاملة يؤكدان أنَّ المادة تتجه في طبيعتها إلى التكامل والتركيب، وأنَّ الحياة تنبثق عند تطور المادة نحو مرحلة التركيب، وأنَّ العقل الإلهي نفسه هو نتاج المادة الَّتي كانت موجودة منذ القدم، وهي باقية إلى الأبد.

أحمد:

هل تستغني المادة عبر مراحل تطورها عن العقل والإرادة والتخطيط والتنظيم والهندسة؟ وهل حقاً تستطيع الصدفة أن تقوم مقام ذلك كُلِّه؟

هذا ما ثبتت استحالته، وتكلَّمنا عنه سابقاً…وفي هذا الصدد يقول (العقَّاد):

«لماذا يسهل على العقل البشري أن يتصوّر الله مخلوقاً من المادة، ولا يتصوّر المادة مخلوقاً بقدرة الله؟ ولماذا يرجّح ذلك الاعتقاد على هذا الاعتقاد؟

أمَّا القول بأنَّ المادة تتجه إلى التركيب، فتنبثق الحياة منها ضرورة في بعض الأطوار. فليس فيه تفسير لظهور الحياة، بل كل ما فيه أنَّه وصف للظواهر الحية الَّتي يقع عليها الحسّ ونعرفها بالاختبار. فقد شوهدت الأجسام الحية فقيل إنَّ المادة تميل إلى تكوين الأجسام الحية، ووقف التفسير عند تسجيل الظواهر المحسوسة، واعتبار وجودها تفسيراً لأسباب هذا الوجود.

لكن هذا القول لا يفسّر لنا اختصاص بعض الأجزاء بظهور الحياة فيها دون جميع الأجزاء الَّتي تشتمل عليها الأكوان في الأرض والسَّماء، فإنَّ أجزاء المادة قد بدأت معاً، ولم تبدأ بفروق بينها تستلزم أن يتركب بعضها ويبقى سائرها بغير تركيب… فلماذا وقع فيها هذا الاختلاف؟ بل لماذا كان هذا الاختلاف مقصوداً لتدبير البيئة الَّتي نعيش فيها الحياة، وموافقة هذه البيئة لمطالب الأحياء من غذاء وحركة وامتياز عَمَّا حولهم من الجماد؟

وإذا فرضنا أنَّنا استطعنا في يوم من الأيَّام أن نركّب عناصر المادة كما تتركّب في جسم الكائن المريد، فهل تبرز فيها الحياة على المنوال الَّذي وصفوه؟ وإذا أتينا إلى رجل بعينه فاتّخذناه مثالاً للتركيب، ووضعنا في المخلوق المركب نموذجاً لكُلِّ خلية من خلايا جسمه بمادتها الطبيعية، فهل يظهر في هذا المخلوق المركب أعراض الأخلاق الموروثة والملكات العقلية والخصائص التناسلية الَّتي ينقلها الآباء إلى الأبناء؟ ترى لو أنَّنا ركّبنا أسداً بخلايا جسمه كُلِّها، هل ينجم هذا الأسد مفترساً، محباً لأكل اللحوم، صالحاً لتوليد الأشبال من اللبؤات؟! ترى لو أنَّنا ركّبنا بلبلاً بخلايا جسمه كلها، هل ينجم هذا البلبل مغرّداً يتعشّق الورود، ويألف الغناء باللَّيل، ويخشى الصقور والنسور كما تخشاها هذه البلابل المتولدة من الذكور والإناث؟ ترى لو ركّبنا رجلاً على مثال أهل الصين، ورجلاً على مثال الزنوج، ورجلاً على مثال الهنود الحمر، ورجلاً على مثال الأمريكيين البيض؛ هل تكفي محاكاة الخلايا المادية لإبراز ما بين هذه الأجناس من الفروق والمزايا، ومن العداوة والصداقة، ومن الأذواق والشهوات؟ وهل يسعى هذا الرجل إلى الزوجة أو المعشوقة كأنَّه الرجل الأصيل؟ وهل يحنو على الوليد كأنَّه أبوه؟ وهل يتكلم اللغة الَّتي يتكلمها صاحب النموذج المحكي في تركيب الخلايا والأعضاء؟

الواقع أنَّ خلايا الحياة تحمل في تركيبها من الخصائص ما لا تحمله خلية أخرى في عالم المادة جمعاء. وأول هذه الخصائص هي قابلية التكرار والتنويع، وتعويض النقص وحفظ النوع، وتجديده على النحو الَّذي ينفرد به كل نوع من الأنواع… فكُلُّ خلية في الجسم تعمل ما ينبغي، على النحو الَّذي ينبغي، وفي الوقت الَّذي ينبغي أن تعمل فيه، وأعجب العجب في توزيع أعمالها إنَّما هو ذلك التنويع المعجز الَّذي يظهر من خلية واحدة يضعها الذكر وخلية واحدة تضعها الأنثى، فتنقسم بالمقدار اللازم لتكوين الجسم كُلِّه، وتذهب كل خلية إلى موضعها في القلب أو الرئة أو الكبد أو الدماغ… فيتّسق منها الجسم، وتجري فيها وظائف الحياة، وليس يقتصر عملها بعد ذلك على الانتظام في بنية واحدة؛ بل تنحلّ وتندفع الأجزاء المنحلة إلى حيث ينبغي أن تندفع، وتتلقى البنية العوض الَّذي يعيدها إلى الانتظام من جديد. حَتَّى الخلايا الَّتي تتجه إلى تكوين الأسنان مثلاً، تتجه بالمقدار الَّذي يحفظ لكُلِّ سنٍّ مادتها وحجمها وعملها في مضغ الطعام، وتتجه في وقتها وأوانها، وعلى حسب الحاجة إليها، وتتجه في كُلِّ نوع على حسب المعهود في ذلك النوع، مع وحدة المادة الَّتي تتألف منها في جميع الأنواع. ومن اللغو الهازل أن يقاس هذا التقسيم العجيب إلى تقسيم البلورات الَّتي تتكرر على نحو واحد في بعض المواد. فإنَّ العوامل الآلية تحدث هذا التكرار، ولا يمكن أن تحدث سواه، ولكن الأمر يحتاج إلى عوامل غير العوامل الآلية العمياء لتفسير هذا القصد المحكم في وضع كل خلية تتركب منها أجسام الأحياء.

والحكم العقلي المستقيم إذا رأينا عملاً يحقق قصداً، أن نفهم أنَّ القصد له قاصد مريد. إلاَّ إذا كان واجب العقل أن ينكر كل قصد، ولا يقبل تفسيراً غير تفسير المصادفة والاتفاق. وهل للعقل أن يفترض المصادفة إلاَّ إذا استحال عليه أن يفترض القصد والإرادة؟ أو كان التفسير بالمصادفة والاتفاق أيسر وأوضح من التفسير بعمل القاصد المريد؟».

وقد أجاد الأستاذ العقّاد في مناقشته هذه، ممّا لا مزيد عليه الآن.

هل يمكن للتفاعل أن ينتج حياة؟

عادل:

سلَّمنا وآمنّا… ولكن كل ما ذكرته لا يمنع على وجه العموم أن يكون التفاعل الكيميائي البايولوجي الأول هو مصدر أصل الحياة الَّتي أخذت تتسلسل وتتعقد بشكل ميكانيكي آلي دون تدخل أي قوى عقلانية خارجية.

أحمد:

احتمال حدوث هذه التفاعلات المتسلسلة والمنطلقة صعداً في سلم التعقيد والتطور عن طريق الصدفة دون تدخل عقلي أمر بعيد جداً لدرجة الاستحالة الرياضية، ما لم تستند إلى عقل يضبطها ويوجهها ويحدد كمياتها.

وقد استطاع علماء الكيمياء الحيوية، بعد معاناة وتنسيق شاق، تطوير واستحداث بعض المواد العضوية المختبرية، ولكنَّها جاءت على درجة كبيرة من البدائية والبساطة والنقص، ولم تدبّ الحياة فيها بشكل كامل.

وعلى الرغم من كل ذلك، فإنَّ العلماء هلّلوا وكبّروا، واعتبروا هذا الإنجاز نصراً عظيماً لهم… ولم يدّع أحد منهم أنَّ الصدفة هي الَّتي خلقت ذلك الكائن المختبري دون تدخل من ذكائهم وإرادتهم وتخطيطهم وتوجيههم وضبطهم…

ولكن في الوقت ذاته، يعزو بعض النَّاس إلى الصدفة كل ما في الكون من أحياء ونباتات ومخلوقات هي أعجب وأغرب وأعقد من ذلك الكائن المختبري الضعيف.

فانظر يا عادل مدى ما وقعوا فيه من افتئات وظلم للمنطق والفكر والبداهة!

عادل:

إنّ فقدان الإرادة الموجّهة والمطوّرة لا يمنع أن تتفاعل المادة لتنتج أصل الحياة الَّتي أخذت تتسلسل، إذا افترضنا أن فُرَصَ التفاعل كثيرة، وزمن التسلسل طويل يمتد ملايين السنين.

أحمد:

إنَّ ذلك مستحيل رياضياً، وكما ذكرنا في موضوع الصدفة، فإنَّ قوانين الاحتمال أو المصادفة لا تساعد على هذا الرأي، بل تدحضه.

فهي تؤكد أنَّه يلزم لتكوين جزيء عضوي في غاية البساطة مقدار من الزمن يساوي رقماً واحداً بجانبه 243 صفراً من السنين، وهو زمن لا يمكن النطق به، ولا التعبير عنه بالكلام العادي! ويلزم من المواد كمية كبيرة، بحيث لو كوَّرنا تلك الكمية على شكل كرة، وركبنا صاروخاً يسير بسرعة الضوء لنقطع دائرتها، لاحتجنا إلى رقم واحد بجانبه 82 صفراً من السنين الضوئية، مع أنَّ الثانية الضوئية تساوي 300 ألف كيلومتر!

وهذا يعني أنَّنا بحاجة إلى مادة لا يسعها هذا الكون كُلُّه. كل ذلك لتأليف جُزَيء عضوي واحد بالتفاعل عن طريق المصادفة والاحتمال، فإذا علمنا أنَّ عمر الكون كُلَّه لا يصل إلى هذا المستوى، وأنَّ المادة الكونية الموجودة لا تكفي، تأكد لنا بشكل قاطع أن لا مجال للصدفة في خلق جُزَيء واحد بسيط، فكيف بخلق الكون كُلّه وتركيبه وتنسيقه، تعالى الله عمَّا يقول المنكرون علواً كبيراً…

{ قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ } (سورة الرعد 13/الآية 16) .

التفاعل المتبادل في الطبيعة، وضرورة التطور

عادل:

ألا تعتقد يا أحمد أنَّ التفاعل المتبادل في الكون بشكل متطور تطوراً حتمياً هو الَّذي يفسّر وجوده وتنوعه؟

أحمد:

إنَّك حين فرضت حتمية التطور وجبرية التنسيق والهندسة، لا بُدَّ أن تلغي الصدفة والاحتمال، وتفرض أنَّ وراء الطبيعة عقلاً يجبرها على الانضباط والتناسق والهندسة، وإلاَّ فإنَّا لم نعهد أنَّ من طبيعة المادة أن تتناسق وتتهندس وتنتظم وتفكر وتخطط وتريد وتبدع منها وحدها دون موجه ومهندس.

كذلك، فإنَّ نظرية التفاعل المتبادل في الطبيعة تحدث تناقضاً عقلياً وتهافتاً منطقياً لا يُقبل…

فكيف يكون الشيء علَّة لشيء، ومعلولاً لذلك الشيء نفسه في الوقت ذاته؟!

كيف يكون خالقاً لشيء، ومخلوقاً لذلك الشيء نفسه؟

إنَّها مفارقة طريفة..

إنَّ التفاعل يحدث من وجود الكون، فكيف يحدث الكون نفسه من التفاعل في الوقت ذاته؟

التفاعل يفترض أنَّ الكون موجود ليحدث فعله اللازم، وأنت تفترض أنَّ الكون حدث نتيجة التفاعل، فكيف يصح ذلك؟

وما هذه المغالطة؟

التفسير المنطقي لنشوء الحياة

عادل:

كيف إذاً تفسّر لنا نشوء الحياة تفسيراً منطقياً وعلمياً مقنعاً؟

أحمد:

إنَّ كل النظريات الَّتي لم تعترف بالله في هذا الحقل باءت بالفشل، ولم يساعد عليها العلم ولا المنطق العقلي ولا قوانين المصادفة والاحتمال… إنَّها لا تخلق أي قناعة في ضمير الإنسان.

وهي تتخبط كثيراً متردّدة حائرةً:

فتارة تقول: إنَّ التطور الديالكتيكي والجدل المادي هو السبب.

وتارة الحتمية التطورية.

وأخرى أنَّ المادة تفاعلت عن طريق الصدفة فأوجدت الحياة…

واضطر بعض العلماء إلى القول بأنَّ الحياة جاءت من كوكب آخر مجهول!! قال ذلك تهرّباً من مسؤولية الإيمان بالله… كأنَّما الحياة إذا جاءت من كوكب مجهول لا تحتاج إلى تفسير وتساؤل وبحث عن السبب.

ولكنَّها يا عادل قضية أوضح من كل ذلك. إنَّه الخالق المبدع الَّذي وهب الحياة وتعهّدها بالرعاية والانتقال والتنويع والتطوير، إظهاراً لجلال إبداعه وقدسية ذاته، وجمال معجزته.

عادل:

لِمَ لَمْ يَخلقُ الله الكون مرة واحدة ما دام قادراً على ذلك دون أن يبثَّ فيه قُوَّة التطور؟

أحمد:

إنَّ التطور الكوني الخلاَّق المبدع آية ثانية على وجوده تعالى، وإعجازٌ خارق جديد يهتف بتسبيحه وتمجيده..

إنَّه الحقيقة الإلهية في خلق الحياة تبدو ناصعة مشرقة.

وهكذا نفخ الله من روحه سرّ الحياة في أصل المخلوقات، وجعلها قابلة للانتقال، وعمل على إظهار معجزاته عبر التزاوج والتوالد والتسلسل والتطوّر، ونوّع موجوداته وفصائل مخلوقاته وتوَّجها بخلق الإنسان، وبثَّ الوعي والفكر والحكمة فيه… إتماماً للحجَّة، وإظهاراً للمعجزة، وإمعاناً في الفيض والعطاء والخلق، هكذا اقتضت حكمته المتعالية، فسبحان الخالق العظيم.

هل الطبيعة هي الخالق؟

عادل:

ما أصعب أن تثور أعاصير الفكر وبروق الشك في ضمير الإنسان؛ فلا يجد لها حلاًّ، ولا يستطيع منها فكاكاً!.

أحمد:

إنَّ التساؤل في صميم الإنسان، ولا تثريب عليك ما دام التساؤل ضمن حدود الإخلاص للحقيقة والبحث… إنَّ ذلك حق مشروع، وطريق مقدَّس. يقول (باسكال):

«هناك صنفان من النَّاس فقط يجوز أن نسمّيهما عقلاء، وهم الَّذين يخدمون الله جاهدين لأنَّهم يعرفونه، والَّذين يجدُّون في البحث عنه لأنَّهم لا يعرفونه»!

غير أنَّنا يا عادل ننحي باللائمة على أولئك الَّذين يحكمون قبل الفحص، ويكفرون قبل البحث، بل ويتهربون من الحقيقة أحياناً أو يمسخونها… وهكذا أقنعوا أنفسهم دون اقتناع، واستطابوا مناخ السهولة والتحلل من مسؤولية الإيمان، فتعلّقوا بِكُلِّ هاجس، وجسَّدوا كل وهم ليبتعدوا عن الحق والحقيقة… ولا يظلم رَبُّك أحداً…

عادل:

إنِّي أشكر لك يا أحمد اهتمامك وحسن صحبتك، لكنِّي وقد ثارت في نفسي الشكوك، وتحكمت بي الأفكار المقلقة، وعصفت التساؤلات، سوف لن أتفق وإيَّاك إلاَّ في قناعة ويقين… وأين هو اليقين؟! وأين هي القناعة؟!

إنَّك تعتبر أنَّ الله هو الخالق وإليه ترجع كل الأسباب والأُمور.

ولكنِّي أرى أنَّ للكون تفسيرين ليس أحدهما أسهل تصديقاً من الثاني:

الأول يقول: إنَّ الكون يفسّر ذاته بذاته، ولا حاجة إلى إله غيبي وراءه.

والثاني يقول بوجود إله وراءه يدفعه ويسيّره، وأنَّ الله من طبيعته الوجود والأزل والعلم والقدرة والإرادة والحكمة والخلق والإبداع…

ولكنِّي أقول: لماذا لا تكون هذه الصفات صادقة على الكون ذاته؟ ولماذا لا تنطبق عليه، فنقول: إنَّ الكون من طبيعته الوجود والعلم والقدرة والإرادة والحكمة والخلق والإبداع والهندسة… ولا نحتاج حينئذٍ إلى إضافة سبب خارج عن الطبيعة؟

أحمد:

لا مانع أن نمنح هذه المواصفات للطبيعة… لكن هل الطبيعة بما فيها من مواد هي كذلك؟! بالطبع لا، فالمواد غير واعية ولا عاقلة ولا حكيمة ولا مدبرة… بل هي عمياء صمَّاء.

ولا بُدَّ أن نصل بالتالي إلى الإيمان بذات واعية عظيمة مفكرة خلاَّقة عالمة مريدة وراء المادة هي الله… ولا مانع أن تكون مظاهر الطبيعة معبرة عن تلك القُوَّة والذات الواعية العظيمة، وبذلك نصل إلى موقف منسجم نؤمن فيه بإلهٍ تتجسد قُوَّته وإرادته في مخلوقاته، في الطبيعة، في كُلِّ مكان من هذا الكون.

عادل:

ولكنَّ العلم أثبت أنَّ الكون مرتبط بقوانين ثابتة تتحرك ضمنها الأجرام السَّماوية، ومن هنا قال (هكسلي):

«إذا كانت الحوادث تصدر عن قوانين طبيعية؛ فلا ينبغي أن ننسبها إلى أسباب فوق الطبيعة».

أحمد:

حقاً إنَّ الحوادث الكونية من نتاج الأسباب الطبيعية، إلاَّ أنَّ هذا التفسير لا يعدو أن يكون وصفاً للحوادث الموجودة، فهو يفسّر الكون وما فيه على أساس أنَّه نتاج القانون الطبيعي، مع أنَّ القانون الطبيعي نفسه بحاجة إلى تفسير.

فما ذكرته ليس هو التفسير الأعمق للكون والطبيعة وما فيهما من قوانين محكمة… إنَّه يفسّر لنا كيف تعمل الطبيعة، ولا يفسّر لنا من هو صانع الطبيعة وخالقها.

يقول المنتقدون لهذا الاتجاه:

«… فما الكون على حاله هذه إلاَّ كمثل ماكينة تدور تحت غطائها… لا نعلم عنها إلاَّ أنَّها (تدور). ولكن لو فتحنا غطاءها فسوف نشاهد كيف ترتبط هذه الماكينة بدوائر وتروس كثيرة، يدور بعضها ببعض، ونشاهد حركاتها كُلَّها، هل معنى هذا أنَّنا قد علمنا خالق هذه الماكينة بمجرد مشاهدتنا لما يدور داخلها؟».

التكوّن التلقائي وعلم طبقات الأرض

عادل:

ولكن الطبيعة تفسّر ذاتها بذاتها، ويبدو أنَّ العالم هذا لم يأتِ نتيجة خلق دفعي من قبل الخالق، بل جاء عبر تحولات وتطورات ومعاناة ذاتية وشاقة منذ ملايين السنين، وذلك ما يدلُّنا عليه علم طبقات الأرض عبر عملية التكون التلقائي.

أحمد:

إنَّ علم طبقات الأرض (الجيولوجيا) يعزو تكون طبقات الأرض إلى عوامل الطبيعة وسنن الكون الرياضية الدقيقة، ويدعم بالتالي قضية الإيمان بالله خالق تلك السنن.

وما تسمّيه عملية تلقائية هو في الواقع نتيجة عشرات القوانين والسنن الكونية المتشابكة المعقدة الَّتي تدلُّ بذاتها على العقل الكوني الشمولي الأعظم.

اللَّه أو المادة

عادل:

إنَّ كثيراً من التساؤلات والشُبه المستحكمة ما زالت تثيرني وتمنعني من الركون إلى اليقين. وإنِّي لا أنسى آراء (هيراقليط) و(إنجلز)، تلك الآراء المثيرة حقاً، الَّتي تعطي تفسيراً للكون من الكون ذاته دون حاجة إلى تدخل خارجي.

أحمد:

وما هي هذه الآراء؟

عادل:

يقول الفيلسوف القديم (هيراقليط):

«العالم هو واحد، لم يخلقه أيُّ إله أو أيُّ إنسان، وقد كان ولا يزال وسيكون شعلة حية إلى الأبد، تشتعل وتنطفىء تبعاً لقوانين معينة».

ويقول (إنجلز):

«إنَّ الفهم المادي للعالم يعني بِكُلِّ بساطة فهم الطبيعة كما هي دون أي إضافة غريبة».

ومن هنا فإنِّي أعتبر التفكير المادي على الأقل ليس فارغ المحتوى، بل له ما يبرره… له منطقه ووجاهته.

أحمد:

يبدو أنَّ الكلام الشعري المنمَّق يستهويك ويثيرك يا عادل، والشِّعر أعذبه أكذبه كما يقولون.

عادل:

وأين هو هذا الشِّعر؟

أحمد:

إنَّه أشبه بالشعر، فهو إن لم يشتمل على إيقاع ظاهر أو قافية، إلاَّ أنَّه ليس سوى وصف ساحر لفكرة خيالية… وإلاَّ فما هو الدليل الَّذي تحمله هذه الأقوال والادعاءات؟ وأي دليل تستبطنه على صحتها؟

وما قيمة الادعاءات والآراء إن لم يكن لها سند من الواقع؟

عادل:

فلنسلِّم جدلاً أنَّها ادعاءات فحسب، ولكن كيف تريدون أن نؤمن بإله وجوده أغرب وأدق وأعجب من الكون ذاته؟

إنَّ تصوّر أزلية الكون وذاتية التطور والنظام فيه أهون من تصور إله لا مادي غامض…

وإذا أمكن أن نؤمن بمثل هذا الإله الأزلي، فلماذا لا نؤمن بأزلية الكون والمادة منذ البداية؛ فنرتاح ونريح؟!

وإذا تمكنا من تصور الإله بهذا الشكل، فلماذا يصعب علينا أن نتصور أنَّ العالم ذاتي المنشأ؟ ألا ترى أنَّ الإيمان بالمادة أكثر منطقية من الإيمان بالله؟

أحمد:

عجباً يا عادل! كأنَّ كل ما تحدثنا عنه سابقاً وقررناه ذهب أدراج الرِّياح.

إنَّنا على استعداد للإيمان بالمادة والطبيعة إذا أمكن أن تحلَّ محلّ الله وتأخذ أوصافه، ولكن هل هي كذلك؟

حين لا تستطيع المادة أن تحلَّ محلّ الله وتأخذ أوصافه، وحين لا تكون المادة أزلية، ولا ذاتية المنشأ، فلا بُدَّ من الإيمان بالله، تلك القُوَّة العقلانية العظمى مهما كانت أعجب وأغرب وأدق وأكثر دهشة من المادة.

المنطق العقلي والعلمي والدِّيني يلجئنا إلى ذلك، في رواية عن الإمام الصَّادق (ع) أنَّه قال:

«إنَّ أمر الله كُلَّه عجب، إلاَّ أنَّه قد احتجَّ عليكم بما قد عرّفكم من نفسه»(3).

وعليه، فهل المادة أزلية ليس لها بداية؟!

وهل من طبيعة المادة العقل والوعي والعلم والإرادة والتوجيه والضبط والهندسة؟

وهل من طبيعة المادة أن تدرك أهمية النظام والانتظام وتسعى نحوه؟

وهل المادة ذاتية المنشأ؟

وهل من طبيعة المادة أن تنشىء الحياة ذاتياً من دون تدخل قوى عقلانية حية؟

وهل يمكن أن نعطي للمادة كل الأوصاف العقلانية الَّتي يتّسم بها هذا الكون؟

وبالتالي هل يمكن أن تحلَّ المادة محل الله؟

لقد أجبنا على كل هذه الأسئلة في طيّ حوارنا السابق، وكان الجواب المنطقي هو النفي، ولسنا بحاجة إلى تكرار.

ومن هنا تعرف أنَّ الإيمان بعقلانية الخالق أكثر منطقية من الإيمان بالمادة العمياء اللاواعية. إنَّ تصور العقلانية في خلق الكون وتنظيمه أكثر منطقية من تصوّر خالقية المادة العمياء غير المبدعة واللاواعية. أليس الإيمان بقُوَّة عاقلة مدبرة أكثر منطقية من الإيمان بمادة عمياء صمَّاء ندعي أنَّها تخلق وتخطط؟

ولماذا لا تكون المادة نفسها من صنع قُوَّة وإرادة كبرى مخططة تتصف بالإبداع والحكمة والكمال، تلك هي الله تبارك وتعالى، فما الإشكال المنطقي في الإيمان بذلك؟!

العقلانية في الكون

عادل:

لقد استدار كلامك حول محور واحد هو العقلانية الكامنة وراء هذا الكون، وأنَّها هي الموجب الأساسي للإيمان بالله دون المادة… لكن هل لك يا أحمد أن تدلَّني على هذه العقلانية؟

أحمد:

هل هذا الكون مظهر عقلاني أو مظهر غير عقلاني؟

إذا كان هذا الكون البارع المنظَّم، وهذا الإتقان في الصنع لا يشكل دليلاً على العقلانية، فهل يشكل دليلاً على الغباوة والجهل؟!

هل هذا الكون المنتظم الرائع هو نتاج غباوة المادة وجهلها؟ وهل تكون الهندسة نتيجة الجهل والعمى؟

هل هذا الكون الدقيق الرائع بِكُلِّ هندسته ودقة أعماله وسيره هو ظاهرة غبية فوضوية، أو هو ظاهرة إبداعية عقلانية خلاَّقة؟!

لقد لمس النَّاس دائماً وبشتَّى الطرق أنَّ وراء هذا الكون قُوَّة فكرية هائلة ونظاماً خلاَّقاً معجزاً لا يمكن تفسيره على أيِّ أساس مادي.

ومن هنا يقول سير (جيمس جنيز):

«لئن عبّرنا عن الكون بالفكرة العظيمة كان أحرى من أن نعتبره ماكنة عظيمة، إذ العالم هو صنع فكرة خلاَّقة ما لها من نظير».

ويقول (إينشتاين):

«إنَّ في هذا الكون المرموز المجهول قدرة عاقلة قادرة يدلُّ عليها نفس الكون بما فيه»!!

كما أنَّ إلغائية الموجودة في كل المخلوقات الكونية، وهي أعقد عمليات الإرادة والإدراك، تدلُّ بذاتها على العقلانية الكامنة خلف هذا الكون.

وإلاَّ فلماذا وجدت القوانين الكونية؟

ولماذا سادت العلاقات الدقيقة المعقدة موجودات الطبيعة وأجرام الكون كُلَّه مِمَّا يتّسم بالتوافق والتوازن العجيب، ويؤدِّي الفائدة المنشودة؟

أجل يا عادل، لا بُدَّ وأن يكون هذا الكون مظهراً نظامياً ونتاج قُوَّة عقلانية.

وسمِّ هذه العقلانية في البدء ما شئت:

سمّها العقل الأعظم، أو القُوَّة المبدعة، أو منشأ القوانين، أو الذات الإلهية، أو الخالق، أو الله، أو الذات الواعية… لا فرق في التسمية بعد الاتفاق على المبدأ، وإن كان الله تبارك وتعالى علّمنا أسماءه الحسنى وصفاته الجلالية والجمالية والكمالية، فلا ينبغي أن نصفه إلاَّ بما وصف به نفسه ممّا أكّده الوحي، حتى لا نقع في الاشتباه والوهم…

من هنا، فإنَّ الإيمان بالله هو القضية الوحيدة الَّتي تجعل لهذا الوجود معنى، وللكون مغزى.

العقلانية ونكسات الطبيعة

عادل:

هناك عشرات الأُمور في الكون لا تبدو أنَّها عقلانية، فكيف نفسّر ذلك؟ وهل تدلُّ نكسات الطبيعة على العقلانية وراء هذا الكون، أو تدلُّ على عشوائية لا معنى لها؟

أحمد:

إنَّ كتاب الكون مسطّر ومكتوب بحكمة بالغة، وإذا أخفقنا مرَّة أو مرَّات في معرفة رموز ذلك الكتاب الكوني الهائل؛ فلا يعني ذلك وجود نقص في نفس الكتاب أو في الخالق، بل يعني قصر عقولنا وأفهامنا عن استيعاب كل مرامي الكون ومقاصده وغاياته. يقول القرآن الكريم:

{ قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا } (سورة الكهف 18/الآية 109) .

{ وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (سورة لقمان 31/الآية 27) .

تُرَى أنَّنا إذا أسأنا فهم بضعة أسطر في كتاب مفكر عظيم لا يُخطىء، أنحكم على المفكِّر بسوء الحكمة وبالغباء، أم نحكم على أنفسنا بعدم الفهم؟

تُرى أنَّنا إذا أخفقنا في معرفة مهمة لولب أو ترس صغير في آلة كبيرة، هل ننعت مهندسها بالغباء، أو نبحث عن سرّ ذلك الجهاز الصغير وعمله؟

عادل:

حقاً نتفحّص ونبحث للكشف عن الأسرار والقوانين والأسباب الَّتي تكمن وراء كل مظهر مجهول قد يبدو شاذاً.

أحمد:

إنَّ عشرات الأُمور الَّتي ذكرتها لا تساوي شيئاً بجانب النظام، ولعلّها مظهر عقلاني قصرت مفاهيمنا وأدواتنا المحدودة عن معرفة أهدافها ومحتواها…

لماذا لا نعتبر أنَّ وراء الكون عقلاً لمجرد بعض الظواهر النادرة الَّتي لم نستطع اكتشاف حكمتها بعد، وننسى في الوقت ذاته كل الظواهر العقلانية النظامية الهائلة المنبثة في الكون وعبر أجزائه ودقائقه العجيبة؟

عادل:

هناك أمثلة على الفوضى…

مثال أول: كانت الأرض منذ ملايين السنين، قبل انبثاق الحياة تعجُّ بالأحداث الرهيبة:

براكين ثائرة تتفجّر بالحمم والسيول النَّاريَّة والمعادن المنصهرة، ينابيع ملتهبة تسفح المياه المغليَّة، وأنهار ساخنة تتدفق، وأبخرة معدنيَّة، وغيوم سوداء، وروائح الكبريت وأكاسيد الفحم والغازات السَّامَّة تملأ الجو بالأعاصير الخانقة والسحب السوداء القاتمة، والظلمة تلفُّ الأرض ليل نهار، والأمطار الغزيرة كأفواه القِرَب$ِ لا تنقطع، ودمدمة الرّعود لا تهدأ… والزلازل والهزَّات والشقوق الأرضية والأخاديد العميقة لا تكفّ….

كل تلك الحوادث تتداخل بعشوائية رهيبة ضاربة في الفوضى، حَتَّى ليشعر الإنسان بالدوار بمجرد ذكرها، فهل يدلُّ ذلك على النظام أم على الفوضى؟

أحمد:

ربَّما كانت الطبيعة تسعى بأمرٍ من الله لتحقيق هدف خاص يصعب على المرء أن يتصوّره وفق ما تعوّد عليه في حياته الخاصة المحدودة.

ربَّما كان الوضع يتطلب مثل هذا السلوك…

ولكن ضيق أفق الإنسان، وقصر إدراكه، حجبا عنه الحكمة في كل ذلك.

لماذا لا نتصور أنَّ تلك الحوادث كانت تسعى إلى تقسيم الأرض جغرافياً، وتوزيع ثروات الطبيعة، وتفجير الينابيع، وإجراء الأنهار، وتجميع أو توزيع البحار، وإيجاد اليابسة، وإرساء الجبال، وحفر الوديان، وإخصاب التربة؛ استعداداً للمولود الجديد، للحياة الَّتي سيولد منها الإنسان خليفة الله على الأرض؟

لماذا يصعب علينا أن نتصور ذلك؟… إنَّ تلك الثورات والحوادث الرهيبة لو لم تكن سائرة ضمن مخطط مرسوم وهدف منشود، لبقيت متخبطة عبر الآماد البعيدة، والأحقاب الطويلة، لا تلوي على شيء! ولا تستطيع خلق شيء حَتَّى اليوم!.

ولَمَا وجدت الخلائق والنباتات والأحياء والأنواع والفصائل… ولما وجد الإنسان ذاته.

يقول الله تعالى في القرآن الكريم واصفاً ذاته: { يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ } (سورة سبأ 34/الآية 2) .

{ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا } (سورة الطلاق 65/ الآية 12) .

وهكذا نرى في القرآن آيات تشير إلى التنسيق الكوني، وأنَّ كل حركة فيه تجري بحساب ودقة، وتسجّل في كتاب الله الخالد.

{ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ } (سورة يونس 10/ الآية 61) .

{ وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} (سورة الأنعام 6/ الآية 59) .

{ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ } (سورة الحج 22/ الآية 70) .

وعلى أيِّ حال، فإنَّ الكون سائر قدماً في أسبابه الكاملة نحو غاية منشودة مهما بدت النتائج منتكسة في نظر الإنسان، وهو لا يبالي أظهر بمظهر الكمال بنظر الإنسان أم لم يظهر مادام يعبِّر عن حكمة عميقة…

أعجب به الإنسان أم لم يعجب…

إنَّه لا يسير وفق خاطر البشر وميولهم وأهوائهم المتضاربة الغريبة { وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ } (سورة المؤمنون 23/ الآية 71)

إنَّه يسعى بجدٍ واجتهاد نحو غايته المرسومة، فلا تعب ولا فتور عن العمل، ولا تضجّر ولا عشوائية؛ بل كل شيء بميزان، حَتَّى ما يبدو للوهلة الأولى أنَّه عشوائي، حَتَّى هذا نفسه إنَّما هو نتائج مخططة لأسباب غاية في الدقة والانتظام.

وسيكشف العلم كثيراً مِمَّا نجهله في هذا الصدد، ولهذا يقول الأستاذ (اكرسي موريسن) رئيس المجمع العلمي الأسبق في نيويورك:

«لسنا إلاَّ في فجر العلوم، ولكن كل إلمامة جديدة، وكل تزايد لنور المعرفة، يأتينا ببرهانٍ جديد على أنَّ كوننا هو حقاً صنيعة عقل خلاَّق فعَّال».

مشكلة الآلام والشرور في العالم

عادل:

وحوادث الحياة والطبيعة القاسية من زلازل وانهيارات وبراكين وفيضانات وآلام وأمراض وشرور وظلم، ألا تدلُّ كُلُّها على عشوائية القدر وغياب الله؟

أحمد:

كلا، فنحن نعتبر حوادث الطبيعة غير منطقية لأنَّنا لم نر الصورة الكاملة، ولم نعرف كل الحقيقة المخبأة وراء ذلك. ولكن كُلَّما أوغلنا في المعارف والكشوف، كُلَّما اتّضحت الحكمة الكونيَّة وراء تلك الأحداث. وكثيراً ما تتضح لنا حكمة تلك الأقدار وتدبيرها المحكم. ولا يسعنا الإحاطة بأسرار الكون كُلِّها، أو إعطاء حكم نهائي من خلال بعض الظواهر المعقدة الغامضة غير المفهومة حالياً… يقول مفكّر غربي:

«إنَّ الطبيعة لا تعرف الإسراف، إنَّها دائماً صادقة، وعظيمة وعنيفة، إنَّها دائماً صائبة. أمَّا الخطأ فإنَّه لا يحدث إلاَّ من جانبنا، إنَّ الطبيعة تحارب العجز، ولا تكشف أسرارها إلاَّ للقادرين المخلصين الأتقياء»…

وقد استطاع العلماء اختراع آلات تتنبأ ببعض تلك الحوادث قبل وقوعها، وذلك عن طريق ملاحظة أسبابها وعواملها الدقيقة المنسّقة. فهي إذاً قوانين عقلانية دقيقة تسير بحكمة وضبط، وتسعى لتنفيذ هدف ومصلحة كونية كبرى، قد لا تكون للوهلة الأولى في صالح أفراد قلائل، غير أنَّها في صالح البشرية ككل، بل في صالح العالم والكون كُلِّه.

والنَّاس عموماً ـ بقصد منهم أو بغير قصد، بحسن اختيار منهم أو بسوء اختيار ـ هم عرضة بمقتضى قانون الطبيعة للمحن والكوارث ما داموا يعيشون حياة التجربة والاختبار، ويتصرّفون ملء إرادتهم.

أمَّا الآلام فهي في مصلحة الإنسان ذاته، فكم من شخص يستعذب الألم في سبيل هدف عظيم يسعى إليه. ولولا الألم لما عظم الهدف، ولولا المرارة لما عرفت الحلاوة، ولولا شدة الألم لما تمايزت النُّفوس رفعةً ووضاعةً.

وقد يُعَوَّض الألم تعويضاً تهون دونه الآلام وتسترخص النُّفوس، وحينذاك لا يخرج الألم عن المنطق والحكمة والتدبير المحكم مادام يخدم مصلحة كلية لنظام الطبيعة لحفظ كلِّي الإنسان.

يقول العلاَّمة الحلي في كتابه (نهج الحق) في موضوع الأعواض على الآلام ما خلاصته:

«إنَّ الألم الَّذي يفعله الله تعالى بالعبد إمَّا أن يكون على وجه العقوبة والاستحقاق، وهذا لا عوض فيه، وإمَّا أن يكون على وجه الابتداء. وإنَّما يحسن فعله من الله تعالى بشرطين:

الأول: أن يشتمل على مصلحة ما للمتألم أو لغيره، وهو نوع من اللطف، لأنَّه لولا ذلك لكان عبثاً، والله تعالى منزَّه عنه.

الثاني: أن يكون في مقابله عوض للمتألم، يزيد على الألم، بحيث لو عرض على المتألم الألم والعوض اختار الألم، وإلاَّ لزم الظلم والجور من الله سبحانه، وهو على الله محال».

يقول تعالى في الآية القرآنية الكريمة: { وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ * وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ* الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ } (سورة البقرة 2/ الآيات 154 ـ 157) .

فضلاً عن أن الألم جرس غريزي يجبر الإنسان على تلافي الخطر وتصحيح الخلل، ويحفظه من الموت… إنَّه جهاز الأمان الطبيعي الَّذي لا يغني عنه أي جهاز.

عادل:

ما زلت في ريب من أمر هذه المشكلة. وأرجو أن تفسّر بشكل عام كيف يوجد العالم نتاج حكمة وعقل، ومع ذلك تسود فيه الشرور والآلام، ويكثر فيه القبح والنقص، ويتعرض لمزيد من النكسات المستمرة في شتَّى الأزمان والمجتمعات؟!

أحمد:

بالطبع يستطيع الله أن يخلق كوناً خالياً من النكسات والشرور، فيسلب الإنسان الحرية، ويتركه خلواً من الإرادة والتدبير، وبهذا يتساوى الإنسان مع الجمادات، وهي الَّتي تعيش مسلوبة الإرادة والإدراك والاختيار، تقلّبها الطبيعة كيف تشاء.

وحينذاك تنحطُّ درجة الإنسان في القدرة والاختيار والتمييز، ويصبح العالم خلواً من الجمال والخير اللذين يعرفان بضدّهما، وبالقدرة على فعل الشيء وتركه، ويسلب الإنسان أغلى شيء يدافع عنه، ألا وهو الحرية والجهد الإرادي لتحقيق الغايات.

عادل:

وهل هناك حاجة لله في خلق الإنسان؟

أحمد:

حقاً إنَّ الله ليس بحاجة لشيءٍ وهو الغنيُّ المطلق… ولكن غناه المطلق يستلزم أن يخلق ويفيض الوجود كما الفنان الَّذي يبدع باستمرار، والكريم الَّذي يعطي.

ويظل المبدع الغني يجلِّي إبداعه، ويعطي باستمرار إلى شتَّى الجهات… وخصوصاً في تكوين الإنسان.

وأروع آيات الإبداع الَّتي نعرفها هي خلق كائن ذي روح وإرادة واختيار وتمييز وانفعال وإبداع نسبي، فكان ذلك المخلوق هو الإنسان، وكان لا بُدَّ أن يكون مختاراً، مميزاً، والاختيار والتمييز يستدعيان وجود الفوارق ووجود الجمال والقبح وإمكانية الخير والشَّر.

وهكذا أودع الله في الإنسان إمكانية فعل الخير، وإمكانية فعل الشَّر دون أن يجبره على فعل الشَّر أو فعل الخير، بل حبَّب إليه فعل الخير وبيّنه له وأراده منه، وبغّض إليه فعل الشَّر وبيّنه له وكرّهه فيه… وحثَّه على فعل الخير ونهاه عن فعل الشَّر، ورغَّبه بالخير وأعطاه على ذلك ثواباً وأجراً مضاعفاً أضعافاً كثيرة، وخوَّفه من فعل الشَّر وتوعّده على ذلك بالعقاب والعذاب كنتيجة جزائية طبيعية لفعل الشَّر، وترك له باب التوبة مفتوحاً، رحمةً به ولطفاً بعباده وإظهاراً لعدله { وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ } . فعمل الإنسان مستند إلى الإنسان ذاته بمحض قُوَّة الاختيار الَّتي أودعها الله فيه، فهو إن كان خيراً فجزاؤه الخير، ويكون حينئذٍ وفق إرادة الله، وإن كان شرّاً فجزاؤه العقاب، ولا يكون حينئذٍ وفق رضا الله، وإن كان ضمن القدرة الَّتي أتاحها الله لعبده… أجل يستطيع الله حينذاك محو الشَّر، وإجبار الإنسان على الخير، وبذلك يكون الإنسان مسلوب الحرية والاختيار. غير أنَّ الله جلَّت حكمته شاء أن يترك للإنسان الاختيار والتمييز إظهاراً لبديع صنعه وإتقانه، ونعمة منه على عباده.

أجل إنَّ نعمة الحرية والاختيار لا تثمّن ولا تقدّر ما دامت مقرونة بإرشادات الله وشريعته العادلة.

جاء عن الإمام الصَّادق (ع) في مشكلة القبح أو النقص والشرور والألم أنَّه قال:

«إنَّ الشكَّاك جهلوا الأسباب والمعاني في الخلقة، وقصرت أفهامهم عن تأمل الصواب والحكمة في ما ذرأ الباري جلَّ قدسه وبرأ من صنوف خلقه في البر والبحر والسهل والوعر، فخرجوا بقصر علومهم إلى الجمود، وبضعف بصائرهم إلى التكذيب والعنود، حَتَّى أنكروا خلق الأشياء، وادّعوا أنَّ كونها بالإهمال، لا صنعة فيها ولا تقدير، ولا حكمة من مدبّر ولا صانع، تعالى الله عمَّا يصفون، وقاتلهم الله أنَّى يؤفكون.

فهم في ضلالهم وعماهم وتحيّرهم بمنزلة عميان دخلوا داراً قد بنيت أتقن بناء وأحسنه، وفرشت بأحسن فرش وأفخره، وأعدَّ فيها ضروب الأطعمة والأشربة والملابس والمآرب الَّتي يحتاج إليها لا يستغنى عنها، وُضِع كُلّ شيء من ذلك موضعه على صواب من التقدير، وحكمة من التدبير… فجعلوا يتردَّدون فيها يميناً وشمالاً، ويطوفون بيوتها إدباراً وإقبالاً، محجوبة أبصارهم عنها، لا يبصرون بنية الدَّار وما أعدَّ فيها. وربَّما عثر بعضهم بالشيء الَّذي قد وضع موضعه، وأعدَّ للحاجة إليه، وهو جاهل بالمعنى فيه ولما أعدَّ، ولماذا جعل كذلك.. فتذمَّر وتسخَّط، وذمَّ الدَّار وبانيها.

فهذه حال هذا الضعف في إنكارهم ما أنكروا من أمر الخلقة وثبات الصنعة.

فإنَّهم لمّا غربت أذهانهم عن معرفة الأسباب والعلل في الأشياء، صاروا يجولون في هذا العالم حيارى، ولا يفهمون ما هو عليه من إتقان خلقته وحسن صنعته، وصواب تهيئته…

وربَّما وقف بعضهم على الشيء لجهل سببه والأرب فيه، فيسرع إلى ذمِّه ووصفه بالإحالة والخطأ»!(4).

هذا ما ورد عن الإمام الصَّادق ، ولديَّ كتاب للعقَّاد حول (الله) يتحدث فيه عن مشكلة الشرور وفلسفة الآلام، أقرأ لك منه يا عادل نصوصاً موزّعة وإن كانت طويلة، إلاّ أنّها مهمّة، وهي خلاصة رأي العقَّاد في هذا الموضوع الذي يستحق التأكيد، يقول:

«وليس جوابنا على هذا الاعتراض أن نعزو إلى الله دواعي مقدرة لخلق هذه الأُمور، فإنَّ الدواعي الَّتي نقدّرها لن تبلغ بنا إلى نهايات الأشياء، ولن تزال واقفة بنا عند بدايات مفروضة لا تغني عن تلك النهايات.

ولكنَّنا نرجع إلى المقابلة بين هذا العالم وبين العالم الَّذي يتخيّله أولئك المعترضون وافياً بالقصد أو جديراً بحكمة الله. فإن كان هو أقرب إلى التصور؛ فقد صدقوا وأصابوا، وإن كان العالم الَّذي نحن فيه هو الأقرب إلى التصوّر؛ فقد سقط الاعتراض.

فما العالم الَّذي يتخيل المعترضون أنَّه أجدر من عالمنا هذا بحكمة الله وقصد المدبر المريد؟

هو عالم لا نقص فيه فلا نمو فيه، ولا آباء ولا أَبناء ولا تفاوت في السن والتهيؤ والاستعداد، ولا تقابل في الجنس بين الذكور والإناث، بل جيل واحد خالد على المدى لا يموت ولا يتطلب الغذاء ولا الدواء.

عالم لا نقص فيه فلا حدود فيه، وكيف يوجد النَّاس بلا حدود بين واحد منهم وأخيه؟ بل لماذا يوجد الألوف ومئات الألوف نسخة واحدة لا فرق فيها بين أحد وأحد، ولا محل فيه للاختلاف… إذ كان الاختلاف يستدعي نقص صفة هنا ووجودها هناك؟ إذاً يخلق إنسان واحد يحقق معنى الإنسانية كُلّها، ولا يكون فيه نقص ولا تعدّد، ولا تكون له بداية ولا نهاية، فذلك إذاً إله آخر متمتع بِكُلِّ صفات الكمال والدوام.

عالمهم المتخيل هو عالم لا حرمان فيه. فلا ينتظر فيه الحي شيئاً يجيء به الغد، ولا يشتاق اليوم إلى مجهول، بل ماذا نقول؟ أنقول الغد واليوم؟ ومن أين يأتي الغد واليوم في عالم لا تغاير فيه ولا تنوّع في التراكيب والحركات؟

إنَّما يأتي اليوم والغد من تغاير الكواكب بالحركة والضخامة والدوران. فإذا بطل التغاير والتركيب فلا شمس ولا أرض ولا قمر ولا أيَّام ولا أعوام.

هو عالم لا ألم فيه ولا اجتهاد فيه، ولا اتقاء لمحذور ولا اغتباط بمنشود.

هو عالم لا أمل فيه ولا محبة ولا حنان، ولا صبر ولا جزع ولا رهبة، ولا اتصال بين مخلوق ومخلوق، لأنَّ الاتصال تكملة، ولا حاجة إلى التكملة بأرباب الكمال.

هو عالم لا ظلم فيه. فلا فضيلة ولا رذيلة، لأنَّ الفاضل هو الإنسان الَّذي يعمل الخير، ولا شقيّ به ويتجنب الشَّر ولو طاب له مثواه. فإذا ضمن الجزاء العاجل على أعماله أولاً فأولاً فلا فضل له على الشرير. وإذا وجد العالَم وفيه أشرار يجزون أبداً بالعقاب، وأخيار يجزون أبداً بالثواب، فذلك ظلم أكبر من هذا الظلم الَّذي يأباه المنكرون للقصد والتدبير.

هو عالم لا فرق فيه بين الأبد الأبيد واللحظة العابرة، لأنَّك تريد في كل لحظة عابرة من لحظاته أن تجمع حكمة الآباد، وأن تكون مقاصدها هي مقاصد الكون الَّذي لا تعرف نهاية طرفيه؛ فلا انتظار لبقية الزمن، ولا موجب للانتظار، ولن يحيا المخلوق المحدود بغير الانتظار إلاَّ كانت (اللحظة الزمنية المتبقية) في حسّه لوناً آخر من ألوان الفناء.

وليس بالمعقول أن يكون خلق كامل لا يشكو ولا يتألم ولا يتحول ولا يتبدل، إلاَّ أن يكون إلهاً آخر يخلقه الله القادر على كل شيء، قادراً مثله على كل شيء.

فإنَّنا إذا تخيّلنا ألف إنسان أو مليون إنسان أو ما شئنا من ملايين الإنسان مخلوقين جميعاً على قدرة الإله وكماله، لم يكن هذا التخيل أسلم ولا أقرب إلى الصدق مِمَّا نراه في العالم على نظامه المعهود… ولماذا يستأثر هؤلاء بالحياة والدوام ونسمي ذلك عدلاً من الله بينهم وبين مَن هو قادر على خلقهم بغير انتهاء؟ وكيف يخلقون بهذه العدَّة وهم كاملون سرمديون وكل منهم في استغناء الله ودوامه بغير اختلاف؟

فإذا كان العقل لا يستريح إلى صورة الإله القادر على كل شيء وليس معه خلق كثير ولا قليل ولا سعيد ولا شقي على الإطلاق، وكان العقل لا يستريح إلى صورة الإله القادر على كل شيء يخلق إلهاً آخر قادراً على كل شيء مثله بغير فارق بين الخالق والمخلوق، فماذا بقي للعقل من صورة يستريح إليها بين هذه الصور غير صورة العالَم كما عهدناه؟ وكيف يكون خلق محدود، ولا يكون لتلك الحدود مظهر من النقص والألم والحرمان؟

إنَّ هذه الصورة (صورة العالَم الحالي) أقرب صورة يقبلها العقل مع وجود الله القادر على كل شيء، وليست هي بالصورة الَّتي تناقض وجوده، وتعضل على العقل في التخيُّل أو في التأمُّل أو في الاعتقاد. وقد يفصل بين الطفل وأبيه فارق عشرين سنة أو دون العشرين. وهذا الفارق الصغير هو الَّذي يسمح للأب في دخيلة قلبه أن يبتسم وهو ينظر إلى دموع ولده الَّذي يتولاه بالتربية والتأديب، ولا يعلم الأب من نفسه أنَّه قاسٍ غليظ. ولا النَّاس يعلمون فيه القسوة والغلظة من أجل هذا التباين في الشعور. ويكبر الابن نفسه فلا يتهم أباه، لأنَّه يبتسم لتلك القسوة المزعومة كما ابتسم أبوه وهو دامع العينين.

فإذا كان هذا ما نسمح به لفارق عشرين سنة، فبماذا نسمح لفارق الآباد والآزال؟ وما أجد بكاء الطفل إلى جانب ذلك البكاء الهازل قياساً على فارق العلم وفارق الزَّمان؟ ونحن ننظر إلى حيز واحد من التحفة الفنية الخالدة، فلا نرى فيها إلاَّ بقعة تقبح في النظر، أو قطعة من الحجر والطين، ولا نقيس التحفة الفنية مع ذلك على البقعة الشائهة في الحيز المحدود.

ولو طال أجل هذا النوع الإنساني أضعاف مَطاله، لما كان في تلك البقعة الشائكة غير ذرَّة هباء، لأنَّه بقعة ضئيلة في صورة تتناول الدُّهور الَّتي لا نحصيها والمكان الَّذي لا نستقصيه، فمن أين لنا أن نقيس جمال الصورة الأبدية على بقعة الحاضر كما تمثلناه؟

وكيف نحصر الآزال والآباد في لمحة من حاضر عابر؟

وكيف نستوعب بالحواس ما تضيق به الحواس، بل تضيق به العقول؟

ونحن نحكم على غايات الأَبد بتجارب العمر القصير، فلا فرق في ذلك بيننا وبين من يحكم على الرواية المعروضة أمامه بكلمة في خطاب أو كلمة في جواب، ثمَّ يحكم على التأليف والمؤلف كأنَّه شهد جميع الفصول وقابل بينها وبين شتَّى الفصول والرِّوايات».

وهكذا نرى الصورة المعقولة لهذا العالم، وتظهر لنا دقائق وخفايا الحكمة الإلهية العميقة في الخلق ومشكلة الشرور والألم.

حقاً إنَّ آثار العقل والحكمة تسود الكون كُلَّه، وتبدو مظاهرها في القوانين الَّتي تسود العلاقات المادية.. في انتظام الذرَّات وتسارع الإلكترونات، في تحرك الأجرام ودوران الأفلاك، في عالم الجماد والنبات والحيوان والإنسان وفي كُلِّ شيءٍ له آية تدلُّ على أنَّه واحد…

هل العقلانية نتاج المادة؟

عادل:

ولماذا لا تكون العقلانية ذاتها نتاج المادة؟ لأنَّنا نرى أنَّ الفكر نتاج وجود الإنسان، والإنسان نوع من أنواع المادة المتطورة.

أحمد:

هذا يستلزم أن تكون القوانين والهندسة والسنن الكونيَّة مفقودة قبل الإنسان الَّذي هو أعلى مادة متطورة؟ مع أنّها كانت موجودة قبله…

لكن هل الإنسان هو الَّذي نسَّق الكون وقوانين الطبيعة وأشرف على إيجادها وهندستها؟

وهل يستطيع الإنسان إنكار أسبقية القوانين الطبيعية على وجوده؟ فمن الَّذي صنعها؟ ألا تحتاج إلى عقل جبَّار مدهش ليخلقها ويكوِّنها بهذا الشكل البديع؟

عادل:

نحن نفترض أنَّ العقل كامن في المادة، وهو يتحوّل ويتطوّر نحو الكمال شيئاً فشيئاً، فالذرَّة تحتوي على نظام بديع يتجسَّد فيه التنسيق والعقل، والذرَّة أساس كل موجودات الطبيعة.

وهكذا يصبح عقل كل شيء بحسبه. وأرقى عقل في الطبيعة هو عقل الإنسان… ولكنَّ هناك عقلاً في كل شيء آخر، في كل ذرَّة رمل أو جماد أو شجرة أو حشرة أو حيوان.

وأدنى درجات العقل كامنة في المادة الميتة، وأرقى درجاته نجدها في الإنسان.

أحمد:

هذا يعني أنَّكَ تؤمن بعقل بدائي كوني مغروس داخل المادة…

ولكنَّكَ لا تدلَّنا هل أنَّ عقل الإنسان أعجب وأغرب، أو وجود هذا العالم الرائع الصنع بكُلِّ ما فيه من موجودات وحيوان وإنسان؟

عادل:

حقاً، إنَّ وجود الكون المنظَّم بما فيه أعجب من الإنسان ذاته.

أحمد:

لكنَّكَ جرّدت الكون عن العقل الناضج الكامل قبل خلق الإنسان، فمن الَّذي أحدث هذا التنسيق الكوني قبل الإنسان؟ وأي عقل جبَّار أشرف على هندسته حين لم يكن سوى نزر من العقل الضعيف مختبئاً داخل الذرَّة؟

هل يستطيع تنسيقه عقل الإنسان المتطور فضلاً عن العقل البدائي؟

وهل يستطيع العقل البشري تغيير القوانين الطبيعية؟

وكيف تخلق المادة عقلاً أرقى في وقت لا تملك هي مصادر الرقي؟

وهل تتصف الذرَّة بالعقل والحكمة والتصرف الإرادي، أم أنَّها مجرد نظام أشبه بالآلي الميكانيكي؟

وإذا كانت المادة في حال كمالها وأعلى درجات تطوّرها ـ وهي درجة الإنسان المفكّر ـ عاجزة عن إيجاد ذاتها أو تبديل قوانين وجودها ـ كما ذكرنا سابقاً ـ فهي في حالة ضعفها وابتدائها وأوَّل مراتب تطورها أعجز وأقل من أن توجد ذاتها بذاتها، أو تخلق نظامها وقوانينها.

إنّ قوانين الذرَّة لا تستلزم وجود عقل فيها، ما دامت لا تتصف بالإرادة، ولا تستطيع التحكم الواعي بقوانين وجودها ونظامها الخاص. قال تعالى:

{ قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ * فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ} (سورة يونس 10/الآيتان 31 ـ 32) .

{ قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ * وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ } (سورة يونس 10/الآيتان 35 ـ 36) .

عادل:

فلنفترض أنَّ العقل والمادة متّصلان ممتزجان يتطوران معاً، ولم ينبثق العقل عن المادة كما لم تنبثق هي عنه.

أحمد:

ومن أين استحصل العقل والمادة على مصادر تطوِّرهما؟ ومن طوّرهما؟ وأي عقل كامل أشرف على رحلة التطور فيهما ووجَّههما الوجهة الصحيحة؟

يبدو أنَّكَ يا عادل رجعت للإيمان بالعقل الكوني الكلي، لكنَّك افترضته محدوداً، وهذا الكون يؤكد لنا أنَّ العقل الكوني ليس محدوداً.

ولكن ما طبيعة هذا العقل الكوني؟ هل هو مادة؟ كلا، إنَّه ذات أعلى وأسمى من المادة… إنَّه شيء لا كالأشياء، وذلك هو الله الَّذي نؤمن بضرورة وجوده.

يقول العقَّاد نفسه:

«الكون الَّذي يخلقه إله قادر على كل شيء، وتديره حكمة تتعالى على العقول، أقرب إلى القبول من الإله المتطور عن المادة العمياء، لأنَّها موجودة منذ القدم على النحو الَّذي يخرج منها الآلهة!!

فلماذا تخرج منها الآلهة بعد دهور متتابعة؟ وكيف نقدِّر لزومها لإخراج الآلهة ومن هم دون الآلهة من الأحياء؟

فهذه الآلهة المتطورة لن تثبت لنا بالبرهان المنطقي القاطع، ولن تثبت لنا بالتجربة العلمية، ولن تثبت لنا بالإيمان… لأنَّها لا توافق طبيعة الإيمان».

هل العقلانية ضرورة كونية؟

عادل:

العقلانية وإن لم تكن من ضرورات المادة كأجزاء، إلاَّ أنَّها ضرورة كونية، إنَّها من ضرورات الكون ككل، من طبيعة الكون اللازمة له، والَّتي لا تنفك عنه بحال.

وبالتالي لا حاجة إلى افتراض إله ما دامت العقلانية ضرورة كونية، في ذات الكون ومن ذاته.

أحمد:

كأنَّكَ تعتبر العقلانية شيئاً ميكانيكياً لا وعي فيه ولا حياة، وهذا تناقض واضح؛ لأنَّ العقلانية تعني ـ في ما تعني ـ الوعي والإرادة الخلاَّقة المبدعة.

وهذا بالذات مظهر وجود الله، أو الأثر الدالّ على وجوده… وإلاَّ كيف يمكن أن نتصور عقلانية دون أن نتصور وراءها ذاتاً تبثّها؟ أين كانت العقلانية قبل أن يتناسق الكون؟ هل كانت من طبيعته وضرورة من ضروراته؟ إذاً لماذا كان ممعناً في الفوضى حسب ادّعائكم؟

وإذا لم تكن موجودة قبل تناسقه فمن أين جاءت، ومن الَّذي جاء بها؟ ومن الَّذي نسَّق الكون حين لم تكن موجودة؟

وحين لا يمكن للمادة أن تُطلق هذه العقلانية إذْ لم يثبت أنّ العقلانية من طبيعتها، وحين لا تكون العقلانية من طبيعة الكون لأنَّه هو بذاته أيضاً ليس إلاَّ مجموعة مواد… كان لا بُدَّ لشيء أعلى من المادة وأعجب وأغزر منها، أن يبثّ هذا النظام البديع في الكون.

العقلانية أسبق من المادة

أحمد:

وهكذا لا بُدَّ أن تكون وراء العقلانية ذات تبثّها وتغدقها، وإلاَّ لما أمكن أن توجد، لأنَّ العقلانية أشبه بالصفة منها بالذات، والصفة لا تقوم بدون موصوف.

ومن هنا، من واقع أنَّ العقلانية صفة وليست ذاتاً، اضطر الماركسيون إلى القول بأنَّ المادة أسبق من الفكر والعقلانية.

ومن ثمَّ رفضوا منطق الإيمان بالدِّين ومنطق الإيمان بالله، ما دام الله ـ كما يفهمونه ـ عقلانية محضاً، صفة محضاً دون موصوف… يقول (لودفييج فيورباخ) أحد الفلاسفة الَّذين تأثر بهم (ماركس):

«إنَّ الفكر صفة من صفات الذات، فهو يصدر عن الكائن ولا يصدر الكائن عن الفكر، وكل تفكير يجري دون الإنسان وخارج الإنسان ليس إلاَّ تجريداً مفككاً عديم الوحدة، لا أساس ولا قوام ولا فائدة ولا حقيقة له».

ويقول مفكِّر آخر:

«إنَّ القضية الأساسية في كل فلسفة، كما يقول (إنجلز)، هي قضية العلاقة بين الكائن وبين الفكر، فالفلاسفة الَّذين قالوا بأسبقية الفكر على الطبيعة، يشكّلون معسكر المثالية. أمَّا الَّذين اعتبروا أنَّ الطبيعة هي العنصر الأول الأصيل، فقد ارتبطوا بالمدرسة (المادية) في مختلف أشكالها.

فبالنسبة للنزعة المادية، يشكِّل الكائن والطبيعة العنصر الأول، أمَّا الفكر فهو مظهر من مظاهر هذا العنصر الأول، ومشتق من مشتقاته. أمَّا بالنسبة للمثالية فيحتل الفكر المكان الأول…».

ولكنَّك تجد ـ يا عادل ـ أنَّ إيماننا بالله هو أنَّه ذات لا فكر مجرد.

ولو قلنا بأسبقية الفكر وحده على المادة؛ لكانت الماركسية على حق، أما وأنَّ الفكر أو العقلانية ناتجان بدورهما عن الذات، كان لا بُدَّ من الإيمان بأسبقية الفكر على المادة، أو فقل بأسبقية الذات الإلهية العاقلة الواعية على المادة، تلك الذات الَّتي تندمج فيها صفاتها اندماجاً كلياً دون فصل، ما يؤكد الوحدانية وينفي تجزئية الإله أو تركبه أو تعدده، ويؤيد بالتالي كونه ذاتاً وشيئاً لا كالأشياء ـ كما في الحديث ـ وأنَّه نسيج وحده في الكينونة والوجود.

ويستدل بعض المفكِّرين بالنسب الرياضية في أسبقية الفكر على الإنسان والمادة، وأنَّ الفكر في الإنسان ما هو إلاَّ صدى للحقائق الكونية الأصيلة الَّتي تدلُّ عقلانيتها على ذات الله…

يقول:

«إنَّنا لم نستخرج هذه النسب من الكون، بل استخرجناها من عقولنا، فلمَّا عرفناها وطبقناها على ما حولنا؛ عرفنا أنَّها كانت موجودة عاملة قبل أن نهتدي إليها ونترقى إلى مراقبة عملها في نواميس الكون ونواميس الحياة، فحق لنا أن نفهم أنَّ هذه الحقائق الرياضية هي حقائق عقل إلهي أودعها أفكارنا كما أودعها هذه العوالم من حولنا».

وعليه، فلا بُدَّ من التسليم ـ يا عادل ـ بأسبقية الفكر الناتج عن الذات العاقلة. والله ليس فكراً محضاً حَتَّى تستحيل أسبقيته، بل هو ذات عاقلة واعية تمتلك جميع مراتب الإبداع والكمال… { بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ } (سورة الأنعام6 /الآية 101) { وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } (سورة الأنعام 6 /الآية 101) { ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ } (سورة الأنعام6 /الآية 102) { لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ } (سورة الأنعام6 /الآية 103) .

وفي الحديث الشَّريف:

«كان الله ولم يكن معه شيء» (5).

وعن الإمام جعفر الصَّادق (ع) :

«إنَّ الله كان ولا شيء قبله، وهو باقٍ ولا نهاية له» (6).

إذاً وجوده تعالى أسبق من كُلِّ شيء، وكُلُّ الأشياء جاءت بعده بإرادته وخلقه.

وحدة الوجود

عادل:

لماذا لا يكون الإله متّحداً في الكون متجسداً فيه؟

ولماذا لا تكون ذاته كامنة في صميم الأشياء، تحرّكها وتديرها كالرُّوح في البدن والزيت في الزيتون؟

ولماذا لا تكون مظاهر الكون ممتزجة في وجود الله وكينونته في وحدة لا تنفصم. تلك هي وحدة الوجود، وحدة الخالق والمخلوق، وحدة الرُّوح والمادة؟

ومن هنا لا تصبح الأشياء بحاجة إلى الخضوع لقُوَّة خارجية تعمل وفق نظام آلي… بل تصبح الأشياء تجليات لجهاز حيوي هائل يتطور داخلياً وذاتياً ليبث الحياة في جوانب الوجود كلها.

وهكذا تصبح الرُّوح مندمجة في الواقع، وينفذ العقل الشمولي داخل العالم والأشياء ليطوّر ويخلق ما هو جوهري وجديد، وتصبح الأشياء مجرد طفح وإفراز لتلك الرُّوح!

أحمد:

تقصد أنَّ الكون هو الله، وأنَّ الله هو الكون.

عادل:

أقصد أنَّ الطبيعة كُلَّها متحدة في الله.

أحمد:

إنَّك تريد أن توحّد بين النظرة الإلهية والنظرة المادية، وهذا بالضبط ما ألجأك إلى القيام بعملية توفيقية بين الرأيين، ولكنَّك في الواقع لم تعط ههُنا تفسيراً عقلياً بقدر ما أعطيت تفسير لغوياً… فإنَّ وحدة الوجود هذه لا تعني سوى إضافة مرادف جديد لاسم الكون فحسب.

ومن هنا قال الفيلسوف الألماني (شوبنهور):

«إنَّ أصحاب هذا المذهب لم يصنعوا شيئاً سوى أنَّهم أضافوا مرادفاً آخر لاسم الكون… فزادوا اللغة كلمة ولم يزيدوا العقل تفسيراً، ولا الفلسفة مذهباً، ولا الدِّين عقيدة».

وقال عالم الطبيعة الأمريكي (جورج إيرل ديفيس):

«لو كان يمكن للكون أن يخلق نفسه، فإنَّ معنى ذلك أنَّه يتمتع بأوصاف الخالق، وفي هذه الحال سنضطر أن نؤمن بأنَّ الكون هو الإله… وهكذا ننتهي إلى التسليم بوجود (الإله)، ولكن إلهنا هذا سوف يكون عجيباً: إلهاً غيبياً ومادياً في آنٍ واحد! إنَّني أفضل أن أؤمن بذلك الإله الَّذي خلق العالم المادي، وهو ليس بجزء من هذا الكون، بل هو حاكمه ومديره ومدبّره، بدلاً من أن أتبنّى مثل هذه الخزعبلات».

عادل:

قامت نظرية وحدة الوجود لتحلَّ مشكلة الفكر والواقع، مشكلة العقلانية والمادية في العالم، بل مشكلة أسبقية الفكر أو المادة.

ولمَّا كانت العقلانية في الكون لا يمكن تفسيرها بعد كل ما مرَّ إلاَّ على أساس وجود الله، الذات الواعية… كان لا بُدَّ من التسليم بوجود إله في الكون أو قُوَّة أو ضرورة عقلانية.

ولكن فرض وجود القُوَّة العقلانية لا يعني تصفية الأسس المادية الَّتي تفرض نفسها على الفكر والواقع، لأنَّ تلك الأسس من المتانة والقُوَّة في الصميم، وهذا ما يضطرني إلى إيجاد موقف ينسجم مع أفكاري المادية، ومع ما وصلنا إليه في البحث من ضرورة وجود قُوَّة عقلانية أو ذات واعية سمّها ما شئت… لكن لا يمنع أن تكون هذه الذات العقلانية متحدة في الكون ذاته في وحدة لا تنفصم، دون حاجة إلى ثنائية الخالق والمخلوق وأسبقية الفكر أو المادة.

إنِّي أعتقد أنَّ نظرية وحدة الوجود هي موقف ينسجم مع كل فكر موضوعي.

أحمد:

إذاً أنت آمنت مبدئياً بوجود الله.

عادل:

هذا ما يفرضه المنطق، وتقتضيه الضرورة الكونية فعلاً.

أحمد:

ولكنَّنا لا نجد ذات الله داخل المادة، لأنَّ المادة لا تتصرف وتعمل بوعي، وليس لها إرادة ولا اختيار، بل هي تعمل بطريقة آلية محض، وليست كالإنسان على الأقل حَتَّى نقول إنَّ ذات الله منتشرة أو كامنة فيها، بل إنّ ذات الله ليست كامنة أو منتشرة في الإنسان نفسه كمادة مفكّرة، تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً.

إنّ كلامك ـ يا عادل ـ يستلزم أن نكون نحن أيضاً أجزاء من الله، وبالتالي فنحن آلهة أو آلهة جزئية على الأقل، وأنّ الله موجود في أجسادنا لأنّ أجسادنا جزء من المادة، وهكذا إلى ما لا نهاية من الأوهام والمستلزمات الباطلة لفلسفة وحدة الوجود، جلّ الله عن ذلك وعلا…

والآن دعنا نفحص هل الطبيعة متّحدة في ذات الله، أو أنَّ ذاته مستقلة عن الطبيعة مهيمنة عليها؟

هل وجود الله مرتبط بالكون مندمج فيه عبر وحدة لا تنفصم، أو أنَّ وجوده تعالى منفصل قائم بذاته نسيج وحده، بل الكون هو المرتبط بالله المحتاج إليه في كل لحظة؟.

إنَّ نظرية وحدة الوجود تعني أزلية الله وأزلية الكون معاً لأنَّهما متّحدان لا ينفصلان. ولكنَّنا نريد أن نعرف هل أنَّ وجوده تعالى سابق على الكون أو ليس بسابق؟ منفصل عنه أو ليس بمنفصل؟

هل إنَّ هذا الكون أزلي الوجود؟ هل يحمل خصائص الأزلية وأوصافها أم أنَّه مخلوق، منبثق عن الله ولاحِقٌ له في وجوده؟

إبطال وحدة الوجود

أحمد:

إنَّ الأدلة على استقلالية الله وانفصاله عن المادة بسيطة وظاهرة.. إنَّ الله جلَّ وعلا ليس مندمجاً في المادة، لأنَّ المادة خالية من الإرادة والعلم والوعي، والله تعالى مريدٌ عالِمٌ واعٍ، وهذا يدلُّ على أنَّ وجوده منفصل عن المادة…

كذلك فإنَّنا نجد بالبداهة أنَّ المادة تحتاج إلى من ينظمها ويهندسها لتتآلف وتعمل لتشكِّل هذا الكون، وهي لا تملك الوعي لتنظم نفسها بنفسها، وإن قال قائل بأزليتها، وإنَّما تحتاج إلى قدرة خارجية جبَّارة وعقل كلِّيٍّ هائل لإقامة نظامها الكوني، وقد رأينا أنَّ أعظم عقل مادي ـ وهو الإنسان ـ عاجز عن تغيير قوانين الكون فضلاً عن إيجادها، فكيف بالمادة العاجزة الخالية من العقل؟ وبذلك يظهر أنَّ الوجود الإلهي خارج عن المادة، ولكنَّه يحكمها ويهيمن عليها.. قال تعالى: { إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ} (سورة فاطر 35/ الآية 41) . أي لا يمسكها أحد من بعده…

حدوث الكون وإبطال أزلية المادة

أحمد:

كذلك يا عادل، إذا ثبت لدينا حدوث العالم وبطلان أزليته؛ وثبت لدينا أنَّ الكون مخلوق، وثبتت لدينا أيضاً أسبقية الله على الكون وانفصاله عنه تأكد لنا الإيمان بالله وتجلّى… فهل الكون حادث أو قديم؟ مخلوق أو أزلي؟

عادل:

لا يبعد أن يكون الكون أزلياً غير مخلوق، وإن كانت المادة الخام تحتاج إلى يد إلهية من الخارج توضّبها وتصنع منها هذا العالم… وبهذا تقترن أزلية الله مع أزلية أصل الكون في اقتران لا ينفصم، يظل يُطوّر ويُجدّد نفسه، ويُنوّع مظاهر وفصائل مخلوقاته. فهناك أزليان: المادة الخام، والعقل الكلي المنظم لها.

أحمد:

كلا… ليس الأمر كما تتصور.. إنَّ هناك أدلة عديدة على حدوث الكون:

أولاً: يؤكد المتخصصون بأنَّ الشواهد الكيماوية دلَّت على أنَّ بداية المادة وجدت بصورة فجائية لا بصورة تدريجية أو بطيئة.

ويذهب العلم إلى أنَّ الكون حدث نتيجة لانفجار هائل حصل قبل أكثر من 15 مليار سنة، فلا بُدَّ أن يكون مخلوقاً لا محالة وأكد فريق من الباحثين الدوليين ـ كما نشرت الصحف ـ أنّهم تمكنوا من تصميم برنامج إلكتروني يقوم على الحسابات الخوارزمية يتيح لهم سبر أغوار الكون السحيق وتحديد المواقع التي جاءت منها المواد المكوّنة للمجرّات الحالية

ويعتمد البرنامج على قياس كثافة الكون في وضعه الحالي للعودة خمسة عشر مليار سنة إلى الوراء، أي الوقت المقدّر لولادته.

وتقوم النظرية السائدة حول تشكّل الكون على تشبيه ولادته بعملية انفجار عظيم نتج عنها توزع جسيمات مرتفعة الحرارة بردت لاحقاً لتشكّل النجوم والكواكب والأجسام الأخرى الموجودة في الفضاء.

ويقول الباحثون برئاسة (أورييل فريش) من المركز الوطني للبحث العلمي في مرصد (كوت دازور) على الساحل الجنوبي لفرنسا، إنّ الحسابات الخوارزمية التي قاموا بها مكّنتهم من استنتاج الوضع السائد في السنوات الأولى التي أعقبت الانفجار العظيم عندما كان الكون لايزال كثيفاً جداً.

وهذا يساعد الباحثين على أن يفهموا كيفية توزيع المجرّات، ويحصلوا على صورة دقيقة حول تموضعها.

ثانياً: أثبت القانون الثاني للديناميكا الحرارية، بأنَّ الحرارة تنتقل من الأجسام الحارة إلى الباردة باستمرار، وهذا يعني أنَّ الحرارة في الكون تخبو وتتضاءل وتهبط تدريجياً، وأنَّها صائرة إلى الزوال ودرجة الصفر المطلق وإن أطبق قسم كبير من الحرارة حالياً على غلاف الكرة الأرضية جرّاء إساءة التعامل البشري مع الطبيعة.

وما هو صائر إلى الزوال يستحيل أن يكون أزلياً، لأنَّ الأزلي لا بداية ولا نهاية؛ وهذا يعني أنَّ الكون حادث وليس أزلياً وأنَّه في طريقه إلى الاندثار.

ثالثاً: يؤكد علم الفلك أنَّ الكون يسير نحو نهاية محتومة، وأنَّ الأفلاك تجنح نحو التغير والتحول والفناء، وما موت الكواكب واندثار النُّجوم إلاَّ دليل على الولادة والصيرورة والموت.

وهنا يصدق القياس المنطقي القائل: العالم متغير، وكل متغير حادث، فالعالم حادث.

ويؤكد علم الفلك أيضاً أنَّ النظام الكوني يتجه عموماً نحو الانحلال والتفكك، لا نحو الترابط والتآلف، وأنَّ هذا الكون في اتساع مطرد، وأنَّ المجرَّات (المجموعات الشَّمسيَّة الكبرى) تتباعد بفعل القُوَّة الطاردة عن مركز تجمعها، وهذا يعني أنَّ انفجاراً عظيماً حدث بالفعل عند ولادة الكون، ما أدَّى إلى انبثاق الأجرام والكتل السَّماويَّة الهائلة وتباعدها بسرعة جنونية.

ولا بُدَّ أنَّ هذا الانفجار الهائل كان نتيجة قدرة قادر، صدر عن الإرادة الإلهية، فقال للشيء كن فكان… ولازال يكون، وصدق الله العظيم حيث قال:

{ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} (سورة البقرة 2/ الآية 117) .

{ وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ} (سورة الذاريات 51/ الآية 47) .

وجاء في الحديث عن النبي (ص) في حوار مع الدهرية، وهم القائلون بقدم المادة وأنّ الدهر ودوران الفلك هو الفاعل المؤثّر في هذا العالَم وليس الله:

«قالت الدهرية: نحن نقول: الأشياء لا بدءَ لها وهي دائمة، وقد جئناك (والكلام موجّه إلى رسول الله (ص)) لننظر في ما تقول، فإنّ اتّبعتَنا فنحن أسبق إلى الصواب منك، وأفضل، وإن خالفْتَنا خصمناك. (…).

يقول الحديث إنّ رسول الله (ص) سألهم: (… ما الذي دعاكم إلى القول بأنّ الأشياء لا بُدُوَّ لها وهي دائمة لم تزل ولا تزال؟ فقالوا: لأنّا لا نحكم إلاّ بما نشاهد، ولم نجد للأشياء حَدَثاً، فحكمنا بأنّها لم تزل، ولم نجد لها انقضاءً وفناءً فحكمنا بأنّها لا تزال.

فقال رسول الله (ص): أفوجدتم لها قِدَماً؟ أم وجدتم لها بقاءً أبد الآبد؟ فإن قلتم: إنّكم وجدتم ذلك أنهَضتُم لأنفسكم أنّكم لم تزالوا على هيئتكم وعقولكم بلا نهاية، ولا تزالون كذلك، ولئن قلتم هذا، دفعتُمُ العِيانَ وكذّبكم العالَمون الذين يُشاهدونكم.

قالوا: بل لم نشاهد لها قِدماً، ولا بقاءً أبد الآبد.

قال رسول الله (ص): فلِمَ صِرتم بأن تحكموا بالقِدَم والبقاء دائماً، لأنكم لم تشاهدوا حُدوثَها، وانقضاؤها أولى من تارك التمييز لها مِثلِكم، فيحكمُ لها بالحدوث والانقضاء والانقطاع، لأنّه لم يشاهِد لها قِدَماً، ولا بقاءً أبَدَ الآبِد.

أولستم تشاهدون الليل والنهار و(أن) أحدَهما بعدَ الآخَر؟

فقالوا: نعم.

فقال: أَتَرَوْنَهما لم يزالا ولا يزالان؟

فقالوا: نَعَم.

فقال: أفَيجوزُ عندكم اجتماعُ الليل والنهار؟

فقالوا: لا.

فقال (ص): فإذاً ينقَطِع أحدُهما عن الآخَر، فيسبِقُ أحدُهما، ويكون الثاني جارياً بعدَه.

قالوا: كذلك هُوَ.

فقال: قد حكمتُم بحدوث ما تقدَّم من ليلٍ ونهارٍ لم تشاهدوهما، لا تُنكِروا لله قدرَة.

ثم قال (ص): أتقولون ما قَبلَكُم من الليل والنهار متناهٍ أم غيرُ متناهٍ؟ فإن قُلتُم غيرُ متناهٍ، فكيف وصل إليكم آخرَ بلا نهاية لأوَّله؟ وإن قلتم: إنّه متناهٍ، فقد كان ولا شيء منهما.

قالوا: نعم.

قال لهم: أَقُلتُم: إن العالَم قديمٌ غيرُ مُحدَث، وأنتم عارفون بمعنى ما أقررتُم به، وبمعنى ما جحدتُموه؟

قالوا: نعم.

قال رسول الله (ص): فهذا الذي تشاهدونَه من الأشياء، بعضِها إلى بعضٍ يَفتَقِرُ، لأنّه لا قِوامَ للبعض إلاّ بما يتّصِل به. ألا ترى البناء محتاجاً بعضُ أجزائه إلى بعضٍ وإلاّ لم يتَّسِق، ولم يُستَحكَم، وكذلك سائر ما ترون.

وقال (ص): فإذا كان هذا المحتاجُ ـ بعضُه إلى بعضٍ لقُوَّتِه وتَمامِهِ ـ هو القديمَ فأخبروني أنْ لَوْ كان مُحدَثاً، كيف كان يكون؟ وماذا كان تكون صِفتُه؟

يقول الحديث: فبُهِتوا، وعلِموا أنّهم لا يجدون للمُحدَث صفةً يصفونَه بها إلاّ وهي موجودةٌ في هذا الذي زَعَموا أنّه قديم.. فوجموا، وقالوا: سننظر في أمرنا!»(7).

عادل:

حقاً إنَّ الكون كنظام وهندسة لا بُدَّ وأن يكون مخلوقاً حادثاً… وهذا ما اقتنعت به.

ولكن مادة الكون قديمة أزلية.

المادة أزلية الجوهر، مخلوقة الشكل والمظهر…

وكُلَّما تحللت الأشكال جميعاً وتفككت، وانتهت المجاميع الشَّمسيَّة؛ قام الله دورياً بعملية بناء جديد وخلق شمولي آخر لأشكال جديدة مختلفة.

أحمد:

بعد أن ثبتت أسبقية الله على المادة وأزليته، فإنَّنا نحتاج إلى دليل على أزلية جوهر المادة وعناصرها الأولى…

عادل:

يدلُّ على ذلك قانون انحفاظ الكتلة والطاقة الَّذي يؤكد أزلية المادة والطاقة مهما تحورت وتحولت وتفرقت وتنوعت.

وتؤكد خلاصة هذا القانون أنَّ المادة والطاقة لا تفنى ولا تستحدث، وأنَّ كلاًّ منهما يستطيع أن يغيِّر شكله، ولكن لا يمكن أن يتلاشى، ولا أن يخلق من جديد.

فالماء يغلي فيتحول إلى بخار ولا يفنى.

والثوب يحترق فيتحول إلى ذرَّات غازية تتطاير ولا تتلاشى.

وما الطاقة إلاَّ نوع من أنواع المادة.

أحمد:

الطاقة هي الجهد والقُوَّة الَّتي تنتج عن تدمير المادة، وليست هي المادة، حيث لا يمكن تحويل الطاقة إلى كتلة مادية بعد ذلك بنفس حجم الكتلة سوى إعادة حبيبات صغيرة، لعدم القدرة البشرية عملياً على التحويل الكلي، وبذلك يكون تحرير الطاقة من المادة تلاشياً لحقيقة المادة. وأبرز تحرير للطاقة من المادة حالة التفجير النووي الذري والهيدروجيني. وفيه تندكّ المادة لتتحول إلى طاقة. فلقد أثبت (أنشتاين) أنَّ كتلة مادية ضئيلة جداً إذا أتلفت على طريقة التفاعلات النووية، فإنَّها تنتج طاقة مخيفة وهائلة جداً تساوي كمية المادة المتلفة مضروبة بمربع سرعة الضوء (سرعة الضوء 300 ألف كيلومتر في الثانية تقريباً).

وهذه الطاقة ذاتها لا يمكن تحويلها كلها إلى مادة إلاَّ نظرياً.. أي إنَّها تنتج نظرياً كتلة مادية ضئيلة جداً تساوي كمية الطاقة مقسومة على مربع سرعة الضوء، أي تساوي نفس الكتلة المادية الَّتي أهدرت أولاً، فإنَّ رطلاً إنكليزياً واحداً من الفحم إذا فجر تفجيراً نووياً، فإنَّه سيعطي طاقة تعادل كميتها كمية الطاقة الكهربائية الَّتي تحتاجها أمريكا ـ مثلاً ـ لمدة شهر. وهذه الطاقة كلها إذا حولت بدورها نظرياً إلى مادة، فسوف تعطي رطلاً إنكليزياً واحداً فحسب، لكن هذا التحويل إلى مادة غير ممكن عملياً…

صحيح أنَّ (أنشتاين) اكتشف العلاقة الوثيقة بين الطاقة والمادة، وأنَّ المادة والطاقة ليستا سوى شكلين مختلفين لشيء واحد، وأنَّهما لا يستحدثان من لا شيء ولا يفنيان، وصاغ ذلك في معادلة رياضية عرفت بقانون بقاء أو حفظ الكتلة والطاقة.

ولكن المعروف أنَّ المادة إذا حولت إلى طاقة، فإنَّ الطاقة المهدورة لا يمكن تحويلها جميعاً إلى مادة مرَّة ثانية؛ وهذا يؤكد لنا أنَّ المادة إذا تلاشت وتحوَّلت إلى طاقة، فإنَّه يستحيل علينا استرجاعها بكاملها مرَّة ثانية.

وهكذا تتفتت المادة وتتلاشى عبر التحولات المستمرة إلى طاقات ضائعة مهدورة لا يمكن تحويلها إلى كتلة يتناسق منها الكون مرَّة ثانية، وبذلك نجمع بين القانون الثاني للديناميكا الحرارية القاضي بتبدد الطاقة وتلاشيها، وبين قانون حفظ الكتلة والطاقة الَّذي لا يعني أنَّ الطاقة ستتحول ذاتياً إلى مادة وإن بقيت محفوظة بشكل مبدد موزع في الفضاء اللامتناهي.

إنَّ الاستحالة العملية في تحويل الطاقة إلى تمام الكتلة المادية مع بذل الجهد البشري في ذلك، يؤكد لنا أنَّ الطاقة الكونيَّة جرَّاء فناء المادة وإن بقيت محفوظة بشكل موزّع في الفضاء، إلاَّ أنَّها لن تعود وحدها لتصبح مادة وكتلة، وبذلك يستحيل تشكّل الكون مرَّة ثانية بعد فنائه، كما يستحيل بقاء أصل المادة وكتلتها بناءً على القانون الثاني للديناميكا الحرارية القاضي بحتمية وصول حرارة الكون إلى درجة الصفر المطلق، حيث تتفتت المادة، وتتحرّر من كل طاقتها وحرارتها، بسبب أنَّ المادة لا تتمظهر إلاَّ بالذرَّات المادية الَّتي تدور في داخلها الإلكترونات حول نواتها (البروتون) ولا تتحرك الإلكترونات إلاَّ بواسطة الطاقة المختزنة داخل الذرَّة، فإذا تحرّرت تلك الطاقة؛ تلاشت الذرَّة وانعدمت المادة، أمَّا الطاقة وحدها، وهي الَّتي تحقق القُوَّة والقدرة على الفعل، فلعلَّها هي الغازات الكونية الأولى المعبّر عنها في القرآن بالدخان الَّذي كان منبثّاً في الفضاء عند خلق السَّماء، حيث يقول تعالى معبراً عن ذاته وقدرته العظمى جلَّ وعلا:

{ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ} (سورة فصلت 41/ الآية 11) .

وهذه الطاقة الأولى نشأت عن القُوَّة والقدرة الإلهية الَّتي تقول للشيء كن فيكون… ثمَّ حوَّلها تعالى إلى مادة، أو خَلَق معها المادة خلقاً دفعياً مرَّة واحدة في الوقت نفسه، وأعطاها القدرة الميكانيكية على التشكل والنظام والاستمرار، وإنتاج النبات والأحياء بأمره تعالى.

وعلى أيِّ حال، فإنَّ (أنشتاين) ذاته قرر نسبية الكتلة المادية وأنَّها غير ثابتة، بل تتأثر بمدى السرعة الزمنية وتتغير بتغيّرها.

فكتلة الجسم ـ الإلكترون مثلاً ـ تزداد بزيادة السرعة وتتضاءل بتضاؤلها.

وهذا يعني أنَّ هناك فائضاً بين الكتلتين يشكل الفارق بينهما في حالتي التسارع والتباطؤ ـ ولكن من أين يأتي هذا الفائض في حالة السرعة؟ وإلى أين يذهب في حالة التباطؤ؟ هل السبب هو الانكماش؟ وماذا لو وصل الكون إلى سرعة الصفر بسبب انعدام الحرارة كلياً بناءً على القانون الثاني للديناميكا الحرارية، ألا ينعدم وجود الكتلة والمادة نهائياً؟

وإذا انتهت الحرارة الديناميكية من الجسم، وأصبحت سرعته صفراً مطلقاً؛ فهل يبقى للمادة وجود؟

وهل يمكن ـ أخيراً ـ أن نعتبر المادة أزلية مطلقة بعد أن ثبتت لنا نسبيتها وصيرورتها؟

ويبدو من أحدث التجارب العلمية، أنَّ الجسم المحترق يعطي طاقة وأشعة، والأشعة ذاتها هي مادة متناثرة يسمى الجزيء الواحد منها (فوتونا). والفوتون يسير بسرعة 300.000 كلم في الثانية، وهي سرعة الضوء المنتقل بفوتوناته من مكان إلى مكان.

والفوتونات لها كتلة ووزن في حالة السرعة والحركة… ولكن كتلتها تصبح صفراً في حالة الراحة والسكون كما يؤكّد الاختصاصيون.

وهكذا تعطي المادة المحترقة إشعاعاً أو ضوءاً. والضوء هو عبارة عن فوتونات مادية تفنى بدورها وتتلاشى عندما تتوقف عن الحركة. كما أنَّ الجسم إذا سار بسرعة الضوء؛ فإنَّه يتفتت ويتلاشى كذلك، ويتحول إلى فوتونات ضوئية تخمد وتموت إذا توقفت حركة الضوء.

وهذا يعني أنَّ المادة لا تحمل صفات الأزلية من القدم والديمومة والسرمدية.

وأمَّا القانون الثاني للديناميكا الحرارية فهو لا يثبت حدوث الكون فقط؛ بل يثبت أيضاً حدوث المادة.

لأنَّ القانون الثاني يؤكد أنَّ هناك انتقالاً حرارياً مستمراً من الأجسام الحارة إلى الأجسام الباردة، من حرارة أعلى إلى أدنى، وأنَّ تلك الحرارة لا يمكن أن تنعكس مرَّة ثانية من الأجسام الباردة إلى الأجسام الحارة.

وهذا يعني أنَّ الحرارة والطاقة الحرارية في تبدد وضياع… وأنَّ الكون صائر إلى الصفر المطلق، وحينذاك سينضب معين الطاقة، وتنحل الجزيئات الَّتي تتحرك إلكتروناتها على أساس الطاقة الميسورة…

ولو كانت المادة أزلية لما تلاشت حرارتها تدريجياً وتباطأت سرعتها وجنحت نحو الاندثار والفناء.

ولو لم يكن للمادة بداية، بل كانت قديمة مغرقة في القدم؛ لوجب أن تكون الطاقة الديناميكية الحرارية قد استهلكت منذ زمن بعيد، أو أنَّها ستستهلك لا محالة إن عاجلاً أو آجلاً وهذا ما يؤكده العلم.

وحين نرى أنَّ الطاقة الحرارية ما زالت موجودة ولكنَّها تتلاشى تدريجياً، يتأكد لنا أنَّ الكون ليس قديماً، بل أنَّ له بداية، وأنَّه في طريقه إلى النهاية، وأنَّ المادة لا يمكن لها أن تمثل لنا الأزلي السرمدي، بل لا بُدَّ أن يكون الأزلي السرمدي شيئاً أعلى من المادة لا يخضع للقانون الثاني للديناميكا الحرارية، وذلك هو الله تعالى شأنه.

ويؤكد بعض العلماء أنَّ أصل الكون بمجرّاته وكواكبه ونجومه نشأ عن السديم (الغبار الكوني) أو غاز الأيدروجين. وأنَّ السديم أو غاز الأيدروجين يخلق تخليقاً بعد العدم، ويتواجد بطريقة غامضة، وبشكل فجائي من دون معرفة أي أساس له.

وما المادة سوى الذرَّات المتحولة عن السديم مجتمعة متراصّة. والذرَّات أكثرها في تحول وتغير وصيرورة من عنصر إلى آخر، وهي تذوى أخيراً وتضمحلّ.

وأخيراً يكفي للتدليل على حدوث المادة ـ إذا ثبت وجود الصانع جلّ وعلا ونبوَّة خاتم الأنبياء محمد ـ أن الله أخبرنا في كتابه العزيز أنه خالق كل شيء، وبذلك يثبت أن المادة ليست أزليّة، وبالتالي فهي ليست أبدية.. قال تعالى:

{ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى } (الروم 30/الآية 8) .

{ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} (القمر 54/الآية 49) .

{ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ} (الأنعام 6/الآية 102) .

اللَّه غير مادي

أحمد:

وهكذا نرى أنَّ التحول والتغيّر والصيرورة كلَّها صفات للمخلوق وهي تنطبق في الوقت ذاته على المادة.

والله تعالى ليس بمخلوق، فلا بُدَّ أن يكون وجوده غير مادي، سابقاً على المادة متميزاً عنها، وهذا يؤكد لنا أيضاً أنَّ الخالق يتعالى على المادة، وأن وجوده تعالى يخالف كل طبيعة الوجودات الَّتي نعرفها، وهو سابق على أي وجود.

جاء عن أمير المؤمنين علي (ع) في وصف الله تعالى:

«لا تدركه العيون بمشاهدة العيان، ولكن تدركه القلوب بحقائق الإيمان، قريبٌ من الأشياء غير مُلابسٍ، بعيدٌ منها غير مباين»(8).

وعنه (ع) في وصفه تعالى:

«خلو من خلقه وخلقه خلو منه، لا هو في خلقه ولا خلقه فيه.

مباين لجميع ما أحدث في الصفات، خارج عن تطور الحالات.

ذاته حقيقة وكنهه تفريق بينه وبين خلقه.

لا تضمّه الأماكن ولا تأخذه السنات، ولا تحدّه الصفات، ولا تقيّده الأدوات.

سبق الأوقات كونه، والعدمَ وجودُه، والابتداءَ أزلُه.

لا يغيبه مذ، لا تدنيه قد، ولا تحجبه لعلَّ، ولا يوقته متى، ولا يشمله حين، ولا يقارنه مع.

لا تجري عليه الحركة والسكون، وكيف يجري عليه ما هو أجراه؟! أو يعود فيه ما هو ابتداه؟ إذن لتفاوتتْ ذاته، ولتجزّأ كنهه، ولامتنع من الأزل معناه، ولما كان للباري معنى غير المبروء»(9).

عادل:

ولكن يصعب التصديق بوجودٍ غير ماديّ لله، وإن كان أسبق من المادة الخام.

أحمد:

بعد أن أثبتنا حدوث المادة وخلق الكون، فإنَّ كل بناء كوني على الإطلاق يحتاج إلى شيئين:

يحتاج أولاً إلى مواد أساسية. ووجود المواد هو العلَّة المادية للبناء.

ويحتاج ثانياً إلى معمار أو بنّاء أو صانع يخطط ويرسي قواعد البنيان ويقيم صروحه. ووجود الصانع هو العلَّة الفاعلة له.

وهاتان العلتان المادية والفاعلية ضروريتان لكل بناء يشاد. ويستحيل اندماج هاتين العلتين في شيء واحد، كأن تكون البناية نفس الباني والباني نفس البناية!

ولمَّا كانت المادة مخلوقة حادثة؛ كان لا بُدَّ لها من خالق خلقها وكوّنها لاستحالة أن تكون المادة خلقت ذاتها بذاتها، لأنَّ العدم لا يعطي وجوداً، وفاقد الشيء لا يعطيه.

ولا بُدَّ أن يكون الخالق غير مادي ما دامت المادة تحمل صفات القصور والحدوث والمخلوقية. وحين استحال أن يكون الخالق مادياً، لم يكن باستطاعتنا مشاهدته أو حصره أو تحديده تحديداً مادياً.

ولهذا فإنَّ صانع العالم وعلَّته الفاعلية ليس هو المادة، بل وجودٌ وراء المادة يهيمن عليها.

وجود اللَّه أو نفيه يحتاج إلى دليل

عادل:

المادة هي الوجود الوحيد الَّذي تأكدنا منه ولم نتأكد من غيره، ويكفي ذلك دليلاً على نفي أي وجود خارج المادة.

أحمد:

كل من إثبات وجود الله خارج المادة أو نفيه يحتاج إلى دليل:

فكما أنَّ المؤمن يحتاج إلى دليل ليؤكد فيه وجود الله، كذلك المنكر يحتاج إلى دليل لينفي وجوده تعالى ـ بعد كلِّ هذه البيّنات ـ والنفي القاطع كالإثبات القاطع يحتاج إلى دليل.

لذا لا يصح أن نرفض وجود الله المستقل دون دليل قاطع على عدم وجوده تعالى، وأين هو الدليل؟… إنَّ عدم الدليل لا يكون دليلاً على العدم.

طريقة التعرّف على الحقائق

عادل:

ولكن كيف يمكن إقامة الدليل على وجود غيبي؟ بل كيف نتأكد من الوجود الغيبي المنفصل عن المادة؟ إنَّ الطريقة الوحيدة الَّتي نتعرف بواسطتها على الأُمور والأحداث والوقائع والأشياء إنَّما هي طريقة التجربة والملاحظة، طريقة الحس وحده، وكل ما لا يخضع لذلك فهو مشكوك الوجود، بل غير موجود. لذا يمكنني نفي أي وجود لله خارج حدود المادة ما دام غير محسوس أو ملاحظ.

أحمد:

إذا كانت الحقائق والقوانين العلمية لا تثبت إلاَّ بالإحساس المباشر بها، فقد أبطلتَ أكثرها، لأنَّ أكثرها لا يحسّ مباشرة؛ بل توجد مجموعة ظواهر نستكشف من خلالها وجود قانون غيبي يفسّرها. فنحن لم نشاهد قانون الجاذبية ولم نلمسه.. كل ما في الأمر أنَّنا شاهدنا ظواهره فافترضنا وجوده وسلَّمنا به.

ومن هنا يقول (ماندير) عن الجاذبية:

«إنَّنا نرى أنَّ الطير عندما يموت يقع على الأرض، ونعرف أنَّ رفع الحجر على الظهر أصعب ويتطلب جهداً. ونلاحظ أنَّ القمر يدور في الفلك، ونعلم أنَّ الصعود في الجبل أشقّ من النزول منه. ونلاحظ حقائق كثيرة كل يوم لا علاقة لإحداها بأخرى ظاهراً، ثمَّ نتعرف على حقيقة استنباطية هي (قانون الجاذبية)، وهنا ترتبط جميع هذه الحقائق، فنعرف للمرة الأولى أنَّها كُلَّها مرتبطة إحداها بالأخرى، ارتباطاً كاملاً داخل النظام. وكذلك الحال لو طالعنا الوقائع المحسوسة مجرّدة، فلن نجد بينها أي ترتيب، فهي متفرقة وغير مترابطة، ولكن حين نربط الوقائع المحسوسة بالحقائق الاستنباطية؛ فستخرج صورة منظمة للحقائق».

ويقول (نيوتن):

«إنَّه لأمر غير مفهوم أن نجد مادة لا حياة فيها ولا إحساس وهي تؤثر على مادة أخرى، مع أنَّه لا توجد أية علاقة بينهما».

هكذا يتأكد لنا أنَّ الحس لا يدُلُّنا بذاته على الحقائق كاملة ما لم يستند إلى منطق العقل الكاشف عن الحقائق الكامنة وراء الظواهر.

وهذه هي الطريقة الَّتي نستدلّ بها على وجود الله المستقلّ كحقيقة قاطعة، حين نشاهد ظواهر الكون العقلانية، فلا نجد تفسيراً لها إلاَّ على أساس وجود الله بعد أن تأكد لنا عجز المادة عن تطوير وتنويع وتنسيق نفسها بنفسها.

ومن هنا اعتبر (أرسطو) أنَّ وجود الله ليس مسألة غيبية يختلف الأمر فيها بين الإثبات والنفي فقال:

«ولكنَّها حقيقة عقلية كالحقائق الهندسية، يتمّ بها تصور الحركات والأشكال في الأفلاك والسَّماوات».

أكثر المعارف غيب في غيب

عادل:

ولكن معارف العلم محسوسة بشكل مباشر، لأنَّها نتيجة التجربة والملاحظة، وليست غيباً في غيب.

أحمد:

وكذلك وجود الله محسوس بتجلياته في هذا الكون، علماً أن العديد من معارف العلم أيضاً غيب في غيب، وإن جاءت نتيجة التجربة. وإليك طائفة من القضايا الَّتي تتعلق بمنهج العلم، وبالمكتشفات العلمية والآراء المادية، وهي جميعاً ليست سوى غيب في غيب.

مناهج العلوم وقعت في الغيبيات

أحمد:

فهذه مناهج العلوم وقعت في الغيبيات.

مثلاً: إنَّ القوانين الطبيعية تعني ثبات النظام واطّراده عبر ظواهره الخاصة، بمعنى أنَّه إذا توفرت شروط معينة في ظروف معينة عبر أسباب معينة؛ أدَّت إلى نتيجة معينة دائماً.

فهذا المبدأ الحتمي الدائم لا يعدو كونه ضرباً من الاعتقاد الغيبي، لأنَّه يعني أنَّ هناك قانوناً يصدق على أكثر من الأشياء الَّتي جربت.

ولكن العلماء يكتفون للتأكد من هذه الحتمية الغيبية بمعادلة تقول:

إذا لم يكن هناك دليل تجريبي على صدق مبدأ الحتمية، فليس هناك دليل على عكسه، ليس هناك دليل على اللاحتمية.

ونحن ـ الإلهيين ـ نقول: إنَّ وجود الله أيضاً كذلك.

فإذا لم يكن هناك دليل حسّي على وجوده تعالى ـ مع أنَّ كل الوجود أدلة حسّية تشهد بوجوده ـ فليس هناك دليل حسّي، بل حَتَّى غير حسّي على عدم وجوده.

العلوم وقعت في الغيبيات

أحمد:

والعلوم وقعت هي الأخرى في الغيبيات.

فالعلم لا يعرف كنه الأشياء… إنَّه لا يعرف إلاَّ العلاقات والقوانين والكميات المترابطة…

إنَّه يجهل ماهية الكهرباء والطاقة والجاذبية والأمواج اللاسلكية… أو الإلكترون والنيوترون والبوزيترون، بل لا يحسّ إلاَّ نتائجها وآثارها فقط.

والعلم لم يشاهد عاطفة الإنسان أو روحه أو شعوره أو تفكيره أو ماهية الحياة، بل شاهد آثارها وانعكاساتها المادية فحسب.

وكذلك الله، فنحن لم نشاهده ولم نحسه، ولكن شاهدنا آثاره وأحسسنا بها.

العلماء وقعوا في الغيبيات

أحمد:

وحَتَّى العلماء وقعوا في الغيبيات.

فليس بوسع الواحد منهم أن يجرّب جميع العلوم، بل لا بُدَّ أن يستند إلى تجارب العلماء المعاصرين ويأخذ بأقوالهم أخذ المسلَّمات دون أن يجرّب أو يشاهد بنفسه تجاربهم، وهذه التجارب بالنسبة له أيضاً غيب في غيب.

إنَّ العالم الواحد قد لا يساهم إلاَّ بقدر ضئيل جداً من هذه التجارب في حدود إجرائها بنفسه، وما زاد على ذلك فهو بالنسبة له ليس سوى غيب في غيب.

الماديون وقعوا في الغيبيات

أحمد:

والماديون أيضاً وقعوا في الغيبيات:

مثلاً إنَّ التطور والتنوّع والارتقاء موجود في شتَّى جوانب الطبيعة، ولكن ما سببه؟

يقول الماديون أنَّه ليس ناتجاً عن قُوَّة وذاتٍ عاقلة واعية وراء المادة.

بينما نجد أنَّ القضية المتفق عليها هي التطور والتنوع والتناسق، وهذا هو الأمر المحسوس المشهود فقط، وهي القضية المسلّمة، أمَّا سبب ذلك فهو أمر غيبي.

ومن هنا وقعت المادية أيضاً في التفسير الغيبي حين خرجت عن نطاق المادة وظواهرها، وأخذت تفسّر سبب وجودها، وتعزوه لغير الله.

فليس الوقوع في الغيبيات مختصاً بالمؤمنين وحدهم، بل يشمل حَتَّى الماديين أنفسهم.

فإذا أصرّت المادية على أنَّها لا نهائية، وأنَّها هي التفسير المطلق لكُلِّ شيء، فقد تحولت تلقائياً إلى دين غيبي، كأي دين غيبي آخر.

فلماذا تنعى على المؤمنين بالله غيبيتهم، واعتمادهم الغيب إذا قادهم إلى ذلك المنطق والتجارب والقناعات الفكرية المحض؟!

لا يحق للعلم أن ينفي وجود ما لا يرى

أحمد:

يجوز للعلم أن يقول أنَّه لم يرَ الله، ولكن لا يحقُّ له أن ينفي وجوده.

ولو صحَّ نفي وجود الله بمجرد عدم رؤيته؛ لوجب أن ينفض العلم يديه من أيِّ معلومات جديدة لم تصل إليها وسائله بعد، لمجرّد أنَّه لم يرها ولم يستكشفها.

جاء عن الإمام الصَّادق (ع) أنَّه قال لأحد المنكرين، وقد دخل معه في حوار:

«قال (ع): أتعلم أنَّ للأرض تحتاً وفوقاً؟

قال: نعم.

قال (ع): فدخلت تحتها؟

قال: لا.

قال (ع): فما يدريك ما تحتها؟

قال: لا أدري، إلاَّ أني أظن أنْ ليس تحتها شيء.

قال (ع): فالظن عجز، لِمَ لا تستيقن؟

ثمَّ قال (ع): أفصعدت السَّماء؟

قال: لا.

قال (ع): أفتدري ما فيها؟

قال: لا.

قال (ع): عجباً لك، لم تبلغ المشرق ولم تبلغ المغرب ولم تنزل الأرض ولم تصعد السَّماء ولم تجز هناك فتعرف ما خلفهنَّ وأنت جاحد بما فيهنَّ، وهل يجحد العاقل ما لا يعرف؟

قال المنكر: ما كلمني بهذا أحد غيرك…الخ»(10).

ويقول العالم الطبيعي الفسيولوجي (أندرو كونواي إيفي):

«إنَّ أحداً لا يستطيع أن يثبت صحة الفكرة الَّتي تقول: إنَّ الله غير موجود.

وقد ينكر منكر وجود الله، ولكنَّه لا يستطيع أن يؤيد إنكاره بدليل.

وأحياناً يشك الإنسان في وجود شيء من الأشياء، ولا بُدَّ في هذه الحالة أن يستند شكُّه إلى أساس فكري.

ولكنَّني لم أقرأ ولم أسمع في حياتي دليلاً عقلياً واحداً على عدم وجوده تعالى. وقد قرأت وسمعت في الوقت ذاته أدلة كثيرة على وجوده. كما لمست بنفسي بعض ما يتركه الإيمان من حلاوة في نفوس المؤمنين، وما يخلفه الإلحاد من مرارة في نفوس الملحدين. والبرهان الَّذي يتطلبه الملحدون لإثبات وجود الله هو نفس البرهان الَّذي يطلب كما لو كان الله تعالى شبيهاً بالإنسان أو شيئاً مادياً أو حَتَّى تمثالاً من التماثيل أو صنماً من الأصنام!!».

وسيلة المعرفة الحقة

أحمد:

وهكذا، فإنَّ وسيلة المعرفة الحقة تختلف باختلاف الأشياء، والمواضيع ونوعيتها.

وللتعرف على شيء من الأشياء لا بُدَّ من استعمال وسيلته الخاصَّة به، ومن خالف هذه القاعدة كان كمن يحاول أن يرى بأذنه، أو يسمع بعينه، أو يذوق بأنفه.

وأهم وسائل المعرفة هي:

1 ـ الحس: وعليه ترتكز التجربة والملاحظة والاختبار العملي.

2 ـ العقل والمنطق: ومهمته إدراك الحقائق الكامنة وراء المشاهدات والمحسوسات.

3 ـ الوجدان أو الوعي النفسي: وهو شعور بالحقائق وتحسسها وجدانياً في أعماق الضمير دون منطق أو برهان.

4 ـ الوحي الإلهي القاطع: وبه تعرف الحقائق السلوكية كيف يجب أن تكون، كما به تعرف الحقائق الغيبية حين لا يكون لها سند من الحس والمشاهدة.

وقضية وجود الله تتضافر عندها هذه الوسائل مجتمعة لتوضحها وتؤكدها.

وعلى الرغم من أنَّنا لا نستطيع أن نرى الله، لأنَّ الحواس ليست هي الوسيلة المناسبة للتعرف عليه، إلاَّ أنَّ الحواس تموّننا بالتجارب الخام والانطباعات والمشاهدات الكونية المختلفة لآثار وجوده تعالى، وهذه تذهب إلى العقل ليمحّصها، ويبحث عن السبب العقلاني وراءها، ليؤكد أخيراً وجوده تعالى.

إنَّ الوسيلة المباشرة لمعرفة الله هي العقل بما يجتمع لديه من تجارب الحس، ثمَّ يليه الوجدان أو الوعي النفسي، ثمَّ يأتي الوحي الإلهي القاطع برهاناً معبراً عن وجوده تعالى بالكلام الإلهي ليزيل كل لبس.

من هنا يبدو واضحاً أنَّ الحس والتجارب الحسية وحدها ليست هي الوسيلة المناسبة للتعرف على الله ما لم تشفع بالعقل، وأنَّ التجربة لا يصح أن تعتبر دليلاً على نفي حقيقة خارج حدودها.

وإذا كان كل ما اكتشف أو وقع تحت التجربة أو الملاحظة يعتبر حقاً هو الموجود، وما لم يقع تحت التجربة أو الملاحظة غير موجود، فكم جهل العلماء كثيراً من الحقائق قبل اكتشاف الآلات المناسبة لمعرفتها؛ أيدلُّ ذلك على أنَّ تلك الحقائق لم تكن موجودة من ذي قبل، لأنَّ وسائلها المناسبة لم تكن مخترعة بعد؟!

وكما أنَّ العلوم لا تستطيع أن تجري اختباراً معملياً على وجود الله، أو أن تخضع ذاته للمختبر، جلّ الله وعلا، فكذلك هي لا تستطيع أن تنفي وجوداً وراء المادة، خارجاً عن مجال اختصاصها.

الدليل ووجود اللَّه

عادل:

أقتنع معك بأنَّ الدليل على وجود الله يكمن في الإحساس بآثاره وبدائع صنعه، ثمَّ استنتاج العقل مؤيداً بالوجدان والضمير ومؤكداً بالوحي.

أحمد:

حقاً… ولكن بعض المؤمنين الخلَّص يعتبرون الله هو الدليل والشهيد على كل شيء، لأنَّه هو الَّذي يعطي الأشياء مغزاها ومعناها وبه تقوم الحياة… وعليه يعتمد الكون، وهو لا يعتمد عليه…

فهو الثبات الَّذي به يعرف المتغير.

والنُّور الَّذي به تظهر الموجودات.

والحقيقة المطلقة الَّتي إليها تنسب سائر الحقائق، وبها تعرف.

ذلك هو الله الحيُّ القيُّوم الَّذي له ملك السَّماوات والأرض وهو على كلِّ شيءٍ شهيد.

وقد ورد في الدُّعاء عن الإمام الحسين (ع):

«إلهي كيف يستدل عليك بما هو في وجوده مفتقر إليك؟

أيكون لغيرك من الظهور ما ليس لك، حَتَّى يكون هو المظهر لك؟!

متى غبت حَتَّى تحتاج إلى دليل يدلُّ عليك؟

ومتى بعدت حَتَّى تكون الآثار هي الَّتي توصل إليك؟!

عميت عين لاتراك عليها رقيباً!!»(11).

ويقول بعض المفكرين:

«إنَّ الله في غنىً عن أن يبرهن عليه، لأنَّا نحسُّ به، ونستمدُّ منه الحياة. وما الحياة إلاَّ اعتقاد في الله، وما معرفته إلاَّ شعور بكُلِّ ما تقتضيه الحياة»!!

ومع أنَّ الله هو الدليل على كل شيء، وهو نور السَّماوات والأرض، وهو على كل شيء شهيد، فإنَّه تعالى لم يترك وجوده بدون دليل، وصَدَقَ قول الفيلسوف الإنكليزي (جون لوك):

«صحيح أنَّ الله لم يخلق الإيمان فينا خلقاً، ولم يطبع في عقولنا حروفاً نستطيع أن نقرأ وجوده بها… ولكن لم يجعل وجوده بلا دليل يشهد له:

فلقد أودع فينا ملكات وقوى تدلُّ عليه دلالة كافية وافية، ونحن لا نحتاج إلى برهان يدلُّ على وجوده أوضح من ذلك».

ونقول زيادة على ذلك: إنَّ الوحي جاء إقامة للحجَّة البالغة، وقطعاً لدابر كل شك، وقد أكَّد وجود الله تعالى وأيّده…

وللنَّاس على الله أن يعرّفهم ويقيم لهم الحجَّة، وله عليهم بعد ذلك الإطاعة والتسليم.

فعن الإمام جعفر الصَّادق (ع):

«ليس لله على خلقه أن يعْرِفوا، وللخلق على الله أن يُعرِّفهم، ولله على الخلق إذا عرَّفهم أن يقبلوا»(12).

لماذا شك الناس بوجود اللَّه الجلي؟

عادل:

إذا كان لله ذلك الوجود المستقل، وهو واضح الظهور ساطع الإشراق، وكل شيء يدلُّ عليه، وهو على كُلِّ شيء شهيد؛ فلماذا شكَّ فيه النَّاس وخفي علينا؟

أحمد:

لقد بهرهم نوره كما بهرت الشَّمس أعين النظَّار في رابعة النَّهار، وحين تكون الحقيقة كبيرة جداً؛ يصعب على بعض العقول أن تستوعبها مباشرة.

ولكنَّنا رأيناه بالبصيرة لا بالبصر، وبالعقل والوجدان لا بالحواس.

أمَّا شكّ البعض غير المنهجي فهو لا ينتهي إلى شيء، فلقد شك هؤلاء في وجود الكون والموجودات، بل شكّوا حَتَّى في وجودهم، دون أن يكون الشك منهجاً للوصول إلى الحقيقة. وذلك نشاز في الفكر، وشذوذ عن الطبيعة والفطرة.

وما إنكار الله إلاَّ كإنكار الوجود.

وإنَّ العقول الفطرية السليمة لتؤمن تواً بوجود الله، ولتحس به إحساساً نفسياً وكونياً عميقاً دون حاجة إلى دليل.

ولكن بعض العقول حادت عن فطرتها وطبيعتها السليمة، واتبعت الشُّبهات والمغالطات، فكبّلتها المشكلات، وحجبتها عن رؤية البديهيات، فظهرت عندها مسألة وجود الله عويصة معقدة، واحتجب عنها الحق احتجاب الشَّمس وراء الضباب والغيوم.

أسباب الإنكار

عادل:

ولماذا يلحد كثير من علماء الطبيعة والفلاسفة ورجالات الفكر في العالم؟

أحمد:

يمكن إرجاع تكاثر الإلحاد والإنكار، إلى أمور لا يمتّ أكثرها إلى طبيعة وجود الله بقدر ما يمتُّ إلى قلَّة المعرفة، أو إلى إساءة فهم علاقة الإنسان بالله… وهذه هي أهم أسباب شيوع الإنكار والإلحاد:

1 ـ يتعارض الإيمان بالله أحياناً مع السياسة الَّتي تتبعها الدولة، ما يضطرّها إلى محاربته بالحديد والنَّار، ووأد كل محاولة تنشط في سبيل ذلك، ليتسنى لها استعباد الشعوب، وسحق حركات التحرر العالمية، ومحو شعور الضمير والتقوى تكريساً للسيطرة.

2 ـ تتعقد مشكلة الشرور والآلام والنكسات الطبيعية عند أناس ولا يستوعبون حكمتها الإلهية الدقيقة، ما يجعلهم يرفضون وجود الله استناداً إلى وجود النقص والشرور والمحن في العالم. وقد يكفر بعض الأشخاص بالله بسبب الضعف والانهيار النفسي الناتج عن الجهل والفقر والحزن والألم.

3 ـ تفرض بعض المعتقدات المحرّفة صورة خرافية وغير عقلانية للإله، ما يضطر المثقف إلى رفض فكرة الله من الأساس.

4 ـ يتصرف بعض المحسوبين على الدِّين تصرّفاً مشوّهاً، ويسند ذلك إلى شريعة الله؛ ما يدعو إلى رفضها دون تمييز بين المبادىء والأشخاص.

5 ـ تبدو بعض التعاليم المسندة إلى الدِّين غير منطقية، إمَّا لأنَّها مزوّرة لا تمتّ إلى الدِّين بصلة، أو لأنّها مجرّد اجتهاد بشري، وإمَّا لأنَّها تستبطن مصلحة مهمة خفيت علينا، وذلك ما يدفع بالمتعجّلين إلى رفضها ورفض الإيمان جملة وتفصيلاً لقصور معرفتهم.

6 ـ يجنح بعض النَّاس إلى إنكار الله فراراً من التكاليف الدِّينيَّة الَّتي تفرضها طبيعة الإيمان والانضباط السلوكي الَّذي يأمر به الشرع.

7 ـ تتخذ بعض الطبقات الجائرة من الدِّين والإيمان بالله ستاراً تخفي وراءه مطامعها، وتكرّس بواسطته امتيازاتها غير المشروعة، وتستعمل مفهوم الله والتقوى بشكل مشوّه بعيد عن واقع الدِّين، وذلك بقصد التأثير على نفسية الجماهير، لتشلّ حركتها الثورية ضد الظلم والاستغلال والطبقية الجائرة، ما يضطر بعض المثقفين إلى رفض قضية الإيمان بالله من الأساس. في حين تحارب طبقات أخرى نفس قضية الإيمان حين تفلح هذه القضية في استثارة الجماهير والطبقات الكادحة للمطالبة بحقوقها العادلة وتعليمها النهوض والتحرر من العبودية والجور والاستغلال.

وهكذا نرى كيف تتضارب مصالح المؤسسات والجماعات والأفراد في مدى ونوعية قبول الإيمان، وفهم علاقة الإنسان بالله، وتتضافر تصرّفاتها في تشويه تعاليمه، ليرفضه نهائياً من لا يكلف نفسه عناء التنقيب والتمييز.

ومن هنا يتّضح أنَّ المصالح الخاصَّة، والفهم الناقص، والظروف النفعية الانتهازية، هي الَّتي تخلق عملية الإنكار والكفر، وتبرر ذلك بطرق ملتوية بحجة فقدان الدليل على وجود الله.

خفاء اللَّه وظهوره

عادل:

ولكن يا أحمد، ألا ترى أنَّ لوجود الله خفاءً ما وغموضاً يحسّه كل إنسان؟

أحمد:

لمّا كان الله أزلياً سرمدياً لا يحدُّه الزَّمان والمكان، وليس بمتحرك ولا متغير؛ استحال علينا الإحاطة بذاته، وإدراك كنهه، وإن لم تستحل علينا معرفة أنَّه موجود. وليس ذلك لقصور في الذات، بل لقصور فينا وفي قدراتنا وأدوات معرفتنا.

فالشَّمس كوكب مخلوق متواضع، وقد يعجز الإنسان عن التحديق فيها ساعة توهجها، فكيف بمشاهدة الله والإحاطة به؟! وذات الله أشمل وأوسع من أن تحيط بها أدواتنا المحدودة الضيقة. واللامحدود يستحيل أن يحيط به المحدود.

والبشر لم يحيطوا علماً بكل جزئيات الكون ودقائقه، فكيف يستطيعون الإحاطة بخالق الكون الأعظم؟!

أجل، إنَّ وجوده تعالى يدرك بآثاره ونتائج صنعه.

جاء عن الإمام الباقر (ع):

«إيَّاكم والتفكّر في الله، ولكن إذا أردتم أن تنظروا إلى عظمته؛ فانظروا إلى عظيم خلقه»(13).

وجاء عن الإمام الصَّادق (ع):

«يا ابنَ آدم، لو أكل قلبك طائر لم يشبعه، وبصرك لو وضع عليه خرق إبرة لغطّاه، تريد أن تعرف بهما ملكوت السَّماوات والأرض… إن كنت صادقاً فهذه الشَّمس خلق من خلق الله، فإن قدرت أن تملأ عينيك منها؛ فهو كما تقول»!(14)

لماذا لا يتجلّى اللَّه لنا؟

عادل:

ولكن لم كل هذه الأدلة والمناقشات؟ ولماذا يحوجنا الله إلى كل ذلك؟

لماذا لا يتجلَّى لنا، فيقطع النزاع؟

ولِم لَم يُسفر عن ذاته، فيشاهده النَّاس حقّ المشاهدة، ولا يطمع أحد بعد ذلك في الخروج عليه؟

أحمد:

قلنا إنَّ الإنسان محدود، والمحدود يعجز عن الإحاطة باللامحدود.

ولكن ألا ترى أنَّ كل ما في الكون من جمال وروعة، آيات سافرة ومظهر باهر لعظمة الله؟

ما قيمة ذلك الإله الَّذي تريد تحديده وتأطيره ضمن حدود الزَّمان والمكان حَتَّى تراه؟ وما أحسن ما قاله العقَّاد في هذا الصدد:

«إذا طلبنا أن تتجلَّى الحقيقة الإلهية لكل مخلوق، وأن تتساوى العقول جميعاً في استكناه جميع الحقائق بغير خفاء؛ عدنا إلى المخلوقات المتشابهة في الكمال بغير اختلاف قط، وبغير حدود في المعرفة والخليقة، وليس تخيلنا لذلك العالم المطلوب بأيسر من تخيلنا للعالم المشهود كما عهدناه.

فإنَّ العالم الَّذي يوجد فيه الإيمان وجوداً آلياً أقل حكمة من العالم الَّذي يجاهد فيه الضمير جهاده للوصول إلى الإيمان».

و«آيات الله مكشوفة لمن يريدها ويستقيم إلى مغزاها، ولكنَّها هي وحدها لا تقنع من لا يريد ولا يستقيم: { وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ * لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ }(الحجر 15\14-15) . فحَتَّى العيان لا يكفي لإقناع من صرف عقله عن سبيل الإقناع، لأنَّه يتّهم بصره وسمعه في ما رأى بعينيه وسمع بأذنيه، وكل شيء في الأرض والسَّماء كافٍ لمن جرَّد عقله من أسباب الإنكار والإصرار».

وعن الإمام الصَّادق (ع) حين سأله (ابن أبي العوجاء) عن الله:

قال ابن أبي العوجاء: ما منعه إن كان الأمر كما تقول، أن يظهر لخلقه، ويدعوهم إلى عبادته، حَتَّى لا يختلف منهم إثنان؟

ولِمَ احتجب عنهم وأرسل إليهم الرسل؟

ولو باشرهم بنفسه كان أقرب إلى الإيمان به؟

قال الإمام (ع): «ويلك!! وكيف احتجب عنك من أراك قدرته في نفسك؟.. نشوءك ولم تكن، وكبرك بعد صغرك، وقوَّتك بعد ضعفك، وضعفك بعد قوَّتك، وسقمك بعد صحتك، وصحتك بعد سقمك، ورضاك بعد غضبك، وغضبك بعد رضاك، وحزنك بعد فرحك، وفرحك بعد حزنك، وحبك بعد بغضك، وبغضك بعد حبك، وعزمك بعد إبائك، وإباءك بعد عزمك»(15).

ويقول الشيخ (محمد جواد مغنية):

«الإيمان حق وصدق، لأنَّه يقوم على أساس من شهادة الحسّ، وبديهة العقل، فالعين ترى الكون وما فيه من نظام وقوانين ومن تغير وتطور، ثمَّ تعرض ما رأت على العقل، وهو ينظر ويفكر في أنَّ هذا الكون المتغير بل والمستمر التغير، والَّذي لا يحسّ ولا يشعر، يستحيل أن يكون علَّة لذاته ولنظامه وتغيره ولسيره في اتجاه معين، بل لا بُدَّ له من علَّة ثابتة أولية قد تفرّدت بالعلم والقدرة والإرادة، وهي الَّتي تحدّد اتجاهه، وتنسّق حركاته، وتنظّم قوانينه، وتدفع به إلى الغاية المقصودة من وجوده».

وعن علي أمير المؤمنين (ع) حين سأله سائل:

هل رأيت ربك يا أمير المؤمنين؟

قال (ع):«أفأعبد ما لا أرى؟»

قال السائل: وكيف تراه؟

قال (ع): «لا تدركه العيون بمشاهدة العيان، ولكن تدركه القلوب بحقائق الإيمان»(16).

وعن الإمام أبي جعفر الباقر (ع) حين دخل عليه رجل من الخوارج وسأله:

ـ يا أبا جعفر أي شيء تعبد؟

قال : «الله».

قال الرجل: رأيته؟

قال (ع): «بلى. لم تره العيون بمشاهدة الأبصار، ولكن رأته القلوب بحقائق الإيمان، لا يعرف بالقياس، ولا يدرك بالحواس، موصوف بالآيات، معروف بالدلالات، لا يجور في حكمه، ذلك الله لاَ إله إلاَّ هو»(17).

فخرج الرجل وهو يقول: الله أعلم حيث يجعل رسالته.

الوجود اللامحسوس هل يثير الانتباه؟

عادل:

إذا كان لله وجود مستقل، فلا بُدَّ أن يكون محسوساً، والوجود المحسوس يشكّل مصدر إثارة للعقل والوجدان، فما لم تقعد القلوب منه على كيفية، ولم ترجع إلى إثبات هيئة؛ لم تعقل شيئاً، فلم تثبت صانعاً.

يقول (والتر ليبمان):

«من المستحيل أن يهتم المرء بشيء لا يمكن مقابلته مقابلة حسيَّة… سواء أكان ذلك الشيء ينتمي إلى عالم الحقائق أم إلى عالم الخيال… وكُلَّما كان الأمر أكثر في ماديته؛ زاد مقدار ما يمكن أن يثيره من اهتمام».

أحمد:

الوجود المحسوس يعطي إثارة مؤقتة سرعان ما تزول، أمَّا الوجود اللامادي فقد يثير النُّفُوس باستمرار، ويجعلها تهفو وتتشوق إليه، خصوصاً إذا كان في جوهره أرقى وأسمى من المادة… بل إنَّ ذلك الوجود أوقع في النَّفس وأهيب وأكثر جلالة وقدسية…

أمَّا الشيء المحسوس فيصبح عادياً عبر الوقت، ولا يثير الانتباه، يقول بعض العلماء:

«إنَّ الإنسان لا يشعر بالأحوال إذا اتصلت، فاللذَّة تزول إذا استمرت، والأمل ينقص إذا اتصل، وطقطقة الساعة مهما تعلو لا تكاد تسمع بعد أن يأنس بها السمع، والطحَّان لا يفيق من جعجعة رحاه، بل من انقطاعها! والنعمة لا تعرف إلاَّ بعد فقدها، وهكذا عرفت الشَّمس بعد غيابها، ولو دام شروقها لخفيت على كثيرين».

وفي رواية يقول السائل للإمام الرِّضا (ع) في عدم الإحساس بالله عزَّ وجلَّ:

السائل: فإذاً إنّه لا شيء إذا لم يدرك بحاسّة من الحواس!

الإمام (ع): «ويلك لمَّا عجزت حواسك عن إدراكه أنكرت ربوبيته. ونحن إذا عجزت حواسّنا عن إدراكه أيقنّا أنَّه ربّنا، وأنَّه شيء بخلاف الأشياء!».

السائل: فأخبرني متى كان؟

الإمام (ع): «أخبرني متى لم يكن، فأخبرك متى كان…»(18).

ذات اللَّه ليست مادة

عادل:

إذا كان الله ذاتاً، فلا بُدَّ أن يكون مادة، وإلاَّ فأيُّ شيءٍ هو إن لم يكن مادة؟

أحمد:

الوجود الأكمل لا بُدَّ وأن يكون ذاتاً، ولا يصحُّ أن يكون عقلاً أو فكراً محضاً دون ذات. وذاته تعالى ليست مادة… إنَّها أعلى وأسمى وأدق وأعجب من المادة بشتَّى أنواعها… إنَّه شيء لا كالأشياء كما يقول الحديث المروي، بل له المثل الأعلى في السَّماوات والأرض، ولا شبيه له سبحانه وتعالى.

ونعترف أنَّنا لا نستطيع إدراك كنه تلك الذات والإحاطة بها، ولا نعرف إلاَّ أنَّها موجودة في وجود لم نعهد له مثيلاً لا في الحسّ ولا في الشعور، فهو ليس مادة كثيفة ولا لطيفة، وليس كمثله شيء، ولم يكن له كفؤاً أحد، عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال.

من هنا لا يصحّ تحكيم منطق البشرية المحدود في عالم الألوهية المطلق { يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ} (سورة الرعد 13/الآية 13) .

بل إنَّ اللغة لتعجز عن توصيفه توصيفاً دقيقاً كاملاً عن علي أمير المؤمنين (ع) من خطبة له متحدثاً فيها عن الله:

«ليست له صفة تنال، ولا حدّ يضرب له فيه الأمثال.. كَلَّ دون صفاته تحبير اللغات، وضلَّ هنالك تعاريف الصفات، وحار في ملكوته عميقات مذاهب التفكير، وانقطع دون الرسوخ في علمه جوامع التفسير، وحال دون غيبه المكنون حجب من الغيوب، وتاهت في أدنى أدانيها طامحات العقول في لطيفات الأُمور!..»(19).

وجاء عن الإمام (ع) كذلك في نهج البلاغة في جلائل الخطب:

«الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لاَ يَبْلُغُ مِدْحَتَهُ الْقَائِلُونَ، وَلاَ يُحْصِي نَعْمَاءَهُ الْعَادُّونَ، وَلاَ يُؤَدِّي حَقَّهُ الْمُجْتَهِدُونَ. الَّذِي لاَ يُدْرِكُهُ بُعْدُ الْهِمَمِ وَلاَ يَنَالُهُ غَوْصُ الْفِطَنِ. الَّذِي لَيْسَ لِصِفَتِهِ حَدٌّ مَحْدُودٌ وَلاَ نَعْتٌ مَوْجُودٌ، وَلاَ وَقْتٌ مَعْدُودٌ، وَلاَ أَجَلٌ مَمْدُودٌ. فَطَرَ الْخَلاَئِقَ بِقُدْرَتِهِ، وَنَشَرَ الرِّيَاحَ بِرَحْمَتِهِ، وَوَتَّدَ بِالصُّخُورِ مَيَدَانَ أَرْضِهِ.

أَوَّلُ الدِّينِ مَعْرِفَتُهُ وَكَمَالُ مَعْرِفَتِهِ التَّصْدِيقُ بِهِ، وَكَمَالُ التَّصْدِيقِ بِهِ تَوْحِيدُهُ، وَكَمَالُ تَوْحِيدِهِ الإِْخْلاَصُ لَهُ، وَكَمَالُ الإِْخْلاَصِ لَهُ نَفْيُ الصِّفَاتِ عَنْهُ، لِشَهَادَةِ كُلِّ صِفَةٍ أَنَّهَا غَيْرُ الْمَوْصُوفِ، وَشَهَادَةِ كُلِّ مَوْصُوفٍ أَنَّهُ غَيْرُ الصِّفَةِ: فَمَنْ وَصَفَ اللَّهَ سُبْحَانَهُ فَقَدْ قَرَنَهُ، وَمَنْ قَرَنَهُ فَقَدْ ثَنَّاهُ، وَمَنْ ثَنَّاهُ فَقَدْ جَزَّأَهُ، وَمَنْ جَزَّأَهُ فَقَدْ جَهِلَهُ، وَمَن جَهِلَهُ فَقَدْ أَشَارَ إِلَيْهِ، وَمَنْ أَشَارَ إِلَيْهِ فَقَدْ حَدَّهُ، وَمَنْ حَدَّهُ فَقَدْ عَدَّهُ. وَمَنْ قَالَ فِيمَ؟ فَقَدْ ضَمَّنَهُ. وَمَنْ قَالَ عَلاَ مَ؟ فَقَدْ أَخْلَى مِنْهُ.

كَائِنٌ لاَ عَنْ حَدَثٍ، مَوْجُودٌ لاَ عَنْ عَدَمٍ. مَعَ كُلِّ شَيْءٍ لاَ بِمُقَارَنَةٍ، وَغَيْرُ كُلِّ شَيْءٍ لاَ بِمُزَايَلَةٍ. فَاعِلٌ لاَ بِمَعْنَى الْحَرَكَاتِ وَالآْلَةِ. بَصِيرٌ إِذْ لاَ مَنْظُورَ إِلَيْهِ مِنْ خَلْقِهِ. مُتَوَحِّدٌ إِذْ لاَ سَكَنَ يَسْتَأْنِسُ بِهِ وَلاَ يَسْتَوْحِشُ لِفَقْدِهِ.

أَنْشَأَ الْخَلْقَ إِنْشَاءً، وَابْتَدَأَهُ ابْتِدَاءً، بِلاَ رَوِيَّةٍ أَجَالَهَا، وَلاَ تَجْرِبَةٍ اسْتَفَادَهَا، وَلاَ حَرَكَةٍ أَحْدَثَهَا، وَلاَ هَمَامَةِ نَفْسٍ اضْطَرَبَ فِيهَا.

أَحَالَ الأَْشْيَاءَ لأَِوْقَاتِهَا، وَلَأَمَ بَيْنَ مُخْتَلِفَاتِهَا، وَغَرَّزَ غَرَائِزَهَا، وَأَلْزَمَهَا أَشْبَاحَهَا، عَالِماً بِهَا قَبْلَ ابْتِدَائِهَا، مُحِيطاً بِحُدُودِهَا وَانْتِهَائِهَا، عَارِفاً بِقَرَائِنِهَا وَأَحْنَائِهَا…»(20).

ويقول العالم الطبيعي (كونجدن) متحدثاً عن ذات الله وصفاته:

«مِمَّا لا شكَّ فيه أنَّنا نحتاج في محاولتنا لوصف الخالق ومعرفة صفاته إلى مصطلحات ومعانٍ تختلف اختلافاً بيِّناً عن تلك الَّتي نستخدمها عندما نصف عالم الماديات.

فالصفات المادية والتفسيرات الميكانيكية الَّتي تقوم على نظريات السلوكيِّين تعجز عن أن تعيننا على تحقيق هذه الغاية. وبخاصة بعد أن تبين لنا أنَّ هذا الكون الَّذي نعيش فيه لا يمكن أن يكون مادة صرفاً، وإنَّما هو مادة وروح، أو مادة وغير مادة. ولا نستطيع أن نصف الأشياء غير المادية بالأوصاف المادية وحدها… ولكي نصف أمراً غير مادي لا بُدَّ من استخدام مصطلحات وأوصافٍ تختلف اختلافاً كبيراً عن المصطلحات الَّتي نستخدمها في دائرة العلوم».

ومن حديث مروي عن الإمام الصَّادق (ع) في وصف الله عزَّ وجلَّ:

«إنَّه شيء بحقيقة الشيئيَّة، غير أنَّه لا جسم ولا صورة، ولا يُحَسّ ولا يُجَسّ، ولا يدرَك بالحواس الخمس. لا تدركه الأوهام، ولا تنقصه الدهور، ولا تغيّره الأزمان!»(21).

وفي رواية أخرى يثبت فيها الإمام الصادق (ع) وجود الله، فيسأله السائل:

ـ فأنت قد حدّدته إذ أثبتّ وجوده.

الإمام (ع): «لم أحدّده، ولكني أثبتُّه، إذْ لم يكن بين الإثبات والنفي منزلة!»(22).

وعنه أيضاً (ع):

«إنَّ الله عظيم رفيع، لا يقدر العباد على صفته، ولا يبلغون كنه عظمته، لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير… ولا يوصف بكيف ولا أين وحيث…

وكيف أصفه بالكيف؟! وهو الَّذي كيَّف الكيف حَتَّى صار كيفاً، فعرفت الكيف بما كيَّف لنا من الكيف…

أم كيف أصفه بأين؟! وهو الَّذي أيَّن الأين حَتَّى صار أيناً، فعرفت الأين بما أيَّن لنا من الأين.

أم كيف أصفه بحيث؟! وهو الَّذي حيَّث الحيث حَتَّى صار حيثاً، فعرفت الحيث بما حيَّث لنا من الحيث، فالله تبارك وتعالى داخل في كُلِّ مكان، وخارج من كُلِّ شيء، لا تدركه الأبصار، وهو يدرك الأبصار، لاَ إلهَ إلاَّ هو العليُّ العظيم، وهو اللطيف الخبير»(23).

صفات اللَّه من خلال الكون

عادل:

القضية المتّفق عليها أنْ لا بُدَّ من خالق هو أساس كُلِّ شيء، ولكن الاختلاف بين النَّاس في أوصاف هذا الخالق… هل هو مادي أو غير مادي؟

وهل يحمل صفة الحياة والعقل؟

بل هل يحمل صفة الوجود الذاتي؟

إذا حدَّدنا صفات الخالق حقاً، أمكننا التعرف عليه، وحسم الخلاف.

أحمد:

أجل، ولكن كيف نتعرف على أوصاف الخالق؟

هناك مصدران: الطبيعة والوحي.

أمَّا الطبيعة فإنَّنا نتعرف على أوصافه تعالى من خلالها ومن خلال الكون كما نتعرف على الفنان وقدراته من خلال عمله الفني…

والطبيعة تعبِّر عمَّا يتوفَّر في الخالق من أوصاف الجمال والقدرة والإبداع بشكل نسبي: ونرى فيها مظاهر وأنشطة لا بدّ أن يكون وراءها الفكر والوعي والإرادة والعلم والقدرة الخ… فلا بُدَّ أن يكون الخالق مالكاً لكل هذه الأوصاف حَتَّى يستطيع خلق هذا الكون، فهي دليل وجودها فيه واتصافه بها…

وأمَّا الوحي فإنَّه يوضح لنا صفات الله بشكل أدقّ، ويعلمنا أسماءه الحسنى وصفات الجمال والجلال والكمال ويصحح أوهامنا حول وجوده العليِّ، ومقامه السّنِي.

لو كنت إلهاً ماذا تعمل؟

أحمد:

لو كنت إلهاً ما هي الطرق الَّتي تستعملها لكي تعرِّف النَّاس بوجودك؟ وما هي الأدلة الَّتي تقترحها لترفع الشك من أذهان النَّاس؟

عادل:

أخلق المعجزات، وهي بدورها تؤكد وجودي إذا استحالت الرؤية.

أحمد:

وإذا كفر النَّاس بك على الرغم من كل تلك المعاجز؟

عادل:

تقوم عليهم الحجّة.

أحمد:

ألا يكفي هذا الكون ونظامه وتناسقه المدهش، ومغزاه، وما فيه من قصد وحكمة وأهداف، كأكبر معجزة على وجود الله؟

لماذا لا يقيم اللَّه معجزة على وجوده؟

عادل:

أريد معجزة غير هذه الأشياء، أريد شيئاً خارقاً لتلك الطبيعة.

أحمد:

لنفترض أنَّ كل شخص طلب ذلك وتحقَّق، فمع تكرر المعجزة تصبح شيئاً طبيعياً مثل الرعد والبرق وتقلّب الفصول وشروق الشَّمس وغروبها وخسوف القمر وكسوفها، لأنَّ الشيء إنَّما يصبح طبيعياً عند النَّاس إذا تكرر مرَّات عديدة، والمعجزة تصبح طبيعية إذا تكررت كثيراً، وبالتالي يلتغي كونها معجزة في نظر النَّاس، وإلاَّ فيجب منذ البداية أن نعتبر حوادث الطبيعة ونظامها الرائع معجزات تتكرر منذ بدء الكون والخليقة… هذا بغضّ النظر عن المعاجز الَّتي جاء بها الأنبياء والرُّسل لتأكيد الإيمان بالله وشريعته.

ما هي أوصاف الكون إذا كان مخلوقاً للَّه؟

أحمد:

ثمَّ ما هي أوصاف الكون إذا كان مخلوقاً لله؟

كيف يجب أن يكون العالَم إذا كان الله موجوداً؟

وما هي الأوصاف والخصائص الَّتي يجب توفرها في هذا الوجود حَتَّى يصحّ أن يكون وراءه إله؟!

الخلق من العدم

عادل:

أسلِّم، لكن كيف يخلق الله الكون من العدم؟ بل كيف يوجد الشيء من لا شيء؟

أحمد:

حقاً يستحيل أن يصدر الشيء من لا شيء، والعدم لا يعطي وجوداً، وهذا حكم عقلي بديهي لا نقاش فيه.

ولكن هذا العالم لم يصدر من العدم المحض، بل أوجده الخالق الأزلي.

إنَّ الذات الإلهية هي الَّتي صنعت لنا هذا الكون وأنتجته، تلك الذات الغنيَّة بأنواع الخلق والوجود.

{ أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا } (سورة مريم 19 / الآية 67).

{ أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ } (سورة الطور 52/ الآية 35) .

{ أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَل لَا يُوقِنُونَ } (سورة الطور 52/ الآية 36) .

كيف يخلق اللامادي مادة؟

عادل:

إذا كان لله وجود لا مادي، فكيف يعزى إليه خلق المادة؟

وكيف يخلق اللامادي مادة؟

وكيف تحتوي ذاته على مادة للخلق وهو غيرمادي؟ ألا يشكّل ذلك تناقضاً يلجئنا إلى الإيمان بمادية الإله؟

وأين نذهب بالقضية الَّتي تقول: لا بُدَّ أن يكون المعلول من سنخ علَّته، ولا بُدَّ أن يكون المسبَّب من نفس طبيعة السبب؟

أحمد:

لمَّا ثبت أنَّ المادة حادثة مخلوقة، ثبتَ أنْ لا بُدَّ أن يكون لها خالق، فلو كان هذا الخالق مادة لتحقَّقت فيه كل صفات المادة أيضاً، ومنها الحدوث والخلق والفناء؛ ولاستحال أن يكون إلهاً، لأنَّ الإله أزلي لا يستحدَث ولا يفنى؛ فلا بُدَّ أن يكون الإله شيئاً لا كالمادة والأشياء، وذاتاً أزلية سرمديَّة، مختلفة عن باقي الذوات.

وأمَّا التماثل والسنخيَّة بين العلَّة والمعلول والسبب والمسبَّب فهو هنا الشيئيَّة، وليس المادية واللامادية، فالله شيءٌ لا كالأشياء، لكنَّه خلق الأشياء؛ إلاَّ أنَّ شيئيته مطلقة، وشيئيَّة المادة محدودة ناقصة عاجزة؛ وهذه هي طبيعة المخلوقية في المادة، أما هو فإنّه شيء آخر، لذا قال تعالى في وصف ذاته العليَّة:

{ لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ } (سورة الأنعام 6/الآية 103) .

وأمَّا إمكانية خلق المادة من اللامادي، فهذا سرّ الخلق وقدرة الله المطلقة، فهو الَّذي خلق من التراب ثمراً، وحياة وبشراً، كما تصنع الحرارة ثلجاً، ويُحدِث الماء كهرباء وناراً، فسبحان القادر المبدع…

ماذا يمنع أن تتحول إرادة الله إلى قدرة، والقدرة إلى فعل، والفعل إلى طاقة، تتحول بدورها إلى مادة بقدرته تعالى، كل ذلك في وقت خاطف فـ { هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ } (سورة الحشر 59/الآية 24) { وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ } (سورة البقرة 2/الآية 117) .

وتؤكد النظريات العلمية أنَّ مادة الكون الأولى هي الإيدروجين، وأنَّ الإيدروجين يتسلسل ويتتابع من مصدر غامض خفي، بل يظهر فجأة ويخلق تخليقاً، وربَّما يكون نتيجة تحوّل طاقة هائلة إلى مادة بأمر الله وإرادته…

وتحتوي ذرَّات الإيدروجين على اللبنات الثلاث الَّتي هي أساس كل مادة: وهي الإلكترون والبروتون والنيوترون. ومن هذه اللبنات وتركيباتها المختلفة العدد بني الكون بما فيه من جمادات ونباتات وأحياء.

جاء في الأخبار أنَّ الإمام (ع) سئل:

ـ كيف علم الله؟

قال (ع): «علِمَ وشاءَ، وأرادَ وقدَّرَ، وقضى وأمضى، فأمضى ما قضى، وقضى ما قدَّر، وقدَّرَ ما أراد، فبعلمه كانت المشيئة، وبمشيئته كانت الإرادة، وبإرادته كان التقدير، وبتقديره كان القضاء، وبقضائه كان الإمضاء. والعلم متقدم على المشيئة، والمشيئة ثانية، والإرادة ثالثة، والتقدير واقع على القضاء بالإمضاء»!!

ثمَّ ينتهي الإمام (ع) إلى القول:

«وبالعلم عَلِمَ الأشياء قبل كونها، وبالمشيئة عرف صفاتها وحدودها، وأنشأها قبل إظهارها، وبالإرادة ميَّز أنفسها في ألوانها وصفاتها وحدودها، وبالتقدير قدَّر أقواتها وعرف أولها وآخرها، وبالقضاء أبان للنَّاس أماكنها، ودلَّهم عليها، وبالإمضاء شرح عللها وأبان أمرها، ذلك تقدير العزيز العليم»(24).

حقاً إنَّ قضية الخلق من مكنونات علم الله الزاخرة المتدفقة بجوهر الوجود والحياة.

أين هو اللَّه؟

عادل:

… ولكن أين هو الله؟ وهل له مكان محدد؟

أحمد:

في رواية أنَّ يهودياً جاء إلى رسول الله (ص) فقال:

يا رسول الله جئت أسألك عن ربّك، فإن أجبتني عمَّا أسألك عنه، وإلاَّ رجعت.

قال (ص): «سل عمَّا شئت».

قال: أين ربُّك؟

قال (ص): «هو في كل مكان، وليس في شيء من المكان المحدود».

قال: وكيف هو؟

قال (ص): «وكيف أصف ربِّي بالكيف، والكيف مخلوق، والله لا يوصف بخلقه؟!»(25).

وفي رواية أنَّ أمير المؤمنين (ع) سئل عن الله:

ـ أين هو؟

فقال : «هو ههُنا وههُنا، وفوق وتحت، ومحيط بِنَا ومعنا، وهو قوله: {مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا} (سورة المجادلة 58/ الآية 7) »(26).

الأدلة على وجود اللَّه

عادل:

لقد أوصلتنا نتيجة البحث إلى الإيمان بالله الخالق المجرَّد عن المادة. لكن هذا الإيمان مشوب بالحذر والتردُّد، فهل لك يا أحمد أن تسرد أهم ما عندك من أدلة على وجود الله تؤكد فيها ما توصلنا إليه من الإيمان به، فإنِّي أشعر أنَّ نفسي تميل إلى مزيد من الأدلة.

أحمد:

هناك أدلة كثيرة في الكون تؤكد وجود الله، بل كل ما في الكون هو آيات ناطقة تشهد بوجوده تعالى، بل هو المحيط من ورائها والشهيد عليها.

وهذه طائفة عاجلة من الأدلة والقضايا، تؤخذ مجتمعة، يكمل بعضها بعضاً:

1 ـ وجود الله أمر مفروغ منه فطرياً

أحمد:

يقول كاتب معاصر ما خلاصته:

«إنَّ مسألة وجود الله لم تكن قديماً محل بحث إلاَّ في عصر اليونان، ذلك أنَّ وجوده تعالى أمر مفروغ منه.

ولم يضع الدِّين مسألة وجود الله موضع بحث، كما لم تقرّ ذلك الفطرة السليمة.

وحين جاء الإسلام وضع الأمر في نصابه، ووجَّه الأذهان إلى أنَّ الأمر الأساسي إنَّما هو مسألة الوحدانية: أشهد أن لاَ إلهَ إلاَّ الله… وجَّه الإسلام الأذهان في عنف وفي قُوَّة إلى التوحيد، لا إلى إثبات الوجود.

لقد وجَّه الإسلام الأذهان إلى أنَّ الله لا يحتاج في إثباته وفي وجوده إلى دليل. وهو ـ على العكس ـ الدليل على غيره، فغيره ثابت به، والعالم ثابت به، والسَّماوات والأرض والعرش والكرسي، كل ذلك موجود بوجوده، ثابت بثباته… والوجود بأكمله محتاج في كل لحظة إليه، فضلاً عن احتياجه إليه في نشأته الأولى ووجوده الأصلي… {إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا }…

إنَّه يمسكهما في كل آونة، وفي كل لحظة، فإذا ما تخلى عنهما طرفة عين تلاشتا فكانتا هباءً، وكانتا عدماً… وكل ذرَّة في العالم، وكل خلية في كائناته، إنَّما ثباتها بالله وقيامها به».

2 ـ النظام الكوني

أحمد:

يقول (فولتير):

«إنَّ الموجودات برمّتها تنادي برفيع صوتها أنَّ لها بارئاً قد برأها، وصانعاً قد أتقن صنعها».

ويصدق هذا القول على كل شيء في الوجود، ابتداءً بأعظم الأشياء الَّتي نعرفها كالمجرَّات والسدم والكواكب والشُّموس، مروراً بمخلوقات الطبيعة العظمى، فالإنسان حَتَّى أصغر الأشياء في عالم الأحياء الجرثوميَّة الدقيقة، وصولاً إلى أصغر الأشياء كعالَم الذرَّة في المادة، والبروتون والإلكترون إلى البوزيترون وهو شيء داخل البروتون في نواة الذرَّة!

فالكون والأفلاك كُلُّها، عبارة عن نسب رياضية بالغة الدقة، يرسم مخططها عقل شمولي خلاَّق، ذلك هو الله، كما قال في كتابه العزيز: { إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ} ( سورة آل عمران3 / الآية 190) .

إنَّ كل شيء في هذا الكون الرائع الجميل يسبِّح بحمد ذلك الفنان المبدع، ولو بلسان الحال، ويزخر بالدلائل الباهرة على وجوده تعالى. { تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ } (سورة الإسراء 17/الآية 44) .

ومن روائع الأخبار المروية عن أهل البيت (ع) هنا نبذة صغيرة قالها الإمام الصَّادق (ع) لعبد الله الديصاني ـ وكان ملحداً ـ إذْ دخل عليه، فأخذ الإمام (ع) بيضة كانت في يد غلام وقال:

«يا ديصاني! هذا حصن مكنون، له جلد غليظ، وتحت الجلد الغليظ جلد رقيق، وتحت الجلد الرقيق ذهبة مائعة، وفضة ذائبة، فلا الذهبة المائعة تختلط بالفضة الذائبة، ولا الفضة الذائبة تختلط بالذهبة المائعة، فهي على حالها، لم يخرج منها خارج مصلح فيخبر عن صلاحها، ولا يدخل إليها مفسد فيخبر عن فسادها. لا يُدرى للذكر خُلِقت أم للأنثى. تنفلق عن مثل ألوان الطواويس، أترَى لها مدبِّراً؟!»

فأطرق الديصاني ملياً ثمَّ قال: أشهد أن لا إلهَ إلاَّ الله وحده، لا شريك له، وأشهد أنَّ محمَّداً عبده ورسوله، وأنَّكَ إمام وحجَّة مِنَ الله عَلى خلقه، وأنا تائبٌ مِمَّا كُنتُ فِيهِ!!!(27).

3 ـ ظهور الغائية والقصد في الكون

أحمد:

وتدلُّ مخلوقات الطبيعة على وجود حكمة وغاية في تكوينها، ويظهر ذلك جلياً في الأحياء ولا سيَّما في الإنسان حيث أنيطت بكل جارحة من جوارحه مهمة وغاية، وذلك ما يدلُّ على الإرادة الواعية والقصد العقلاني والحكمة والتدبير في الخلق، ولا أدلّ على ذلك من خلق الذكر والأنثى لاستدامة الحياة واستمراريتها وحفظ النوع، وكل ذلك يشير إلى وجود الخالق المدبِّر الحكيم.

عادل:

لماذا لا يكون القصد والتدبير ضرورة من ضرورات الكون، وحتمية كونية لازمة لا تنفكُّ عن المادة؟

أحمد:

هذا يحوِّل التدبير والإرادة إلى عمل آلي يصبح معه الكون عبارة عن جهاز كبير وماكنة هائلة تعمل ولا تعلم…

لكن هندسة الكون الجبَّارة وحركته المعقَّدة الَّتي تحار فيها العقول البشرية وتنحني أمامها خاشعة، تدلُّ على القصد والغاية الموضوعة بعناية فائقة، وذلك يدلُّ على شيء أكثر من المادة وعملها الميكانيكي الآلي… إنَّه الوعي والعقل، وهما غير موجودين في المادة سوى في الإنسان، ولو كانا ما زالا موجودَين في المادة لكانا أجلى وأظهر من وجودهما في الإنسان، لأنَّ تركيب هذا الكون كُلَّه بما فيه الإنسان يحتاج إلى عقل أعقد وأعظم جداً من عقل الإنسان، فكيف ظهر العقل والوعي بوضوح في الإنسان ولم يظهر بهذا الوضوح في المادة الَّتي يفترض أن يكون قد تجلَّى فيها كالمنار والشَّمس في رابعة النَّهار، بينما نجد أنَّ المادة عمياء صمَّاء غبية بلهاء، والإنسان عاقل مدرك ذكي يسخِّر المادة والجمادات كما يسخِّر النباتات والحيوانات.

ولو كان النظام والتدبير حتمية مادية، لاستحال أي عمل فوضوي… ونحن نرى بالمشاهدة المحسوسة كيف أنَّ التدبير والقصد في بناء عمارة سَكَنٍ إذا غابا سقطت البناية، فلو كان التدبير والقصد حتمية مادية لما سقطت المباني وهبطت الجبال وفاضت الأنهار، ولندَّت وتمرَّدت المباني والجبال على قانون الجاذبية كما تندُّ ناطحات السحاب المصممة عن قصد وتدبير عن السقوط وحدها.

ولو صحّ ما تقول ـ يا عادل ـ لما احتجنا في تسيير أمورنا وتحقيق إنجازاتنا إلى أي درس أو تمحيص أو تدبير أو تسييس! ولتحقق كلّ ذلك لنا بطريقة آلية ذاتية.

من هنا يتّضح أنَّ ظهور النظام والعلَّة الغائية في مخلوقات الكون هما أقوى الأدلة على وجود القاصد المريد والمدبر الحكيم.

4 ـ توازن الكون

أحمد:

يقوم الكون على أسس التوازن المدهش، وتنطوي الطبيعة على تماسك رائع لا يمكن أن ينجم إلاَّ عن عقل أعظم يسيِّرها ويدبِّرها… وإليك بعض الأمثلة:

أ ـ دوران الأرض حول نفسها:

أثبت العلم أنَّ الأرض تدور حول نفسها مرَّة كل يوم بسرعة مقدارها ألف ميل في الساعة، وينبغي أن ينجم عن السرعة اندفاع مياه المحيطات بقُوَّة إلى غير مكانها بفعل الجاذبية المتكاثرة في القطبين، ولكن الَّذي يحدث غير هذا، فإنَّ سرعة الأرض متوازية متعادلة في الدفع العكسي مع قُوَّة الجاذبية، وبهذا تثبت مياه البحار والمحيطات في مكانها.

يقول العلماء: لولا دوران الأرض حول نفسها بهذا التوازن والاستقرار العجيب لفرغت البحار والمحيطات من مائها… قال تعالى: {أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} (سورة النمل 27/ الآية 61) .

ب ـ دوران الأرض على محور مائل:

يؤكد العلماء أنَّ الأرض تدور على محور مائل، ولو استقام هذا المحور وأصبح عمودياً لاختفت الفصول الأربعة وثبت كل فصل في مكان من العالم لا يتجاوزه.

وهكذا بدلاً من أن يأتي الربيع إليك وأنت في بلدك، ستضطر إلى السفر والهجرة إليه في بلاد بعيدة، وقد يضطر أهل تلك البلاد للرحيل إلى بلدك إذا أرادوا الصيف!!

وحين تتسمَّر الفصول في مكانها بهذا الشكل، تتوقف كثير من الأشجار والنباتات عن النمو والعطاء.

ج ـ تباطؤ سرعة الأرض:

يؤكد العلماء كذلك أنَّ سرعة الأرض قد تتباطأ بشكل لا يكاد يلحظ، ولكن التباطؤ هذا يبقى متناسباً مع حاجات النباتات والأحياء.

ولو تباطأت سرعة الأرض من 1000 ميل في الساعة ـ وهي سرعتها الحالية ـ إلى 200 ميل فقط، لطال اللَّيل كثيراً في جانب من الأرض، ولطال النَّهار كثيراً في جانب آخر، ولتعذّرت الحياة الطبيعية على كثير من المخلوقات على سطح الكرة الأرضية، إمَّا من شدة الحرّ في الجانب المضيء، أو من شدّة البرد في الجانب المظلم… قال تعالى:

{قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ * قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ} (سورة القصص 28/ الآية: 71 ـ 72) .

{إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ} (سورة يونس 10/ الآية 6) .

{يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ} (سورة النُّور 24/ الآية 44) .

{أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا} (سورة الفرقان 25/ الآية 45) .

{وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلَافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} (سورة المؤمنون 23/ الآية 80) .

د ـ الجاذبية وحركة الأرض:

كذلك يقولون: إنّ الجاذبية إذا انعدمت وأسرعت الأرض كثيراً أو توقفت فجأة؛ لتناثر ما على الأرض من جبال ومنازل وأشجار وتَوَزَّعَ أشتاتاً في الفضاء السحيق، ولقذفت الأرض ما بداخلها وتشققت أو تفتّتت، لولا قدرة الله وحكمته الممسكة بزمام الكون، قال تعالى:

{إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا} (سورة فاطر35/ الآية: 41) .

ونستشفّ بعضاً من ذلك في مؤشرات القيامة في الآيات التالية:

{إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (1) لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ (2) خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ (3) إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا (4) وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا (5) فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا} (سورة الواقعة 56/ الآيات 1 ـ 6) .

{ الْقَارِعَةُ (1) مَا الْقَارِعَةُ (2) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ (3) يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ (4) وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ } (سورة القارعة 101/ الآيات 1 ـ 5) .

{ يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلًا } (سورة المزمل 73/ الآية 14) .

{ يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ} (سورة ق 50/ الآية 44) .

{ كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا } (سورة الفجر 89/ الآية 21) .

{ إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا (1) وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا } (سورة الزلزلة 99/ الآية 1/2) .

هـ توازن الطبيعة:

تنسّق الطبيعة موجوداتها، وتوازن بين مقاديرها، وتسهر على استمرار الحياة، وتضبط كل ذلك بشكل مدهش لا يمكن أن ينتج عن صدفة أو عبث. ويظهر ذلك جلياً لمن يتتبع بحوث العلماء واختباراتهم في عالم النبات والحشرات والحيوانات. ويروي لنا (وحيد الدِّين خان) قصة في هذا الصدد يقول:

«من الأحداث العلمية الَّتي وقعت في هذا القرن ما حدث في أستراليا… لقد زرعوا نوعاً خاصاً من «الصبَّار» في مزارعها لكي يحميها، ولم يكن في أستراليا أي نوع من الدودة يعادي ويأكل هذا النبات ذا الشوك، فأخذ ينتشر انتشاراً رهيباً ومروّعاً، حَتَّى استولى على منطقة توازي مساحة جزر بريطانيا كُلِّها، لقد هاجم الصبَّار القرى والمدن، وخرَّب المزارع والحقول، حَتَّى استحالت الزراعة، ولم يتمكنوا من استئصاله بأية طريقة، لقد أصبح جيشاً جبَّاراً، يزحف لكي يسيطر على أستراليا كلها، وهي لا تجد ما تقاوم به، واستمرت هذه الحال، حَتَّى خرج علماء الحشرات، يبحثون عن دودة تأكل الصبَّار، فاكتشفوا دودة لا تعيش إلاَّ عليه، ولا غذاء لها سواه، وقد كان نسلها يزيد بسرعة، ولا عدو لها في حشرات أستراليا، وسرعان ما تغلبت هذه الدودة الصغيرة على جيش الصبَّار العظيم، وانتهت مصائب أستراليا!!».

ويقول الدكتور (لورنس ووكر) أستاذ علم الغابات (السابق) بجامعة جورجيا:

عندما انتشر مرض الأندوثيا، وهو المرض الَّذي يسبب الشلل لنباتات الكستناء «أبي فروة» خلال العقدين الأولين من هذا القرن (القرن العشرين)، شاهد كثير من النَّاس فروجاً في أسقف الغابات، ولاحظوا أنَّ هذه الفروج لا تسدّ أبداً. ولقد كان الكستناء الأمريكي يحتل مكاناً بين سائر أنواعه في العالم لا يدانيه فيه مكان آخر، فقد كان يمتاز بنوعه ومقاومته للتعطن وبنخاعه الخشبي وما به من مادة التنين، ثمَّ بثماره وبما يعطيه من الظل وغير ذلك من الصفات الممتازة العديدة الأخرى. وكان ينمو على حوافي الجبال ذات التربة الضعيفة كما ينمو في الوديان الخصبة. وقبل أن يصيبه هذا المرض الَّذي وصل إليه من آسيا حوالي سنة 1900، لم تكن تصيبه أمراض أخرى، فلقد كان بحق ملك الغابة، أمَّا الآن فقد باد واندثر من الغابات ولم يعد يشاهد منه إلاَّ بعض البراعم الضئيلة تنبثق بين حين وآخر من بقايا جذوع الأشجار الَّتي كانت قائمة يوماً من الأيَّام، كأنَّما تذكرنا أنَّ البقاء لله وحده، وأنَّ أقوى الرِّجال كأقوى الأشجار، لا بُدَّ يوماً أن يزول.

وما لبثت الفروج الَّتي حدثت في سماء الغابة حَتَّى ملئت، لقد سدّتها أشجار الخزامى، الَّتي كأنَّما كانت ترقب ما نزل بأشجار «أبي فروة» من داء، لتحلَّ محلها بفارغ الصبر حَتَّى تحصل على ما يكفيها من الضوء، فهي من الأشجار التوّاقة إلى الضوء، والَّتي لا تحتمل المعيشة في الظل. وحَتَّى ذلك الوقت كانت أشجار الخزامى من الأشجار الضئيلة في الغابة الَّتي لا يمكن أن تعتبر من أشجار الخشب القيّمة إلاَّ نادراً. أمَّا الآن، فإنَّ أحداً لا يحزن على ما حلَّ بأشجار الكستناء من خسارة، إذ تقوم مكانها جذوع أشجار الخزامى الضخمة الَّتي تضيف كل منها إلى نفسها ـ بسبب نموّها السريع ـ ما يقرب من بوصة في السَّمْك، وست بوصات في الارتفاع سنوياً. وبالإضافة إلى سرعة نموّها، فإنَّها تعطي خشباً من النوع الممتاز. فهل تضع الطبيعة العبقرية خططها وتدبيرها للأُمور بأكثر من تهيئة الظروف المناسبة؟

ولقد كنت أتحدث مع زميل مِمَّن أطمئن إليهم من الأخصائيين في فلاحة الغابات عن ذلك المرض الَّذي أصاب نباتات الكستناء، وهو ينصح المشتغلين بالغابات بأن يلجأوا دائماً إلى كتاب الكون والطبيعة لكي يجدوا فيه حلاً لكل مشكلة من المشكلات».

ويقول الدكتور (مصطفى محمود):

«لا أنسى تلك الليلة منذ سنوات وأنا في رحلتي في أدغال أفريقيا الاستوائية، أشقُّ النيل العريض في سفينة نيلية، وقد تجاوزنا الملكال، ودخلنا منطقة يكثر فيها البعوض، وينبسط فيها النيل على شكل مستنقعات على مدى البصر.

والسفينة تتهادى على سطح الماء في جو لزج شديد الرطوبة، ويقع مريضاً بالملاريا كل من على السفينة حَتَّى الربان… وأنا أبتلع أقراص (الكاموكين) بانتظام خوفاً من الإصابة بالحمى. وذات ليلة، خطر لي أن أصعد على سطح السفينة لأتفرج على أفريقيا الاستوائية في اللَّيل.

ودهنت وجهي وذراعيَّ بطارد البعوض، وتسللت إلى السطح وكان ما رأيته شيئاً كالحلم.

كانت آلاف الأشجار تضيء وتنطفىء وكأنَّها أشجار عيد الميلاد يلهو بها الأطفال، وقد غطّوها بآلاف القناديل الكهربائية الصغيرة يضيئونها ويطفئونها معاً.

ومسحت على عيني من الدهشة… وعدت أنظر.

كان ما أرى حقيقة لا خيالاً.

كانت الأشجار تومض بالفعل كأنَّها مغطاة بآلاف الكهارب ثمَّ تنطفىء.

وأخبرني الربان أنَّ ما رأيت في تلك الليلة كان هو الحقيقة بعينها… وأنَّ تلك الأشجار تغطيها آلاف من حشرات الحباحب المضيئة، وأنَّها تضيء معاً لتجتذب البعوض بضوئها، ثمَّ تأكله وتعود فتنطفىء لتضيء من جديد… وأنَّ هذه سنّة الطبيعة كُلَّما تكاثرت فيها حشرة اصطنع لها الله حشرة مضادّة تأكلها ليحفظ للمخلوقات توازنها، فلا يطغى واحد على الآخر إلاَّ بحساب».

وهكذا يا عادل نشاهد قوانين الضبط والتوازن منبثّة في الطبيعة، وهي إن دلت على شيء فإنَّما تدلُّ على وجود العقل الأكبر يدير الكون ويضبط موازينه.

و ـ حاسة الاتجاه:

يضيف العلماء إلى الحواس الخمس حاسة سادسة يسمونها: حاسة الاتجاه، وهي ترشد الإنسان في تصرفاته وتعرِّفه اتجاه السير، وتأخذ بيده نحو الوجهة الصحيحة، فكأنَّها غرفة شرطي المرور توزع الإشارات وعلامات الاتجاه والوقوف ليهتدي بها الإنسان في تحركاته وسيره. فالإنسان يقصد بيته، فيتجه إليه من أقرب السبل، أو يسعى إليه بخط مستقيم إذا لم يعقه عائق. وهو يجتاز عشرات الطرق ومئات المحاور ثمَّ يصل إلى الهدف.

وسائق السيارة وربَّان الطائرة وأسراب الطيور تقطع آلاف الكيلومترات سعياً وراء مكان معين تقصده.

ز ـ الطيور الملهمة:

وفي عالم الطيور حقائق غريبة نكتفي بسرد واحدة منها:

يقول الدكتور (عبد الرزاق نوفل) في كتابه (الله والعلم الحديث):

«… فطائر البطريق له أسلوب في الغزل لا يحيد عنه، فإن أراد التودُّد إلى أنثاه، اختار حصاة وتقدَّم بها في زهو وحنان، ووضعها تحت قدميها، فإذا التقطتها، كان ذلك دليل قبولها له زوجاً لها، فيتزاوجان. وإذا لم يمسّ وتراً في فؤادها، تركت الحصاة ولم تمسَّها، وعندئذٍ يعود فيلتقط حصاه وينصرف بها إلى أخرى…!!

ومِمَّا يؤكد أنَّ هذه العملية الَّتي يقوم بها البطريق عن إدراك، ما رواه (تشابمان آندروز) في أحد كتبه العلمية، من أنَّه قد حدث ذات يوم أن جاء بطريق عجوز إلى الدكتور (روبرت مرفي) أحد علماء متحف التاريخ الطبيعي في أمريكا، وألقى تحت أقدامه في حديقته حصاة كبيرة. فلمَّا التقطها الدكتور، صار البطريق والعالم صديقين حميمين، ولم يغادر البطريق حديقة العالِم حياً».

ح ـ اتزان الأجسام الحية في الطبيعة:

تنطوي الأجسام الحية في الطبيعة على قدرة كبيرة من التماسك الذاتي والاتزان العجيب، ما يسهّل لها عملية التنقل والعمل وتأمين سبل العيش.

فالإنسان يقف على قدميه ولا يسقط بالرغم من تحركه وانحنائه أو تمايله أحياناً. وهكذا الحيوانات والطيور الَّتي تمشي على الأرض.

ولو أبدلنا جسم الإنسان الحي بتمثال أو بجسم ميت، واجتهدنا في تثبيت مركز الثقل وحساب الأبعاد والزوايا؛ لما استطاع مقاومة ريح خفيفة أو هزَّة بسيطة.

ط ـ ناسلات البشر معجزة الطبيعة:

لا شكَّ أنَّ وجودنا هو جزء من الطبيعة والكون، بل جزء من النظام بأسره.

والطبيعة تحنو علينا حنوّها على سائر مخلوقاتها، وتوفر لنا جو الحياة الملائم، وفوق ذلك، فهي تحرص على استمرار نوعنا الإنساني، بل وتضع أهم إعجازها في تلك الناسلات الجينية الدقيقة جداً، الَّتي تنتقل من جيل لآخر، فتحفظ النوع، وتحمل في طواياها كل مميزات الجيل السابق، وهي من الدقة بمكان يفوق الوصف، وفي ذلك يقول بعض العلماء ما فحواه كما ينقله (العقَّاد):

«إنَّ جميع الناسلات الَّتي يتولد منها سكان الكرة الأرضية جميعاً لو وضعت في حيّز واحد لما زادت على قمع الخياطة. ولكنَّها كانت في كل خلية حية وفي طواياها أسرار الخصائص الَّتي يتصف بها جميع الآدميين.

وإنَّ قمع خياطة لحيز صغير، إذ يحتوي فيه جميع خصائص الأفراد الموزعة بين ألفي مليون من البشر، ولكنَّه واقع لا ترقى إليه الشكوك، فكيف إذاً تنطوي في هذه الناسلات جميع عوامل الوراثة المتخلفة من حشود الأسلاف، وتستبقي لكل فرد مقوّماته النفسية في مثل هذا الحيِّز الَّذي بلغ الغاية من الدقة والصغر»!!.

ويضيف (العقَّاد) إلى ذلك قوله:

«إنَّ الحيِّز الَّذي يحتوي الناسلة هو الحيِّز الَّذي يحتوي كل ذرَّة في حجمها من الذرَّات المادية، ولكنَّه يتسع لآفاق من القوى لا أثر لها في ذرَّات الأجساد»…

ثمَّ يقول:

«ولسنا هنا بصدد فرض باطل أو أمنية خيالية، ولكنَّنا في صدد حقيقة أعجب من جميع الفروض والأخيلة، لأنَّها لا تضع باريس وحدها (مثلاً) في علبة صغيرة، بل تضع النوع الإنسانيّ كُلَّه في أقلّ من العلبة الصغيرة: في قمع لا يتسع لأكثر من أنملة، وهو يتسع مع ذلك لكل ما في النُّفوس من الأحاسيس والحوافز والأسرار، ولكل ما في العقول من الأفكار والفلسفات والمبتكرات، ولكل ما في الضمائر من العقائد والأخلاق والأشواق»!!

ونكتفي ههُنا بهذا القدر من أعاجيب الطبيعة الَّتي يستحيل أن تصدر عن الصدفة أو العفوية الكونية، بل لا بُدَّ من روح عظمى وعقل خلاَّق وذات واعية تبثُّها وتبدع فنَّها وإعجازها، وصدق ذلك المفكر الهندي حين قال:

«إذا لم يكن هذا الكون تحت سلطان (وجودٍ ذي إدراك) فلماذا توجد فيه هذه الرُّوح المدهشة»؟

ويقول (أنشتاين):

«إنَّ ديني يشتمل على الإعجاب المتواضع بتلك الرُّوح العليا غير المحددة، والَّتي تكشف في سرّها عن بعض التفصيلات القليلة الَّتي تستطيع عقولنا المتواضعة إدراكها. وهذا الإيمان القلبي العميق والاعتقاد بوجود قُوَّة حكيمة عليا، تستطيع إدراكها خلال ذلك الكون الغامض، يلهمني فكرتي عن الإله».

5 ـ الضمير والوجدان

أحمد:

يتحسّس الإنسان عبر مشاعره الجيّاشة، في ساعة صفاء، وجود حقيقة كونية واعية تهتف لها مشاعره وإحساساته، ويشعر بها ضميره ووجدانه، دون حاجة إلى برهان أو دليل يدعمها؛ بل هي أقوى من البراهين والأدلة، ولا يزعزعها شيء.

عادل:

إذاً كيف نفسِّر جحود الجاحدين والمنكرين؟

أحمد:

أعتقد أنَّهم يكابرون، فينكرونها ظاهراً، ويؤمنون بها وجداناً وضميراً، أو تصيبهم غشاوة تكبت فيهم صوت الضمير.

{ وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ } (سورة النمل 27/ الآية 14) .

ولعلَّ الوازع الأخلاقي لون من ألوان الوجدان والضمير ما دام يعني الشعور الخفي بوجود قُوَّة كونية تعاقب وتجازي على أعمال الظلم.

ويستدلُّ المتصوّفة على وجود الله بالذوق والإلهام النابعين من القلب، لأنَّ القلب موضع المناجاة والشوق والوجد، ومقر الإشراق والإلهام، يدرك الحقائق حين يصفو وتزول عنه الشوائب.

ويمكن عندهم استكناه الحقائق من داخل النَّفس، مثلما يمكن ذلك من خلال العالم.

قال تعالى:

{ سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ } (سورة فصلت 41/ الآية 53) .

6 ـ غريزة الإيمان

أحمد:

ويضاف إلى الضمير والوجدان في تأكيد وجود الله ذلك الإحساس الفطري العميق بضرورة العبادة والالتزام بعقيدةٍ في الحياة.

وغريزة العقيدة أو الإيمان هذه تمثّل اهتمام الإنسان وتطلعه المستمر نحو البحث عن عقل أكبر وتدبير أقوى وأحكم، يكمِّل معنى الحياة ومغزاها، ويبرز الحلقة المفقودة في الصورة الكونية.

وليست عبادة الأصنام والأوثان ومخلوقات الطبيعة وظواهرها منذ أقدم العصور إلاَّ تعبيراً خاطئاً عن تلك الغريزة، فهي تريد عبادة الله فتخفق في تصوّره ويخونها العقل البدائي، ولكن هذه الغريزة هي جزء من طبيعة البشر يصعب حقاً كبتها وإزالتها، ولا يعوق مسيرتها وجود بعض المنحرفين والمنكرين.

قال (غاندي) ما فحواه:

«ما من إنسان يستطيع أن يعيش بغير ديانة، ولكن هناك من يعلنون ـ منساقين بأنانية منطقهم ـ بأن لا علاقة لهم بالدِّين… ولو نفذنا إلى أعماق ظلمات الشعور الإنساني لما وجدنا ملحدين بمعنى الكلمة».

وتظهر أحياناً غريزة الإيمان بشكل جليّ في الأوقات الحرجة والصدمات المفاجئة. قال تعالى: { أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَةِ اللَّهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آَيَاتِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (31) وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآَيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ } (سورة لقمان 31/ الآية 31 ـ 32) .

{ فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ} (سورة العنكبوت 29/ الآية 65) .

وهذه الغريزة كما يقول (وحيد الدين خان):

«منقوشة في اللاشعور الإنساني، وهي ميثاق سرّي مأخوذ على الإنسان منذ يومه الأول، وهو يسري في كل خلية من خلايا جسمه، وعندما يفتقد إنسان ما هذا الشعور؛ يحسّ بفراغ عظيم، وتطالبه روحه من أعماقه أن يبحث عن إلهه الَّذي لم يره قطّ، والَّذي لو وجده لخرَّ راكعاً على ركبتيه، ثمَّ ينسى كل شيء.

وليس الاهتداء إلى معرفة الله غير الوصول إلى المنبع الحقيقي لهذه الفطرة الإنسانية، والَّذين لا يهتدون إلى المعرفة يقبلون على أشياء أخرى»(28).

وقد نجد مصداقاً لهذه الغريزة في الآية القرآنية الكريمة:

{ وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آَدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ } (سورة الأعراف 7/ الآية 172) .

وقد أنكر الفيلسوف البريطاني (برتراند راسل) وجود الله، لكنَّه اضطر إلى الإيمان بعالم الرياضيات المطلق والفلسفة، وأضفى عليهما نفس أوصاف الله كالأزلية والتجرّد، إرضاءً لنداء الغريزة في أعماق نفسه.

ويقول (وحيد الدين) أيضاً ما خلاصته:

«إنَّ آلافاً من النَّاس الَّذين ينكرون وجود الله، يركعون أمام معبوداتهم تسكيناً لغريزتهم التعبُّدية، وذلك لأنَّ (الإله) هو ضرورة فطرية للإنسان. وهذه المظاهر كافية لتأييد هذه الغريزة على أنَّها طبيعية، لأنَّ الإنسان يضطر إلى الركوع أمام آخرين كثيرين، إذا ما امتنع عن السجود أمام (الله الواحد) أي إنَّ فطرته لن تتمكن من ملء الفراغ الَّذي يخلو عند إنكار وجود الله،والإلحاد…

إنَّ الَّذين يتّخذون من غير الله إلهاً محرومون من الاستقرار والطمأنينة الحقيقيَّين، كالطفل اليتيم الَّذي يحاول أن يتّخذ من مصنوعات البلاستيك (أُمّاً) له»!!

الإيمان والضعف أمام الطبيعة:

عادل:

يبدو أنَّ شعور الإيمان ناتج عن ضعف الإنسان القديم وخوفه أمام ظواهر الطبيعة القاسية وعواملها المخيفة، ما اضطره إلى افتراض قوى هائلة وراءها أو آلهة تستطيع أن تمنحه الراحة والأمان.

وهكذا نشأ هذا الشعور وتزايد جيلاً بعد جيل، حَتَّى ظننَّا أنَّه فعلاً غريزة، وليس هو في الواقع إلاَّ فكرة وهمية نشأت عن الخوف والجهل ورسَّختها العادة في الذهن.

أحمد:

لقد غاب عنك أنَّ الإنسان الأول منذ فتش عن القوى الغيبية في الطبيعة إنَّما كان يعبر بذلك عن الغريزة الموجودة في أعماق نفسه، وإلاَّ فما الَّذي دفع الإنسان القديم واضطر الإنسان الحديث للإيمان عندما شاهد ظواهر الطبيعة بعد أن فهم تفسيرها؟ أليس لأنَّه رأى بالفطرة أنَّ الصورة الكونية لا يمكن أن تتزن ما لم يكن وراءها عقل مدبِّر هو الذي تهفو إليه فطرته؟

وقد دلت تجاربنا الحياتية أنَّ كل طفل مميز يبدأ بالتساؤل عمَّن خلقه وأوجده، ومن أين جاء.

ثمَّ يعزو الأمر إلى والديه، ويتسلسل في الأسباب حَتَّى يصل إلى نتيجة يتأكد عندها من وجود قُوَّة كونية غامضة خلقته وخلقت هذا الكون المنسَّق.

وهذه التساؤلات هي أولى علامات بروز ونموِّ غريزة الإيمان وأسئلة العقل عند الطفل.

يقول (سقراط):

«يشعر الإنسان بحاجته الماسّة إلى الهواء والماء والطعام، وكذلك تشعر روحه أنَّها في حاجة ماسة إلى غذاء روحي، وهذا الشعور هو في عرفنا: الدِّين، الَّذي اهتدى إليه أول إنسان، يدلُّكَ على ذلك: أنَّنا إذا تتبعنا حياة طفل أتينا به من أقاصي البلاد المتوحشة وتركناه يترعرع بدون أن نلقّنه عقيدة دينيَّة مهما كان نوعها، فإنَّك لتجده عندما يصبح رجلاً كامل الشعور، يتحرَّى في أعماق تفكيره عن شيء مجهول، ويظل باحثاً منقّباً تحت تأثير عامل نفسي وغريزي، حَتَّى يعثر على بادرة تكون في أول أمرها مائعة اللون تتمركز في دماغه، ثمَّ لا تلبث حَتَّى تتجسم وتتخذ شكلاً صوفياً بارزاً، يأخذ في التطور رويداً رويداً إلى الشيء الَّذي نسمّيه (عقيدة) أو (ديناً)، لأنَّ هناك ضرورة خفية وقوية تدفعه إلى هذا التدرّج، حَتَّى يصل إلى النوع الَّذي يحلو له للعبادة».

أجل! كما يدلُّ العطش على وجود الماء، والجوع على وجود الطعام؛ كذلك يدلُّ جوع الإيمان والبحث عن الله على وجوده تعالى… ولا يمكن أن يكون الضعف دائماً منشأ الإيمان، ما دام دعاة الإيمان وقادته يتّسمون ـ عبر خط التاريخ ـ بالقُوَّة والعقل والحكمة…

قال (العقَّاد):

«ليس أوفر النَّاس نصيباً من الحاسة الدِّينيَّة أوفرهم نصيباً من الضعف الإنساني، سواء أردنا به ضعف الرأي أو ضعف العزيمة.

فقد كان الأنبياء والدعاة إلى الأديان أقوياء من ذوي البأس والخلق المتين والهمة العالية والرأي السديد… ومهما يكن من الصلة بين ضعف الإنسان واعتقاده، فهو لا يزداد اعتقاداً كُلَّما ازداد ضعفاً، ولا يضعف على حسب نصيبه من الاعتقاد، وما زال ضعفاء النُّفوس ضعفاء العقيدة، وذوو القُوَّة في الخلق ذوي قُوَّة في العقيدة كذلك.

فليس معدن الإيمان من معدن الضعف في الإنسان، وليس الإنسان المعتقد هو الإنسان الواهي الهزيل، ولا إمام النَّاس في الاعتقاد إمامهم في الوهن والهزال.

وربَّما كان الأصحّ والأولى بالتقرير والتحقيق، أنَّ العقيدة تعظم في الإنسان على قدر إحساسه بعظمة الكون وعظمة أسراره وخفاياه، لا على قدر إحساسه بصغر نفسه وهوان شأنه.

فمبلغ الإحساس بالعظمة هو مبلغ الإحساس بالعقيدة الدِّينيَّة. وصغر الكون في نظر الإنسان نقص في الشعور بظاهره وخافيه، ونقص من أجل ذلك في طبيعة الاعتقاد وطبيعة الإيمان.

ومن هنا تكون الحاسة الدِّينيَّة مجاوَبَة صحيحة للوجود العظيم الَّذي يحيط بالإنسان، سرمدياً بعيد الأغوار عميق القرار!!

فليس الكيان الصحيح هو الَّذي يمرُّ بهذا الوجود السرمدي كأنَّه لا يراه ولا يهتزّ له ولا يستجاش من أعماقه إذا سبر غوره فقصر عن مداه.

وإنَّما الكيان الصحيح هو الَّذي يجيش بتلك الحاسة القوية، فَيَسْتَهْوِل الكون، ويستقبله بالحيرة والتقديس، لأنَّه في الواقع هائل محيِّر، جامع لمعاني القداسة من حيث نجمت في لغة اللِّسان أو لغة الضمير.

وعلى هذا تكون العقيدة من مصدر الصحة، لأنَّها تُجاوِبُ الوجود المحيط بالنَّفس الإنسانية، ولا تكون من مصدر النقص والغفلة عن حقائق الأُمور».

الإيمان وعالم الأمنيات:

عادل:

يؤكد (فرويد) عالم النَّفس الشهير أنَّ الإيمان بالله والآخرة إنَّما هو صدى الأمنيات الدفين في أعماق اللاشعور، يسببه الكبت والحرمان في حياة الفرد… فهو انعكاس عن أزمة نفسية لا فطرة غريزية.

أحمد:

فلماذا يوجد الإيمان عند السعداء كما عند التعساء؟

ولماذا نجد بعض الأغنياء مؤمنين، وبعض الفقراء غير مؤمنين؟

إنَّ نظرية فرويد لا تعدو التكهنات.

الإيمان والجهل والخرافة:

عادل:

يرى كثير من العلماء أنَّ الإيمان منشأه الأساطير والخرافات والجهل بحقائق الطبيعة وقوانينها.

أحمد:

قد يختلط الإيمان بالأساطير، والحقيقة بالخرافة، ولا يعني ذلك بطلان الحقيقة أو خطأ الإيمان.

وغريزة الإيمان قد يساء استعمالها، وتتخبط في الجهل كما تتخبط المعدة من رداءة الطعام في غريزة الجوع، ولا يعني ذلك بطلان الإيمان أو كذب غريزة الجوع.

وهذا الطب تحرّر من الأساطير والخرافات كما هو الشأن في الإيمان. فهل يعني ذلك أنَّ الطب خرافة، وأنَّنا سنتطور إلى أُمَّة لا تؤمن بالطب؟

أجل، لقد تخبّط الإنسان كثيراً في معرفة الله، ثمَّ أدرك أنَّ الحقيقة الأزلية أكبر من مظاهر الطبيعة وأصنامها.

يقول (تولستوي):

«إنَّ منبع التديّن غريزي في الإنسان، فلا تتحطم الأديان بتأثير العلوم والحضارة أبداً، والإيمان هو قُوَّة الحياة، ولا مجال لتصوّر إنسان بدون إيمان، كما لا مجال لتصوّره بدون حياة».

الإيمان والمصلحة الاجتماعية والاستغلال الطبقي:

عادل:

يؤكد بعض العلماء أنَّ الإيمان اخترع وسيلة لضبط تصرفات النَّاس ومنع الشَّر وحفظ المجتمع والقانون… فهو من هذه الجهة مفيد حقاً كوسيلة، لا أنَّه يعبر تعبيراً صحيحاً عن واقع.

أحمد:

لقد تأكد لنا من مطاوي البحوث السابقة أنَّ قضية وجود الله أمر قطعي لا ريب فيه، وما يُقال حولها من تخرّصات لا قيمة علمية لها.

ومثله قول بعض المتفلسفين: إنَّ الإيمان هو تكريس للاستغلال الطبقي… كأنَّ قضية الله إذا أسيء استعمالها من قبل المنحرفين، تصبح باطلة!!… وكأنَّ دين الله يكرس حقاً للاستغلال الطبقي وهو القائل:

{ … وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (34) يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ } (سورة التوبة 9/ الآيتان 34 ـ 35) .

7 ـ إرسال الرُّسُل

أحمد:

وشفع الله براهين الطبيعة والعقل بإرسال الرُّسل ليعرِّفوا النَّاس بوجود الله ووحدانيته وشريعته.

{ رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا } (سورة النساء 4/ الآية 165) .

عادل:

وما يدرينا؟ لعلَّهم غير صادقين؟

أحمد:

لدينا القرآن جاء به خاتمهم محمَّد ،وهو المعجزة المستمرة على صدق نبوَّته واتصاله بوحي السَّماء، فكلف نفسك عناء البحث فيه، يتضح لك نسبه الإلهي وتذعن للإيمان بالله.

إنَّ الله يؤكِّد وجوده عبر كتابين: كتاب الطبيعة وكتاب الشريعة.

ويتضح لنا وجوده عبر رسولين: رسول العقل ورسول النقل، أي الفكر والوحي، وما الرِّسالات والشرائع الإلهية إلاَّ تقويم لما اعوجَّ من فكر، وتقييم للموضوعية المتأثرة بالرواسب وظروف البيئة والعاطفة.

لا تفسير للكون عند الماديين

أحمد:

إنَّ الماديِّين لم يعطوا تفسيراً معقولاً للكون، وكل تفسيراتهم مفكَّكة لا يكمل حلقتها إلاَّ الاعتراف بالله.

وما لم يعترفوا بالله، فإنَّ عليهم أن يدلوا بتفسير أقرب إلى الصواب والمنطق من الإيمان بالله، وحينئذٍ لا بُدَّ لهم من إيجاد إله معقول إذا كان الله الخالق غير معقول!

وليبحثوا عن مخرج!

{ أَمِ اتَّخَذُوا آَلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ (21) لَوْ كَانَ فِيهِمَا آَلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (22) لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (23) أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ} (سورة الأنبياء 21/ الآيات 21 ـ 24) .

{ وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ } (سورة الحج 22/ الآية 71) .

عادل:

أراني مضطراً إلى التسليم القاطع بوجود الله، فتلك حقيقة ذهلت عنها زمناً، وشغلتني الأحداث. وها هي تظهر ناصعة جلية وإن تلبدت فوقها الغيوم قسطاً من الوقت.

لقد بدأت الآن أدرك مغزى قولك: «لقد وجدت في البحوث الدِّينيَّة وقضايا الإيمان عالماً حقيقياً وممتعاً. ولقد ارتاح ضميري وهدأت عواصف روحي».

وها أنا أيضاً هدأت عواصف روحي، وما تبقى منها في طريقه إلى التلاشي.

أحمد:

البحث عن الله والإيمان به هو جزء من طبيعة البشر، وعلى أساس تقرير هذه القضية من الإيمان بالله أو نفيه تتفاعل أُمور كثيرة في حياة الإنسان ونفسيته وسلوكه وتطلعاته، وعليها يتقرر مصيره.

المادية رجعية في الفكر والسلوك

أحمد:

من هنا، فإنَّ الإيمان هو دعوة إلى تحكيم المنطق والعقل والوجدان.

وبالإيمان يستردّ الإنسان شخصيته وموقعه في الوجود ويكمل حلقة كينونته.

والإيمان يعني الانسجام مع الوجود كُلِّه والتجاوب مع الفطرة في أجلَى مطالبها ومظاهرها.

نهاية المطاف

أحمد:

ويتضح لنا يا عادل في نهاية المطاف، أنَّ المادة ـ وهي في أعلى درجات تطورها كما في الإنسان ـ عاجزة عن تغيير نظام الكون وقوانينه، فهي في حال منشئها وبدائيتها وأدنى درجات تطورها ـ كما في الجماد ـ أعجز عن خلق قوانين الكون وسنن الطبيعة وتموين التطور والإبداع، وأنَّ هذه النسب الرياضية الكونية غاية الدقة هي دليل تلك القُوَّة العقلانية الَّتي تمسكها { إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا …} (سورة فاطر 35/ الآية 41).

عادل:

حقاً ما أروع الإيمان بالله. سأتذكر لك هذا الجميل، وسيبقى هذا اللقاء حيّاً في خاطري وروحي، وأتمنى أن نجدّد لقاءنا في صيفٍ قادم.

أحمد:

أحيي فيك أخلاقك وصبرك وجَلَدك، وأشكر إخلاصك للحقيقة، وأرجو أن تغضَّ النظر عمَّا صدر من تقصير أو خطأ أو جفوة، وإلى لقاء قريب إن شاء الله.

لبنان في 1392هـ/1972م

المصادر:

بحار الأنوار، ج3، ص63.

الكافي، ج1، ص138.

الكافي ج1 ص86.

بحار الأنوار، ج3، ص59.

بحار الأنوار، المجلسي، ج1.

بحار الأنوار، ج3، ص59.

عن الاحتجاج 1/27 ـ 44/20 وعن بحار الأنوار: 9/257. وعن التفسير المنسوب إلى الإمام العسكري 530/323 والحوار بين الحضارات في الكتاب والسنّة 102 ـ 104.

نهج البلاغة، الخطبة 179.

العُدد القوية لدفع المخاوف اليومية للعلاّمة الحلّي ص294، مكتبة المرعشي النجفي 1408هـ.

الكافي، ج1، ص72.

بحار الأنوار، ج64، ص142.

الكافي للكليني، كتاب التوحيد، باب حجج الله على خلقه، الحديث 1.

الكافي للكليني، كتاب التوحيد، باب النهي عن الكلام في الكيفية، الحديث 7.

التوحيد للصدوق، باب النهي عن الكلام والجدال، ص455، الحديث 5.

بحار الأنوار للمجلسي، ج3، باب إثبات الصانع والاستدلال، الحديث 18.

نهج البلاغة، الخطبة 179.

الاحتجاج للطبرسي، ج2، احتجاج الباقر بالأصول والفروع.

الاحتجاج للطبرسي، ج2، احتجاج الرضا في التوحيد والعدل.

بحار الأنوار للمجلسي ج4، باب جوامع التوحيد، الحديث 15، ص269.

نهج البلاغة، الخطبة 1.

الاحتجاج للطبرسي، ج2، احتجاج الصادق في علوم شتّى.

نفس المصدر.

بحار الأنوار للمجلسي، ج4، باب جوامع التوحيد، الحديث 26.

بحار الأنوار للمجلسي، ج5، باب القضاء والقدر والمشيئة، الحديث 27.

بحار الأنوار للمجلسي، ج3، باب نفي الزمان والمكان والحركة، الحديث 36.

بحار الأنوار للمجلسي، ج30، باب في ذكر ما كان في حيرة الناس.

الاحتجاج للطبرسي، ج2، احتجاج الصادق في أنواع شتّى من العلوم.

أتذكر أني زرت كولومبيا بدعوة من الجالية اللبنانية هناك في الثمانينات من القرن العشرين، وبعد إنهاء برنامج الزيارة اقترحت أن أزور الهنود الحمر في الغابات للاطلاع على ديانتهم، فتمنَّع الناس ونصحوني بعدم القيام بتلك الرحلة الخطِرة، ولكنني أصررت، فذهب معي مجموعة من الشباب والحرس إلى غابة قريبة، والتقينا بقبيلة هناك، ودار حديث مع أفرادها عن حياتهم وديانتهم، فنفوا ارتباطهم بأي ديانة..

وحينما سألتهم: هل تعتقدون بوجود الله؟

قالوا: نعم (وهذا ما يؤكّد فطرة الإيمان بالله).

قلت لهم: هل رأيتموه؟

قالوا: كلا! ليت أننا نستطيع أن نراه!

قلت لهم: كيف تتزوجون؟ (حيث لا يوجد دين ولا قانون يرعى أحكام الزواج).

قالوا: يشتري أحدنا المرأة وتبقى عنده سنتين أو ثلاثاً ثم يبيعها لغيره، وإذا أنجبت له أولاداً لا يبيعها أبدا!!

سألتهم: كم ثمن المرأة؟

فأخبروني بعملتهم، وعلمت من الأخوة الذين معي أنّ ثمن المرأة يتراوح بين 100 دولار إلى 300 دولار!.

ثم عرضت عليهم الإسلام فوافقوا وأسلموا جميعاً، وكنّا قد جلبنا معنا شيئاً من الثياب والهدايا والحلوى لهم فوزعناها عليهم، وكلفنا لجنة من الجالية بالاهتمام بأمورهم وتعليمهم أحكام الإسلام وحلّ مشاكلهم..

وعلمت فيما بعد أنهم أدخلوا المئات من الناس في منطقتهم إلى الإسلام..

المؤلف

حوار حول الله والمادة

مطارحات في الوجود الإلهي والإلحاد العصري

العلاّمة الشيخ عبد اللطيف برّي

جميع حقوق الطبع محفوظة

الطبعة الثانية

1423 هـ 2002م

مقابلات

أخبار ومناسبات

بيانات