حوارات عقائدية

يشكل هذا القسم حوارات عقائدية تعالج الإختلافات بين…

بين الإسلام واليهودية

* منهج الحوار بين أهل الأديان السماويّة * هل ور…

مسائل الفقه العملي

يتناول هذا الكتاب العديد من مواضيع الفقه العملي ال…

اسئلة حول الإسلام

تتناول هذه الزاوية اسئلة وإجابات حول الإسلام، وقد …

شؤون الأسرة

تتناول هذه الزاوية شؤون الاسرة وتنقسم إلى عدة فروع…

الاستفتاءات

يتناول هذا الباب العديد من الاستفتاءات التي يجيب ع…

«
»

كلمة سماحة المرجع الديني في الليلة الأولى من عاشوراء-1435هج

فاجعة كربلاء حددت الهوية الإسلامية

قبل ساعات قليلة، دخلنا في سنة 1435 للهجرة النبوية. والهجرة النبوية حصلت بعد نزول الوحي على رسول الله (ص) بثلاث عشرة سنة، حيث بقي النبي(ص) في مكة ثلاث عشرة سنة يدعو الناس والمشركين إلى الاسلام ثم بعد ذلك هاجر إلى مكة. وفي زمن الخليفة الثاني، جلس المسلمون يـبحثون كيف يسجلون التاريخ. فكانت هناك أفكار وآراء عديدة لتسجيل التاريخ، بعضهم ذكر أن يتم تسجيل التاريخ  وفق التاريخ الرومي.. وهكذا انطلقت نظريات عديدة من قبل الأصحاب ومن قبل شخصيات إسلامية لتسجيل التاريخ. ولكنَّ الامام علياً (ع)، كما ورد في الأخبار، اقترح أن يكون تسجيل التاريخ منذ هجرة النبي محمد (ص) من مكة إلى المدينة. وهكذا بدأ المسلمون يُسجِّلون التاريخ بهجرة النبي (ص). وقد مضى على هذه الهجرة 1434 سنة، وقبل ساعات دخلنا في سنةٍ هجريةٍ جديدة. كثيرون يحتفلون بدخول السنة الجديدة ونحن لا نحتفل بالسرور والبهجة بالسنة الجديدة، لأن ذكريات كربلاء وفاجعة كربلاء تبدأ منذ هذه الأيام بالسنة الجديدة الهجرية القمرية من كل سنة. وبذلك نُغَلِّبُ محبة أهل البيت (ع) ووفاءَنا لهم ومحبتـنا لهم على مجرد الفرح والسرور بدخول سنةٍ جديدةٍ. وهكذا خصوصاً أحباب أهل البيت (ع)، إنهم يهرعون في هذه الليالي إلى إقامة المآتم الحسينية. كم سنة مرت على فاجعة كربلاء؟ حصلت فاجعة كربلاء سنة واحد وستين للهجرة، إذا أنقصنا 61 من 1435 سنة يكون الباقي حوالي 14 قرناً إلا ربع قرن مرَّ ومضى على فاجعة كربلاء حتى الآن. وإذا دققنا في هذه الفاجعة المدوِّية في تاريخ الاسلام وتاريخ العرب وتاريخ العالم، نلاحظ ملاحظات تميّز هذه الذكرى وهذه الفاجعة. أولى الملاحظات أن هذه الفاجعة شكَّلت مفرقاً إستراتيجياً في تاريخ الاسلام. وتعلمون بأن التحديات الكبيرة تكشف الناس، فقبل التحديات الكبيرة يختلط الناس ببعضهم البعض ويتجاملون ولا توجد بينهم تميّزات ولكن حينما تحصل حوادث كبيرة واستراتيجية فإن الناس مضطرون إلى اتخاذ مواقف إزاءها، وبذلك يتمايزون.

تصوروا حينما هاجمت اسرائيل لبنان سنة 2006، كثيرٌ من الناس الذين لم يكونوا يعبأون بهذه القضايا اضطروا إلى اتخاذ المواقف الواضحة. حتى البعض الذي كان يشمت ببعض اللبنانيين وأنهم سيتلقون درساً قاسياً من اسرائيل، ظنوا أن اسرائيل ستقوم بدور الجلاد، ولكن اسرائيل باءت بالفشل ورجعت خاسئة يائسة.

(يُرِيدُونَ أَن يُطْفِؤُواْ نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ) التوبة 9/ 32.

الذي حصل أنَّ أولئك الشامتين، اضطروا إلى التظاهر بأنهم يرفضون اسرائيل ودخولها إلى لبنان. منهم من تظاهر عن حق ومنهم من تظاهر شكلياً وانكشف فوراً.

إن الحوادث الكبيرة والاستراتيجية في تاريخ الأمم، تصبح مفرقاً وتميّز بين الناس. لنفترض أن الناس كانوا يسيرون على أتوستراد كبير ثم وصلوا إلى مفترق طرق.. فلا بدَّ أن يفترق الناس كلٌّ يسير في طريقه الخاص.

وقد شكلّت فاجعة كربلاء هذا المفرق الهام جداً في تاريخ الاسلام، حيث إنها غربلت هويّة المسلمين. كانت الهوية الاسلامية غائبة، غير واضحة ومختلطة يختلط فيها الحابل بالنابل. وما إن وقعت فاجعة كربلاء، حتى تمايز الناس. فمنهم من أعلن أنه مع الامام الحسين(ع) ومع أهل البيت(ع)، ومنهم من أعلن أنه مع العدو ومع يزيد ومع ابن زياد ومع الظلم ومع الظالمين. حتى أولئك الذين حاولوا أن يكونوا على الحياد، لم يستطيعوا أن يكونوا على الحياد، إلاّ من فرّ من الناس وذهب إلى الصحارى والقفار. وحتى أولئك الذين فروا وذهبوا إلى الصحارى والقفار حتى لا يشاهدوا مأساة كربلاء ومحنة أهل البيت(ع)، ندموا بعد ذلك ندماً شديداً كيف فاتـتهم هذه الكرامة العظيمة في الدفاع عن الحقّ والاسلام والدفاع عن أهل بيت رسول الله(ص).

حتى نجم عن ذلك ثورة التوابين في الكوفة وما حصل بعد ذلك من تحركات هائلة وكبيرة، أدت إلى الأخذ بالثأر وما إلى ذلك حتى سقط الأمويون.

فمن مميزات فاجعة كربلاء، أنها تشكل مفرقاً مهماً في تاريخ الأمة. ومن مميزاتها أنها حدَّدت الهوية، فإما أن يكون الانسان مع الضلال ومع الظلم ومع البغي، وإما أن يكون مع الحق ومع العدل ومع قيم الاسلام. ومن مميزات هذه الفاجعة انشداد البشرية والانسانية إليها لما فيها من روائع الملاحم والبطولات والايثار والحب والانسانية والسمو العالي الهائل في معسكر الامام الحسين(ع) وأهل البيت(ع)، وما فيها من وحشية وشراسة وعنف ودناءة في معسكر الأعداء، جعلت البشرية تـنشدُّ إلى فهم ذلك الصراع وفهم تلك الفاجعة. وجعلت من خط الامام الحسين(ع) مدعاةً لانشداد قلوب الملايين إلى هذه النهضة السامية، والدعوة إلى الحرية الكاملة والدعوة إلى الاصلاح وتحقيق العدل والعدالة بين الناس، والدعوة إلى الحكم والسلطة العادلة المُصلحة التي تخدم الأمة وتخدم الشعب وتعمل في سبيل الانسان وخدمته وترضي الله تبارك وتعالى.

ومن جملة مميزات هذه الفاجعة أنها نمت وتعاظمت وفق أسرارٍ عجيـبة وغريـبة. من هذه الأسرار أن الله تبارك وتعالى حفظ هذه المسيرة في التاريخ على الرغم من المواجهات الشديدة التي قامت من حكام العصور من ملاحقة مجالس الامام الحسين(ع) ومراسم عزائه (ع). بل إن هارون الرشيد حاول أن يطمس قبر الامام الحسين (ع)، فهدم قبره بل وذهب إلى شجرة السدر فوق القبر واجتثها من جذورها حتى لا يأتي أحد لزيارة الامام الحسين(ع)!! ومنع إقامة المآتم حتى في بيوت الموالين وليس فقط في المساجد أو في الأماكن العامة!!

مع الأسف إلى الآن في بعض الخليج يُمنع الموالون والمحبُّون لأهل البيت (ع) من إقامة العزاء حتى في البيوت!! ومع ذلك فالبعض يقيمها في السر!!

إذاً لقد انشدّت البشرية بإذن الله وبإرادة الله وبقدرة الله الى هذه المسيرة لتصل إلى هذا العصر وتتـنامى وتتعاظم. وهذا أحد أسرار هذه المسيرة وهذه الشعائر. ومن جملة أسرار هذه الشعائر، أنها تُعبِّر عن آلام المضطهدين والمظلومين والمشردين.. وهذا ما تطمح إليه الشعوب والبشرية جمعاء. فما أكثر المشردين في أنحاء الأرض! وما أكثر المعذبين!  وما أكثر المحرومين وما أكثر المستضعفين! وما أشدَّ الفراعنة والديكتاتوريين والمستبدين والظالمين!

وهكذا نجد أن هذه النهضة الحسينية تُشكِّل أملاً للأمم وللعالم، ونحتاج وقتاً طويلاً إذا أردنا أن نُعدِّد مميزات هذه النهضة الحسينية العظيمة الخالدة. واللافت أن مميزات هذه النهضة تتسع في كل سنة أكثر من السنة التي قبلها، على الرغم من الحرب الشعواء التي تُشنُّ على مجالس الامام الحسين (ع) وقد تحدَّثنا قبل قليل ماذا فعل هارون الرشيد. وكذلك قام المتوكل العباسي بهدم قبر الحسين (ع) وسلط الماء عليه ليمحو أثره حتى لا يستطيع أحد أن يعرف أين قبره. وفُرض أحياناً السجن على من يزور قبر الحسين (ع) والقتل لبعض زوار الامام الحسين(ع). والحقيقة أننا كنا نتصوَّر أن هذه القصص هي من مبالغات التاريخ حتى أصبحنا نرى الآن التفجيرات المتلاحقة لقتل زوار أهل البيت(ع).  وما قصة أعزاز وخطف الزوار التسعة، إلا واحدة من هذه القصص. ولكن على الرغم من كل التفجيرات للزوار فإنهم يتكاثرون ويتحولون إلى ملايين وأحياناً تجد زوار الإمام الحسين (ع) أكثر من حجاج بيت الله الحرام!! تراهم يُهرعون إلى زيارة الامام الحسين (ع) فمنهم من يمشي على قدميه ومنهم من يسير بالسيارة ومنهم من يصل بالطائرة. الكل رجالاً نساء أطفالاً صغاراً كباراً، يهرعون لزيارة الامام الحسين (ع) والتقرب إلى الله بحب الامام الحسين(ع). وكيف لا ولو أن للحجر قلباً لرعف بالدم ولتحرك ألماً لمأساة وفاجعة كربلاء. ولذلك نجد أن هذه السيرة تتسع الآن في أنحاء العالم سنة بعد سنة فتشمل العراق وإيران ولبنان وسوريا وتركيا وباكستان وأفغانستان والصين والتِّبت وجزر الهند الشرقية وأميركا وأوروبا وأفريقيا وأوستراليا… تتسع بالكمية وتتعاظم بالنوعية على مستوى فلسفة هذه المأساة، وتعاظُمِ مدرستها والتحليل الفكري والتحليل العقيدي الاجتماعي والسياسي والانساني والعاطفي لهذه المأساة. وها نحن نشاركُ أهل البيت سلام الله عليهم ورسول الله (ص) والمسلمين كافَّة والانسانية، نشارك في إقامة هذه الشعائر وهذه المراسم الحسينية وأنتم تشاركون.

عظَّم الله أجوركم وأحسن الله لكم العزاء.

مقابلات

أخبار ومناسبات

بيانات