حوارات عقائدية

يشكل هذا القسم حوارات عقائدية تعالج الإختلافات بين…

بين الإسلام واليهودية

* منهج الحوار بين أهل الأديان السماويّة * هل ور…

مسائل الفقه العملي

يتناول هذا الكتاب العديد من مواضيع الفقه العملي ال…

اسئلة حول الإسلام

تتناول هذه الزاوية اسئلة وإجابات حول الإسلام، وقد …

شؤون الأسرة

تتناول هذه الزاوية شؤون الاسرة وتنقسم إلى عدة فروع…

الاستفتاءات

يتناول هذا الباب العديد من الاستفتاءات التي يجيب ع…

«
»

كلمة سماحة المرجع الديني في الليلة الثانية من عاشوراء-1435هج

البكاء مدخل إلى الهداية الروحية

يقول الله تعالى في وصفه نبيّه يعقوب (ع) بعد فقدانه ولده يوسف (ع): (وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ) يوسف 12/ 84. ويقول تعالى عن هؤلاء الذين فاتـتهم المشاركة في عمل الخير والجهاد في سبيل الله: (وتَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا) التوبة 9/ 92. ويقول تعالى في وصف القساوسة والرهبان الذين سمعوا آيات القرآن فتأثروا بها تأثراً بالغاً: (وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ) المائدة 5/ 83.

نتحدثُ في هذه الليلة عن ظاهرة البكاء في مجالس الامام الحسين (ع) لأننا نسمع بين فترةٍ وأخرى فلسفاتٍ وأفكاراً تـنطلق من هنا وهناك لتـنتقد ظاهرة البكاء على الامام الحسين (ع)!! فكأنَّ هؤلاء المنتقدين يريدوننا أن نتحدث عن التاريخ كأرقام أو كمجموعة أحجار أو كمتحجرات ومستحثَّات، أو كأننا نتحدث عن الأهرامات وعن أبي الهول وعن أعمدة بعلبك!! أو كأننا نتحدث عن الجيولوجيا وطبقات الأرض وما إلى ذلك. أولئك الناس لا يفهمون معنى قراءة التاريخ لأن التاريخ مرة يكون تاريخ المتحجرات وتاريخ الطبيعة، ومرة يكون تاريخ الانسان. وحينما يكون التاريخُ تاريخَ الانسان فلا بد أن نقرأ الانسانَ بكل عواطفه: بغضبه، بسروره، بحزنه، بفرحه، وحتى أيضاً بنزواته وبسقوطه وبِخِسَّتِه أو برفعته وسموّه وبطولته.. هذا هو الانسان. فحينما نقرأ التاريخ بهذا الشكل، فإننا نقرأه بدقةٍ وبموضوعيةٍ وبأكاديميةٍ. والدليل على ذلك أننا حينما نقرأ قصة من القصص أو مسرحية من المسرحيات، كلما أثارت تلك القصة أو المسرحية حزننا أو ألمنا أو إعجابنا أو حماسنا أو شعورنا بالعزة والفخر، كلما كانت هذه القصة والمسرحية ذات دورٍ عالميٍّ عظيمٍ ورائعٍ على المستوى الفني والمستوى الانساني والمستوى القصصي والمستوى المسرحي.وكلما تحولت القصة إلى قصة خشبية وحجرية ولم تؤثر فينا، فلا تكون تلك القصة والمسرحية ناجحة بل تكون فاشلة. أولئك الذين لا يريدوننا أن نبكي الامام الحسين (ع) حينما نستمع إلى سيرته المقدّسة وفاجعة كربلاء، كأنهم يريدوننا أن نتحدث عن المتحجرات والخشبيات!! كلا ليست هذه سيرة الامام الحسين (ع) وليست هذه فاجعة كربلاء.. لأن فاجعة كربلاء حاشدة بالصُّوَر اللاهبة، صوَر الأبطال، صوَر الشجعان، الصور الملحمية الرائعة، صور أولئك العطشى الأطفال الذين تشققت شفاهم من العطش، صورة القتلى من الرجال والشبَّان والصغار، صورة أولئك البشر الملائكة الغرباء المحاطين من أعدائهم من كل جهة؛ الذين تشتعل النيران في خيامهم في نهاية المعارك… حينما نقرأ هذا الحدث كبشر بغضِّ النظر عن كوننا موالين للنبي ولأهل البيت صلوات الله وسلامه عليهم.. نتأثر كبشر وتـنهمر دموعنا!!

ومن هنا كانت سيرة الامام الحسين (ع) جاذبةً للبشرية وللعالم من كل الأديان ومن كل الطوائف ومن كل الأعراق. حتى أن بعض الشعراء الأوروبيين نظروا في أحداث كربلاء فكتبوا شعراً وكتاباتٍ أدبيةً مهمة. فنحن لا نتطلع إلى فاجعة كربلاء بنظرةٍ سطحية بل بنظرةٍ إنسانيةٍ وبالاضافة إلى ذلك بنظرةٍ روحيةٍ مواليةٍ للنبي (ص) وأهل بيته (ع). من هنا نفهم لماذا ركَّز أئمة أهل البيت (ع) على ظاهرة البكاء وأن (من بكى وتباكى وجبت له على الله الجنة)! لأن البكاء دافعٌ للعاطفة الروحية والعاطفة تدفع إلى التأثر ثم إلى الممارسة فإلى الموقف فإلى الحماس الذي يُنتج الموقف الأخلاقي والموقف الاسلامي والموقف الروحي والموقف الديني. هكذا يكون البكاء مدخلاً إلى الهداية الروحية وإلى الصلاح وإلى الاستقامة في حياة الانسان. ونحن نشاهد أن مجالس الامام الحسين (ع) خرَّجت ألوف البشر الذين أحبوا الله ورسوله (ص) والتزموا بالاسلام وبالقرآن، وكانت مجالس الامام الحسين (ع) هي المدرسة التي ترشدهم وتهديهم.. حتى أن عظيماً من عظماء هذا  العصر وهو الامام الخميني رضوان الله عليه كان يقول إن كل ما عندنا من عاشوراء. عشر ليالٍ كل ليلة ساعة ونصف من الفكر والثقافة والمعرفة والتاريخ، خزينٌ مهم. فكيف إذا لاحظنا أن بعض البلاد الموالية لأهل البيت (ع) تُحيي أربعين يوماً، أربعين ليلةً من ليالي العزاء عن الامام الحسين (ع) وكلها محاضرات وتفسير للقرآن وللسنَّة النبوية ولتاريخ الاسلام ولأقوال أهل البيت (ع) وحياة أهل البيت (ع). مما لا يُتاح في أي مدرسةٍ أخرى من مدارس المسلمين أن يأخذوا كل هذا الخزين بهذه السرعة، وكل هذا نراه في مجالس الامام الحسين(ع).. بالاضافة إلى المجالس التي تتردد في الفواتح وفي أسابيع الحزن وفي مناسبات الحزن على مدار السنة، وأيضاً في مناسبات أئمة أهل البيت(ع). كل هذا يُشكِّلُ جامعةً سيَّارةً (الجامعات السيارة تتم اليوم عبر الانترنت وعبر التلفزيون وعبر الراديو لتعليم الكثير من القضايا لأن الناس لا يمتلكون الوقت باستمرار للذهاب إلى الجامعات).

ولكن هذه الذكرى تهيئ لنا ملايين البشر الذين يندفعون من مشارق الارض ومغاربها لحضور مجالس الامام الحسين(ع). ومن هنا فإن قضية كربلاء تُهيئ لنا فرصةً عظيمةً لتقديم الاسلام بشكله الصحيح، وتُهيئ لعلماء الأمة ومرشديها وللدعاة وللمصلحين وقتاً ذهبياً ثميناً لتقييم الثقافة والمعرفة الاسلامية. ويكون البكاءُ وتكون العاطفةُ ممزوجةً بكل هذا المزيج الملتهب المهم من الأحداث المثيرة التي تشد الصغير والكبير، والمرأة والرجل. ولهذا نحن لا نرى أن هذه الظاهرة هي ظاهرةٌ كلاسيكية أو تقليدية أو طقوسية، لأن الطقوس أمورٌ بلهاء يقوم بها الانسان وهو لا يُدرك معناها. الذين يفهمون أن مجالس الامام الحسين (ع) هي طقوس لا تـنطوي على فهم أو فكر أو فلسفة أو علم أو ثقافة أو معرفة أو قيم.. أتوا فقط ليحصلوا على ثواب أو لرفع العتب عنهم أمام الناس! كلا!! فإن مجالس الامام الحسين (ع) مدرسة، بل أكثر من ذلك.. هي تحولات هائلة في حياة الانسان.. أما الشخص الذي ينتهي محرم ولا يكون قد نما روحياً وفكرياً وثقافياً وأخلاقياً وإسلامياً ودينياً وحضارياً، فيكونُ قد حضر طقوساً ولم يحضر مجالس الامام الحسين (ع). يجب أن نقيسَ المسافة بين ما قبل عشرة محرم وما بعد عشرة محرم.. فإذا كنا قد امتلكنا هذا التحول الهائل في القلب والعقل والضمير والروح والعلائق الاجتماعية والانسانية والفكرية، نكون قد استفدنا من هذه المناسبات استفادةً صحيحة. ولا شك أن ذلك يتصل أيضاً بالعالِم الذي يُقدِّم الفكر في تلك المجالس والخطيب الحسيني الذي يقدم الفكر والمعرفة والصورة الحسينية للناس.. فإذا كان من يقدِّم هذه الاشياء لا يمتلك المعرفة، حينئذٍ لا يستطيع المساعدة في صنع التحول المأمول، لأن فاقد الشيء لا يعطيه. ومن هنا أهمية أن يكون مشايخنا وعلماؤنا وخطباء المنبر الحسيني على مستوى عالٍ من الثقافة والمعرفة وقوة التركيز والموضوعية والأكاديمية، حتى تعطي هذه المجالسُ تمام فائدتها وتمام نتائجها.

أمرُ أهل البيت (ع)

من هنا فإن أئمة أهل البيت(ع) ركَّزوا على عدة نقاط في هذه المجالس. فقد ركَّزوا على دور المنشدين الذين يمتلكون أصواتاً مؤثرة جداً في رواية أحداث كربلاء ومسيرة كربلاء، والذين يقرأون الشعر بطريقةٍ مؤثرة.. والحمد لله عندنا منشدون وقُراء في المجالس الحسينية نفتخر بهم. وركَّزوا أيضاً على إحياء أمر أهل البيت (أحيوا أمرنا رحم الله من أحيا أمرنا). وما هو أمرُ أهل البيت (ع)؟ هو أمر الاسلام، هو أمرُ الخير، هو أمر حقوق الانسان، هو أمرُ العدالة، هو أمرُ الحرية الكريمة الاسلامية، هو أمرُ الاصلاح بين الناس، هو أمر السمو والرفعة والتمدُّن والتقدم.. هذا هو أمرُ أهل البيت(ع).

نسأل الله تبارك وتعالى أن يوفقنا بالاستفادة أكثر فأكثر من مجالس الامام الحسين (ع) وأن تكون فعلاً ذلك المشعال الذي أراده النبي (ص) وأهل البيت (ع) والاسلام مضيئاً لدروب التاريخ، ودروب الحرية، ودروب الكرامة؛ لنا وللإنسانية جمعاء.

مقابلات

أخبار ومناسبات

بيانات