حوارات عقائدية

يشكل هذا القسم حوارات عقائدية تعالج الإختلافات بين…

بين الإسلام واليهودية

* منهج الحوار بين أهل الأديان السماويّة * هل ور…

مسائل الفقه العملي

يتناول هذا الكتاب العديد من مواضيع الفقه العملي ال…

اسئلة حول الإسلام

تتناول هذه الزاوية اسئلة وإجابات حول الإسلام، وقد …

شؤون الأسرة

تتناول هذه الزاوية شؤون الاسرة وتنقسم إلى عدة فروع…

الاستفتاءات

يتناول هذا الباب العديد من الاستفتاءات التي يجيب ع…

«
»

معرفة الله

وجود الله

المؤمنون والملحدون يقولون بوجود الخالق:

اتفق المؤمنون والملحدون على أن لهذا الوجود أصلا وخالقا انبثقت عنه الأشياء وهو لم ينبثق عن شيء بل فيه الكفاءة المطلقة ليكون خالقا غير مخلوق .. وهو أزلي أي ليس له بداية، وأبدي أي ليس له نهاية، وأن من طبيعته الخلق ولا يحتاج إلى موجد، وهذا الخالق واجب الوجود لإنه في أساس الأشياء جميعا، أي أنه يحمل سبب وجوده واستمراريته من داخل ذاته لا من سبب خارج عنه … فهو غني بالقوة والقدرة غنى مطلقا دائما … كان ولا يزال وسيبقى للأبد. وأن من طبيعته أن يكون خالقا غير مخلوق. فكما أنه لا يقال ( لماذا كانت الثمانية زوجا ولماذا كانت النار حارة ولماذا كان الثلج باردا ) لأن الزوجية والحرارة والبرودة من طبيعة هذه الأشياء، فكذلك لا يقال ( لماذا كان الإله خالقا غير مخلوق، أزليا لا خالق له، أبديا لا نهاية له ) لأن الخالقية والخلق والأزلية والأبدية من صميم طبيعته ووجوده لذلك لا يصح أن نسأل ( من خلق الإله ؟ ) لأن ذلك يعني أننا نقيس وجود الخالق على وجود المخلوق، مع أن للخالق صفات تخالف صفات المخلوق. ولو قلنا أن للخالق خالقا لبرز نفس السؤال مرة ثانية ومن خالق الخالق؟ ومرة ثالثة ورابعة وخامسة إلى ما لا نهاية. فلو قلنا أن لخالق الخالق خالقا … وخالقا آخر وهكذا … لما أمكن حينئذ أن يوجد أي خالق لأن أي خالق نفترض وجوده – والحال هذه – لابد وأن نفترض وجود خالق له فلا يكون هنالك منطق أساس تقف عنده سلسلة الخلق وبالتالي لا نصل إلى نتيجة منطقية بل نسقط في تسلسل دائم وفراغ مستمر حيث أصبحت كل سلسلة الخالقين لا يمكنها أن توجد من نفسها بل لابد أن يكون لها أصل واحد لا يوجد له أصل سابق عليه. هذا الأصل الأساس هو الإله وإلا لما وجدت كلها أبدا مع أنها موجودة، فلا بد أن يكون هذا الأصل موجودا لم يسبقه ولم يخلقه شيء، لإنه كان منذ القدم وهو باق إلى الأبد، وهذا معنى قولهم أن الإله واجب الوجود. مثل أحمد له اب وأبوه له أب وكل منهم يحتاج في وجوده إلى غيره فلا بد أن تصل المرحلة إلى خالق للكل لم يخلقه احد هو الإله، ولو لم تصل المرحلة إلى الإله لما أمكن أن يوجد أحمد وأباؤه … ولما كانو موجودين فعلا وجب أن يكون هناك إله خلق الكل ولم يخلقه أحد.

ومثال آخر

لو قال لك صديقك: أدخل أيّ باب بشرط أن تدخل قبله بابا سابقا. فهل تستطيع تلبية هذا الطلب وتدخل بابا من الأبواب؟

كلا لأن ذلك مستحيل بدون بداية ..

كذلك لو قلنا أن أي خالق لابد وأن يكون له خالق سابق، ففي هذه الحال يمتنع أن يوجد مخلوق كما امتنع دخول كل الأبواب، ولمّا كنا قد وجدنا أنفسنا دخلنا بابا فلا بد أن هناك بابا أساسيا دخلناه ولم ندخل قبله بابا سابقا، فكذلك لابد أن يكون هنالك خالق أساس هو أساس الأشياء في الخلق.

لهذا كله نقول اتفق المؤمنون والملحدون على أن لهذا الوجود أصلا وأساسا انبثقت عنه كل الأشياء ولم ينبثق هو عن شيء، واختلفوا في تسميتيه وأوصافه ومعناه عن أراء كثيرة ومتفاوتة يجمعها ثلاثة اتجاهات:

من هو الخالق ؟ هنالك ثلاثة اتجاهات:

1- قال المؤمنون: الله هو الخالق وهو ذات واعية قادرة على التصميم والإرادة والخلق والإتقان وأحكام الصنع. وهو غير الطبيعة.

2- وقال الملحدون: المادة هي الخالق من خلال الطبيعة وموجوداتها وهي غير واعية ولا عاقلة.

3- وقال أصحاب وحدة الوجود: الله الممتزج بالمادة في وجود واحد هو الخالق.

ويكفي أن نعرض أدلة المؤمنين على وجود الله لإنها بحد ذاتها دليل على بطلان أدلة الملحدين الذين لا يملكون في الواقع دليلا واحدا على نفي وجود الله إلا شبهة أزلية المادة.

الله هو الخالق

استدل المؤمنون على وجود الله بأدلة منها:

1- النظام: أن نظام الكون وهندسته العجيبة تدل على عقل هندسها وكوّنها، والطبيعة لا تعقل، فلا بد أن يكون الخالق شيئا غير الطبيعة، وإلى هذا تشير الأية الكريمة:

( ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت فأرجع البصر هل ترى من فطور ). ( أن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب ). ( أن الله يمسك السماوات والأرض أن لا تزولا ).

2- القصد والغاية: أن كل ما في الكون يؤدي عملا ويتجه إلى غاية منطقية، فالأفلاك تسير لتحدث الليل والنهار والفصول إلخ. والسماء تمطر ليشرب الإنسان ويطلع النبات والغذاء، وكل جارحة من جوارح الإنسان انيطت بها مهمة وغاية منطقية، فالأذن للسمع والعين للبصر والأسنان للأكل والذكر والأنثى لاستمرارية الحياة، وذلك يدل أن الخالق يتصف بالإرادة والتدبير والحكمة. والمادة في الطبيعة لا تتصف بذلك فالخالق شيء غير الطبيعة. وإلى هذا الدليل تشير الآية الكريمة:

(قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ ؟؟ )

(قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ ؟ ) ( القصص \ 2871-72)

ولو كانت ” الصدفة ” العمياء ” أو ” التطوّر ” الذي لا يملك عقلا هو الذي خلقنا لوجب أن يولد كثير من الناس برؤوس عديدة، وكثيرون بأجسام بلا رؤوس، وأخرون برؤوس دون أجسام، أو أيد تتحرك بدون أجساد، وأشخاص بعشرات العيون ومئات الأذان وعشرات الأرجل، وحمير برؤوس بشر، أو بشر بأجسام حمير، وفرس وجهه وجه إنسان وسمكة تتكلم، إلخ .. ولما جاز أن يتكرر الشكل الواحد باستمرار.

3- الفطرة والضمير: أن مشاعر الإنسان وفطرته تتجه ولا سيما في ساعة الحرج والألم إلى حقيقة كونية عليها يهتف بها قلبه ويلتجئ إليها ضميره .. ويمتلك الإنسان شعورا خفيا بوجود قوة كونية عاقلة تعاقب وتجازي على أعمال الظلم ..

وشعورنا بالله من داخل النفس قائم مثلما هو قائم من خلال العالم … وإلى مثل هذا الدليل الروحي الداخلي تشير الآية:

(سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) فصلت \ 4153

(فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ) ( الروم \3030 )

وقد تشير إلى هذا المعنى الآية الكريمة:

(وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آَدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ) ( الأعراف \7172 )

4- ارسال الرسل: شفع الله براهين الطبيعة والعقل والنفس بإرسال الرسل ليؤكد وجوده تعالى عبر كتابين: كتاب الطبيعة وكتاب الشريعة، وإلى ذلك تشير الآية:

رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا) ( النساء \4 165)

وحدة الوجود

قال قوم بأن الله مندمج في الطبيعة فجمعوا بين الإيمان والإلحاد .. واعتبروا تشكّلات الطبيعة مظاهر لله، وقالوا بأنه متحد في الطبيعة كالروح في البدن والزيت في الزيتون، وهذا يعني أن الله هو الطبيعة وأن الطبيعة هي الله، أي نفس النتيجة التي وصل إليها الملحدون ولكن بأسلوب مهذب وعلى أساس عقلنة الطبيعة .. والواقع أننا لا نجد العقل والوعي والإرادة، داخل المادة حتى نقول أن ذات الله منتشرة أو كامنة فيها .. ولا يوجد عاقل يقول أن مواد الطبيعة كالهواء والنار والأحجار والماء والأشعة والطاقة تفكر وتعقل وتشعر كالإنسان تماما .. ولو كان الأمر كذلك لوجبت عبادة الأصنام لأنها أيضا جماد من نفس تلك المادة، ولا يؤمن الملحدون الحقيقيون بعبادة الأصنام.

وإذا كان الإنسان بعقله الخلّاق وفكره الثاقب عاجزا عن تغيير قوانين الكون وتعديلها، فكيف ندّعي أن مواد الطبيعة العمياء الصماء هي التي وضعت قوانين الكون أساسا أو أن الله مندمج فيها مع أنها تعمل بدون إرادة بشكل آلي؟ أليس ذلك تعظيما للمادة وتصغيرا لله؟ تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا .. اجل نستطيع أن نقول أن قدرة الله محيطة ومتغلغلة في كل شيء وأنها تتجلى في روائع الخلق والمخلوقات، وهذا لا يدل على وحدة الوجود، وإنما يدل على أن الطبيعة واقعة تحت قدرته تعالى يصنع قوانينها ويدبر أمرها، وإلى ذلك أشارت الآيات:

(إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ) ( فاطر 35\41)

(وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا) ( النساء 4\126 )

(وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ) ( الواقعة 56\ 85 )

(وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ) ( البقرة 2\ 186 )

هل الله جسم ؟

ومن هنا نرفض القول بأن الله جسم وأن الله يرى يوم القيامة وأن ذات الله حلت في جسد عيسى بن مريم ( عليه السلام )، ذلك لأن الجسم خاضع للقوانين الفيزيائية من الجذب والحركة والكتلة والكثافة والتركيب والتحليل والوجود والفناء والتطور والزمان والمكان، وهذه تجعله نسبيا مكبلا بالقواين الفيزيائية عاجزا لا يملك قدرة كلية مطلقة شأنه شأن الشمس والقمر والأجرام والكتل والنباتات، وهي كلها محدودة خاضعة للقوى الخارجية محكومة لها متأثرة بها. أما الله فهو كلي القدرة فلابد أن يكون غير جسم، ولو كان جسما بطل كونه إلها. وجاء عن الإمام الرضا عليه السلام.

أنه أكّد لملحد نفى وجود الله لأنه لا يراه:

( إننا آمنا به لأنه لا يرى ولو كان يرى لما كان إلها ). وإلى هذا تشير الآية وهي تؤكد أن الله تعالى لا يرى:

(لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) (الأنعام 6\103)

أما الآيات القرآنية التي أعطت لله تعالى أوصافا جسدية مثل (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى)(طه 20\5) (وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا)(الفجر 89\22) (يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ)(الفتح 48\10) فليس المقصود بها المعنى الحقيقي، وإنما المقصود بها المعنى المجازي الذي يقرب الصورة إلى الأذهان كمن يقول ( يدي طويلة ) ويعني أنه قادر على تناول الأشياء بسهولة.

صفات الخالق

لما كان الكون عبارة عن معادلات رياضية وقوانين شديدة التعقيد تتجه نحو أهدافها وغاياتها بقدرة عجيبة ألجأنا ذللك إلى الإيمان بأن تلك القدرة الكامنة في الوجود تدل على صفات عظيمة جدا ومدهشة كالوعي والإرادة والحكمة في أعظم أشكالها. ولما فحصنا مواد الكون كالأحجار والتراب والماء والهواء والذرة والنار والغاز والطاقة إلخ … لم نجد أنها تمتلك عقلا أو وعيا أو إرادة أو حكمة – لا منفردة ولا مجتمعة – وإنما تعمل بشكل آلي كالسيارة بدون وعي أو إدراك، حكمنا حينئذ أن تلك القدرة شيء غير المادة وإنما هي أشبه بالإرادة، وانها لا تخضع لقوانين المادة، ولو كانت تخضع لقوانين المادة لكانت نوعا من أنواعها.

ولما كانت المادة لا وعي لها ولا عقل فمن ذا الذي صاغ قوانين الكون و معادلاته التي تعجز أكبر الأدمغة البشرية – وهي أعظم ظاهرة مادية مفكرة – عن صنعها؟ لابد أن يكون ذلك شيئا فوق المادة العمياء الصماء .. أنه الله البارئ المبدع المصور، سمّه ما شئت من الأسماء الحقيقية ..

من هنا اكتشفنا أمورا مهمة في الخالق منها:

– أنه ذات واعية قادرة فريدة حكيمة.

– أن وجوده لابد وأن يكون منه وفيه وإلا كان مخلوقا لا خالقا.

– أنه غير مادي، لا يخضع لقوانين المادة، لذلك فهو لا يرى.

– أنه قادر قدرة مطلقة، غني بالإمكانات الهائلة، غير محتاج.

– أن كل الصفات الكمالية والجمالية متوفرة فيه. هذه الصفات نسميها أسماء الله الحسنى. ومن أهمها بعد ثبوت اللامادية وثبوت الوعي والإرادة له، صفتا التوحيد والعدل.

شبهة أزلية المادة

تستند شبهة أزلية المادة إلى قانون انحفاظ الكتلة والطاقة، باعتبار أن المادة إذا تحررت تصبح طاقة، وأن الطاقة قابلة – كما قيل – للتحول إلى مادة .. وهكذا دواليك! فلا شيء يستحدث من لا شيء ولا شيء يضمحل كليّا .. وهذا ينمّ عن أزلية المادة وديمومتها، وبالتالي عدم احتياجها إلى الموجد، كما يقولون!

الجواب على شبهة أزلية المادة :

أولا: ما هي المادة؟

هل المادة كتلة فقط؟ او طاقة؟ أو كلاهما؟ وماذا نفعل بالحركة والجاذبيّة والأشعة الخفيّة والوعي والعقل والفكر والإدراك والمشاعر والأحاسيس؟ أهي مادة أو ليست مادة؟ وماذا نفعل بالصّغيريّات والجزئيات الأوّلية كفوتونات الضوء التي تضمحل وتتلاشى بانطفاء الضوء؟

وكيف نتعامل مع العناصر التي تبنى منها الذرة كالإليكترون والبروتون والبوزيترون والميزون؟

وماذا نفعل بالغازات والأثير والغبار الكوني ( السديم ) عند وجوده؟!!

إذا كانت المادة كتلة فقط وحوّلت إلى طاقة فقد اندثرت الكتلة واضمحلت المادة. والطاقة التي تتحرر يستحيل أو يصعب جدا إعادتها كلها مادة ..

وإذا كانت الطاقة مادة كذلك، لإنها تطورت أو نتجت منها، فلماذا لا يكون الوعي والعقل والفكر والشوق مادة كذلك أنتجها جسد الإنسان المادي ؟

والواقع أن هناك تخبطا شديدا في تحديد حقيقة المادة، ولا توجد حدود دقيقة حاسمة بين المادي واللامادي، ولم نجد تعريفا علميا دقيقا للمادة .. لذلك يقول المنظّر السابق للفكر المادي الفيلسوف روجيه غارودي:

( التكلم عن المادة بصورة عامة يعني محو الفوارق الكيفية للأشياء بدمجها كلها في مفهوم واحد، عندئذ تفقد هذه المادة وجودها الحسي فتكون تجريدا فارغا، ويكون من العبث التساؤل عن ماهيتها) من كتاب النظرية المادية في المعرفة ص 73 ( روجيه غارودي ) طبع دمشق

ثانيا: إبادة المادة بين الاستحالة العادية والعقلية:

المادة ليست أزلية ولا أبدية وإن قال علماء الفيزياء بأنها لا تستحدث ولا تفنى، لأن الأزلي هو الذي يستحيل عقلا فناؤه، وغير الأزلي هوي الذي يمكن فناؤه عقلا، وإن لم نتمكن من إفنائه عادة.

فالمادة يمكن إفناؤها عقلا، بمعنى أن إفناءها لا يستلزم تناقضا ولا استحالة عقلية ولكن لا يمكن إفناؤها عادة .. كالشمس يمكن عقلا شروقها من المغرب وغروبها من المشرق بتغيير المعادلات الفلكية، وإن كان ذلك غير واقع عادة، ولا يمكن تحقيقه، وإذا وقع لا يستلزم تناقضا ولا استحالة، وإن لم يحدث ذلك عمليا .. وإفناء المادة، وعليه يمكن نظريا إفناء المادة لا يستلزم إشكالية منطقية أو عقلية ..

أما إفناء المادة علميا، أي بالتجربة العملية، فهو مستحيل عادة، كإستحالة شروق الشمس من المغرب، وذلك لعدم قدرتنا على توفير الأدوات والمعادلة اللازمة لتحقيق ذلك ..

لذا نحن بحاجة إلى قوة هي أعظم من المادة نفسها لنستطيع إفناءها.

والمفروض أنه لا توجد قوة أو طاقة طبيعية أقوى من الكون المادي إلا المادية، فكيف يعدم الشيء ذاته إذا احتاج إلى قوة أقوى من نفسه؟ وهل يستطيع الإنسان أن يحمل نفسه في الهواء ويطير دون الإستعانة بقوة أخرى أقوى منه؟ كلا!! وكذلك المادة لا تستطيع أن تعدم نفسها كليا بنفسها ولا تستطيع أن توجد نفسها بنفسها، وهذا دليل عجزها وحدوثها، وحاجتها إلى خالق أزلي، وقوة أعظم من المادة.

وتسأل: لماذا لا نستطيع على الأقل إبادة جزء من المادة بجزء أكبر؟ّ!

الجواب: تتحول المادة في هذه الحال إلى طاقة وتتفلت خارج بواثن المادة الأقوى .. والمشكلة أن المادة وحدها لا تستطيع أن تحصر المادة وتبيدها، لأن الحصر والضغط والإحراق والتفجير الذري والنووي يحول المادة إلى طاقة فقط، فلا بد من قوة عظمى تحصر كل مادة في الكون في مكان يستحيل التفلت منه لتبيدها، أو تأمر بزوالها، او تخلق بديلا عنها ..

وإذا أمكن إفناء المادة عقليا وعلميا فلا تكون أزلية، ولا تشكّل الحجر الأساس في إيجاد الكون والوجود، فلا تكون واجب الوجود.

وتسأل: لماذا نفترض قوة عظمى غير المادة لإبادتها؟ لماذا لا تكون المادة هي القوة العظمى الوحيدة في الوجود، فلا يكون غيرها .. فيستحيل حينئذ إعدامها، وتكون هي واجب الوجود؟

الجواب: يستحيل ان تكون المادة واجب الوجود، لأنها لا تملك وعيا للتنظيم والتفكير، فهي ليست معبّأة بالصفات التي تجعل منها إلها حقيقا، فلا بد أن يكون الخالق الأزلي شيئا غير المادة: والذي أسبغ النظام والقصد على المادة .. يقول الدكتور فرانك ألن أستاذ الطبيعة الجوية في كندا:

“من يذهب إلى أن هذا الكون أزلي ليس لتشأته بداية يشترك مع الرأي القائل بوجود خالق لهذا الكون، في عنصر الأزلية. ونحن في هذا إما أن ننسب صفة الأزلية إلى عالم ميّت أو ننسبها إلى إله حيّ !! ( لله يتجلى في عصر العلم ) ص6

وعليه فإن إفناء المادة لا يستلزم استحالة عقلية، لإن المادة ليست الحجز الأساس في الوجود، ولا واجبة الوجود، مادام هناك خالق حي، حكيم مريد، واجب الوجود، كامل كمالا مطلقا، أرسل إلينا رسله وعرّفنا بنفسه.

ثالثا: الوعي والمادة:

تستبطن المادة نظاما معقدا بديعا من الذرة إلى المجرّة، وهذا النظام العجيب يدلنا أن وعيا هائلا سبق المادة ونظّمها، إذ تتقوم المادة بالنظام، ويستحيل أن يكون هذا الوعي الأعظم جزء من مادة الكون الأولى، لأن أعظم ظاهرة وعي مادية في الكون هو الإنسان، وقد وجد الإنسان بعد وجود المادة في الكون بوقت طويل، وهذا يدل أن المادة قبل الإنسان أعجز من الإنسان. فإذا كان الإنسان نفسه عاجزا عن فهم قوانين الكون كلها وتغييرها فضلا عن خلقها، فكيف تكون المادة قبل خلق الإنسان وهي في أشد حالات انحطاطها وبدائيتها قادرة على امتلاك العقل واستبطان الوعي الأعظم الذي خلق كل هذا النظام الكوني العجيب والهندسة البديعة؟!

لا بد أن يكون الوعي الأعظم شيئا فوق المادة، خارجا عنها، مسيطرا عليها، سابقا لها، وخالقا لوجودها وتركيبها.

إن أمامنا عدة فروض:

1- إما أن نسلّم أن الطبيعة أوعى من الإنسان، وهذا يخالف البديهة.

2- وإما أن نسلّم أن المادة نظمت نفسها بدون وعي، أي بالصدفة، وأن كل هذا النظام البديع تركب بالصدفة العشوائية وبالفوضى!! وليت شعري إذا كانت الفوضى واللاقصد تنتج نظاما بديعا فماذا ينتج القصد والوعي والحكمة والعقل؟! وهل يكون ما ينتجه القصد والوعي مساويا للفوضى واللاقصد، مالهم كيف يحكمون!!

3- وإما أن نسّلم ان الوعي مادة أيضا، وهذا يخالف البديهة، لأننا نعي الأشياء، وعملية وعي الأشياء ليست شيئا ماديا باتفاق الماديين.

4- وإما أن نسلّم أن الوعي نظّم الطبيعة والمادة وكان أسبق منها، وهو ما يقوله له المؤمنون من أن الله أسبق من المادة، والله ذات واعية حكيمة، تبارك وتعالى الله.

رابعا: الحركة والمادة:

هل الحركة ذاتية في المادة فتكون أزلية بأزليتها بحيث لا نتصور مادة بدون حركة؟

أو شيء خارج عن المادة، عارض عليها كطروء اللون على الجسم؟

إن قلنا إن الحركة ذاتية في المادة، فإن الحركة في المادة مظهر من مظاهر نظامها. وحركة المادة تأخذ شكل النظام باستمرار .. وحينئذ هي تدل على أسبقية الوعي الأعظم على المادة، لاحتياج المادة إلى الحركة التي تستبطن النظام، واحتياج النظام إلى أسبقية الوعي الأعظم.

وإن قلنا أن الحركة جاءت من خارج المادة، كان لا بد من وجود محرك عاقل نظم حركتها وسيّرها، وهو الله تعالى، المحرك الأوّل.

خامسا: الحياة والمادة:

هل الحياة أزليّة في المادة أو طارئة؟

أزليّة الحياة في المادة شيء باطل بالبديهة، وما أكثر الجمادات التي لا حياة فيها!

لا بد أن الحياة طارئة وحادثة .. وحينئذ فهل جاءت من صميم المادة؟ وفاقد الشيء لا يعطيه! او من خارجها؟ وهو الأصح، فلا بد أن تكون الروح العظمى أو الذات الإلهية هي التي وهبت الحياة للمادة، وفرضت هيمنة الروح الالهية اللامادية على الكون الطبيعي .. ومنها نتجت الحركة .. فالميّت لا يتحرك وما أن تحلّه الحياة أو الروح حتى يتحرك مع أن الروح ليست شيئا ماديّا .. وإن شاهدنا آثارها ونتائجها الماديّة ..

سادسا: العلم وتحديد عمر الكون:

يشير العلماء إلى أن الكون والأفلاك والأجرام السماوية المنبثّة قبل مليارات السنين، لها بداية ونهاية، وأن عمر الكون الحالي حوالي 6 مليارات سنة .. وهذا يدل أن الكون مخلوق وحادث وليس أزليّا.

سابعا: الديناميكا الحرارية ونهاية الكون:

يشير القانون الثاني للديناميكيا الحرارية ان الكون يفقد حرارته شيئا فشيئا، وأنه صائر إلى درجة الصفر المطلق، وهذا ينمّ عن إمكانية فنائه .. وإمكانية فنائه تكشف أنه غير أبدي بل أنه يفنى .. فهو إذن غير أزلي، لأن الأزلي لا يبلى ولا يفنى ..

الكون والروح الأعظم:

تبين لنا من كل ما مر أن المادة ليست هي الأصل الذي يشكّل الروح الأعظم في الوجود، بل الروح الأعظم – على حد قول الغربيين – هو الذي يخلق، ويحرك، وينظم، ويعقلن المادة، ويبثّ فيها الروح، ليصنع منها كائنات حية من البشر والحيوانات والحشرات والمخلوقات الأخرى ..

أسباب إنكار وجود الله

نشأت أكثر الأسباب في إنكار وجود الله ليس من عدم قيام دليل على وجوده تعالى، وإنما نشات من شيء آخر: من الأنانية والمصالح الخاصة والتقليد الأعمى والجهل والفهم الناقص والنفعية والانتهازيّة التي تخلق الأعذار الكاذبة لرفض الإيمان بالله ..

وهذه بعض الأسباب:

1- يتعارض الإيمان مع سياسة الدولة التي تستعبد الناس وتطلب طاعتهم المطلقة ولو في فعل الحرام مما يلجئ الدولة إلى بث روح الإلحاد.

2- رؤية الشرور والآلام ونكسات الطبيعة تجعل بعض الناس الذين لا يفهمون تفسيرها يكفرون بوجود إله مدبر.

3- تفرض بعض الأديان المحرفة صورة مشوهة عن الدين مما يجعل البعض يكفر بالله لعدم تصديقه بتلك التعاليم المشوهة.

4- يتصرف بعض المتدينين تصرفا يخالف الدين جهلا أو استغلالا للدين، مما يخلق عند الآخرين رد فعل ضد الإيمان بالله.

5- ينكر البعض وجود الله هربا من المسؤوليات الدينية.

6- يستكبر بعض الناس على الإيمان بالله عتوّا وغرورا ولا يأخذون الأمور بالإنصاف والعدل والتفهم والإخلاص للحقيقة.

7- يقلد بعض الناس مجتمعهم الملحد فينشأون ملحدين.

8- الجهل وعدم المعرفة والعلم الناقص يجعل الكثيرين يكفرون لأقل أشكال أو شبهة أو حيلة أو عقدة فكرية، لذلك قال المثل:

( قليل من العلم يؤدي إلى الكفر وكثير منه يؤدي إلى الإيمان ) وفي مضمون الخبر عن أئمة البيت (عليهم السلام ) ( لو أن الناس شكّوا فوقفوا لما كفروا ).

التوحيد

الإيمان بأن الله واحد في ذاته وصفاته وأفعاله غير مركب وأنه لا شريك له .. وشهادة التوحيد:

أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ..

وشعار التوحيد لا إله إلا الله …

أدلة التوحيد:

1- الإرادة والقدرة: لو كان هناك إلهان لوجب أن يكون كل منهما قادرا قدرة مطلقة، وحينئذ فهل يمكن فرضا لأحدهما أن ينتقض إرادة الآخر؟ فإن أمكن كان هو الإله وإن لم يكن فليس هو بإله، وإلى هذا الدليل قد تشير الآية الكريمة:

(مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ) ( المؤمنون 23\ 91)

(قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آَلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا * سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا ) (الإسراء 17\42-43)

2- وحدة النظام الكوني: وحدة النظام الكوني المترابطة من الذرة إلى المجرة تدل على وحدة الخالق ككتاب ذي أسلوب ومنهج واحد يدل على وحدة الكاتب .. ولو تعدد الخالق لما ترابط النظام الكوني، وإلى هذا تشير الآية الكريمة:

(لَوْ كَانَ فِيهِمَا آَلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ) ( الأنبياء 21\22 )

3- الاكتفاء: العقل يقضي باكتفاء الوجود بخالق واحد والاستغناء عن إله آخر، والإله الذي يمكن الاستغناء عنه ليس بإله.

4- عدم الإخبار: عدد الإله لأخبرنا الثاني بوجوده. جاء عن الإمام علي عليه السلام في وصية لابنه الحسن في نهج البلاغة وأعلم يا بني أنه لو كان لربك شريك لأتتك رسله، ولرأيت آثار ملكه وسلطانه، ولعرفت أفعاله وصفاته، ولكنه إله واحد كما وصف نفسه .. لا يضاده في ملكه أحد ).

5- الدين: الأديان السماوية الصحيحة أكدت وحدانية الله.

وإلى هذا المعنى تشير الآية :

(وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ) ( الأنبياء 21\25 )

(إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا) ( النساء 4\ 116 )

وجاء في سورة التوحيد:

(قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ ) (سورة الإخلاص 112\1-4)

نتائج التوحيد:

توحيد الله توحيدا تاما يؤدي بنا إلى عدم إطاعة أحد في الحرام ( لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ) وعدم الإشراك أو الإعتقاد بإله آخر، وعدم إشراك أحد في طاعة الله.

(قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ) ( الأنعام 6\ 162-163 )

ويؤدي إلى إخلاص النية في العبادة والأعمال لله تعالى.

ويؤدي التوحيد الخالص لله كذلك إلى الحرية والتحرر من سيطرة الناس، والاستقلال في المواقف، والعفّة، والشجاعة، والكرامة والعزة، ووحدة الجهود البشريّة لخير الإنسانية، ووحدة الصف، ووحدة المنطق، ووحدة الأهداف.

وكل ذلك يجعل من البشرية قوة مترابطة متعاونة على أساس الحق والأخلاق الكريمة لبناء الحياة وإعمار الأرض وتحقيق السعادة لبني البشر.

العدل

التعريف:

يعرف العلماء العدل بأنه الاعتقاد بأنه تعالى ( عادل في مخلوقاته غير ظالم لهم، لا يفعل قبيحا ولا يخل بواجب، ولا يجور في قضائه ولا يحيف في حكمه وابتلائه، يثيب المطيعين، وله أن يعاقب العاصين، ولا يكلف الخلق ما لا يطيقون، ولا يعاقبهم زيادة على ما يستحقون، ولا يقابل مستحق الأجر والثواب بأليم العذاب والعقاب … وأنه تعالى لم يجبر عباده على الأفعال لا سيما القبيحة ويعاقبهم عليها. )

إن الله عادل حكيم غير ظالم، يضع الأمور في نصابها وإن خفيت علينا الحكمة احيانا وأنه لا يفعل إلا ما هو عدل ورحمة للمخلوقات، وهو يفعل الخير، كتعريف الناس بالأعمال الصالحة وحثهم عليها وإثابتهم على فعلها، والرحمة بهم وفعل ما هو حق وصدق وحسن.

ولا يفعل الشر: كالتكليف بالمستحيل، وظلم الناس، والكذب عليهم، والتغرير بهم وإضلالهم وإرادة المعاصي لهم والفواحش والجور والعدوان، كل ذلك مما يأباه الله تعالى.

وعلى ثبوت العدل تتوقف صحة النبوة والإمامة والمعاد، إذ بدون العدل قد تكون النبوة والديانة والإمامة تغريرا للناس بغير الحق، وقد يكون المعاد كذبة كبرى فلا ضمان لصحته إلا عدل الله تبارك وتعالى:

لذلك جاء عن الإمام علي عليه السلام:

( التوحيد أن لا تتوهمه والعدل أن لا تتهمه )

الأدلـــــة:

الأدلة على عدل الله من العقل ونظام الكون والدين.

العقل: الإنسان لا يخل بواجبه أو يظلم أحدا إلا لأحد الأسباب التالية:

1- لأنه عاجز او ضعيف أو خائف، والله ليس كذلك فهو القدير القوي العزيز.

2- لأنه مفتقر يضطر إلى ظلم الآخرين وأكل حقوقهم .. والله غني يفيض الخير فلا يفتقر إلى ظلم الآخرين.

3- لأنه يلهو ويعبث لأنه يشعر بالتعب والإجهاد والله تعالى ليس بجسم حتى يتعب فيبحث عن الراحة والترفيه.

4- لأنه يفعل ذلك بدون أي سبب. وهذا ما يفعله المجنون والسفيه ولا يفعله العاقل الحكيم الذي يقرن أفعاله بالأهداف والغايات الصحيحة، والله عليم حكيم في أفعاله تعالى الله علوا كبيرا.

يقول العلماء:

( أفعال الله تعالى معللة بالأغراض لأنه حكيم، وفعل الحكيم لا يخلو من الحكمة، والذي يفعل العبث بلا حكمة وغرض معقول سفيه، تعالى الله عن ذلك).

نظام الكون: نظام الكون قائم على العدل والدقة والإحكام و الحكمة والضبط وذلك يدل على عدالة الله. وإلى هذا تشير الآية:

( وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين ) ( الدخان 38 ).

الدين: الدين يؤكد عدل الله، يقول الله تعالى:

(وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ) غافر 40\31.

(وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ) البقرة 2\205.

(هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) النمل 27\90.

(لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا) البقرة 2\286.

(وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا) الإسراء 17\15.

الآلام والكوارث:

إذا كيف نفسر مرض الأطفال والناس وكوارث الطبيعة والأوبئة وجواز ذبح الحيوانات للأكل، والظلم الحاصل بين الناس والحيوانات والمخلوقات حيث لا عدالة مطلقة في هذه الحياة؟

الجواب: أما الآلام الطبيعية فإنها إما لتربية الإنسان ووعظه وزجره، وإما لتنبيهه لخطر في جسمه يجب تداركه كألم الجسم والشعور بالبرد والتعب، وإما لعذاب الإنسان باقترافه جرما عظيما يتعجل الله عقوبته في الدنيا، وإما لرفع الثواب والدرجة عند الله كالجهاد والتضحية في سبيله. وكل هذه الآلام جائزة يقرها العقل ولا تستلزم الظلم.

نوع واحد من الآلام التي ليست كذلك كالكوارث الطبيعية التي تصيب الأطفال والأبرياء وجواز ذبح الحيوانات المحللة للأكل، فهذه لا تكون مقبولة إلا إذا كان إزاءها عوض عظيم جدا من الله بحيث إذا عرضت مع عوضها العظيم قبلها المخلوق ورضي بها .. ألا ترى أن المريض يقبل بعملية جراحية شديدة الألم إزاء الحصول على حياة مريحة وسعيدة بعد ذلك.

أما الظلم فيحاسب الله عليه ويقتص للمظلوم من المجرم في الدنيا أو في الآخرة.

أما الحيوانات والوحوش فإنها ستحشر ويعوض عليها يقول تعالى: (وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ) التكوير 81\5.

ثم إننا لم نكتشف كل أسرار الحياة وأهداف الوجود، فلا حق لنا أن نحكم على الصورة كلها بالبطلان لمجرد أننا رأينا إشارة فيها لا نفهمها، فلو وجدنا معادلة رياضيّة في كتاب لعبقري لم نفهمها، فإننا لا نحكم على كاتبها بالجهل بل نحكم على أنفسنا بعدم معرفتها واستيعابها، لا سيما إذا كان المؤلف عالما بكل شيء لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض، كذلك نحن لا نفهم دائما الحكمة من وراء بعض المحن لقصور تفكيرنا عن الإحاطة بكل شيء، وقصور التفكير لا يدل على غياب السبب الوجيه والمبرر الصحيح.

قال الله تعالى:

(وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ) هود 11\117.

( ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين ) الأنبياء 21\47.

(وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ * ذِكْرَى وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ) الشعراء 26\208-209.

كتاب “أصول العقيدة الإسلامية عند الشيعة الإمامية”

لسماحة المرجع آية الله الشيخ عبد اللطيف بري

حرر سنة 1991م

مقابلات

أخبار ومناسبات

بيانات