حوارات عقائدية

يشكل هذا القسم حوارات عقائدية تعالج الإختلافات بين…

بين الإسلام واليهودية

* منهج الحوار بين أهل الأديان السماويّة * هل ور…

مسائل الفقه العملي

يتناول هذا الكتاب العديد من مواضيع الفقه العملي ال…

اسئلة حول الإسلام

تتناول هذه الزاوية اسئلة وإجابات حول الإسلام، وقد …

شؤون الأسرة

تتناول هذه الزاوية شؤون الاسرة وتنقسم إلى عدة فروع…

الاستفتاءات

يتناول هذا الباب العديد من الاستفتاءات التي يجيب ع…

«
»

معرفة المعاد

تاريخ النشر: 18 كانون الثاني 2011

المعاد ( يوم القيامة )

المعاد هو إعادة الحياة بعد الموت يوم القيامة للحساب والجزاء لتحقيق العدل المطلق. ويسمى البعث الحشر والنشور والقيامة والساعة والآخرة ويوم الدين ويوم الحساب ويوم الجمع ويوم الخروج ويوم الخلود ويوم الحسرة إلخ ..

والواقع أن الإيمان بالله يحدد المصدر، والإيمان بالمعاد يحدد المصير، وفيما بينهما وعلى أساسهما تتحدد صفة الحياة.

فعلى ضوء المصدر يحدد الإنسان مصادر معرفته وقيمه و أخلاقه وشرائعه وقوانين حياته، فلا يأخذها إلا من ذلك المصدر.

وعلى ضوء الغاية والمصير يحدد أسلوب العمل وأهدافه وغاياته مما يتناسب وإياها، فلا يعمل إلا ما يضمن له مصيره ويؤمّن له مستقبله الكلّي. وبدون الإيمان بالمصدر والمصير تصبح حياة الإنسان كالحيوانات فراغا وعبثنا ويأسا ومجموعة غرائز .. لذلك تقول الآية:

(أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ) ( المؤمنون 23/ 115 )

(أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى) ( القيامة 75/ 36 )

كيفيته:

نذكرها كما وردت في القرآن الكريم والأخبار عن النبي ( ص) وأهل البيت عليهم السلام: بدأا من القبر والقيامة إلى الصراط والميزان والكتاب والحوض والشفاعة …

القبر:

تنفصل الروح عن الجسد بالموت، ويتعرض الكثيرون لحساب القبر وهم مضغوطون فيه .. وقلّ من يفلت من ضغطة القبر ..

وهي ضغطة لا تدركها حواس الأحياء لإنها ليست على مستوى الجسد العادي. ويسأل الإنسان بعد موته، دفن أو لم يدفن، حتى لو افترسته الوحوش أو أحرق بالنار أو غرق في البحر .. يسأل عن الإسلام وعن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وولاية أهل البيت (ع).

فإذا أجاب بالصواب وكان عاملا بذلك فاز بنعيم البرزخ، وهو مرحلة قبل يوم القيامة، وإن أخطآ ولم يكن ملتزما بذلك دفع به إلى عذاب القبر في البرزخ. وأكثر عذاب القبر من الكفر بالله والرسول وأهل البيت عليهم السلام والنميمة والفتنة بين المؤمنين وسوء الأخلاق والاستخفاف بالطهارة إلخ …

والآيات توحي بعذاب القبر وسؤاله يقول تعالى:

(حَتَّى إِذَا جَاء أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ، لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ) ( المؤمنون 23/ 99 – 100 )

(إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُواْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا) ( النساء 4/ 97 )

( فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ أُوْلَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُم مِّنَ الْكِتَابِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُواْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ قَالُواْ ضَلُّواْ عَنَّا وَشَهِدُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَافِرِينَ ) ( الأعراف 7/ 37)

( فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمْ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ، ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ ) ( محمد 47 /27 – 28 )

( وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُواْ الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُواْ عَذَابَ الْحَرِيقِ، ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ ) ( الأنفال 8/ 50 – 51 )

وبعض الناس لا يستيقضون إلا يوم القيامة فيظنون أنهم هجعوا لمدة ساعة. يقول تعالى:

( وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ..) ( الروم 30/ 55 )

( وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَن لَّمْ يَلْبَثُواْ إِلاَّ سَاعَةً مِّنَ النَّهَارِ ..) ( يونس 10/ 45 )

القيامة:

تحدث القيامة بتصادم النجوم وتشقق السماء ونسف الجبال وغليان مياه البحار واحتراقها! وفناء المخلوقات ودمار الحياة .. متى هي؟ التوقيت عند الله يقول تعالى:

(يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلاَّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لاَ تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا (اي عالم بها) قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ ) ( الأعراف 7/ 187 )

ثم ينفخ في الصور – والصور كالبوق – نفخة الفزع استعدادا ليوم القيامة، فيفزع الخلق ويأخذهم الهلع. يقول تعالى:

(وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ) ( النمل 27/ 87 )

ثم ينفخ في الصور نفخة الموت إشارة إلى فناء العالم ..

ثم ينفخ في الصور نفخة واحدة للبعث وتنطلق صيحة مدوية وصوت رهيب .. يقول تعالى:

(يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ ) ( ق 50/ 42 )

( وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الأَرْضِ إِلاَّ مَن شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُم قِيَامٌ يَنظُرُونَ، وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ، وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ ) ( الزمر 39/ 68 – 70 )

((وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ (٥١) قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ (٥٢) إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ (٥٣) فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٥٤) ) ( يس 36/ 51- 54 )

(إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ) ( يس 36/ 12 )

وتجتمع الخلائق من كل حدب وصوب مزدحمين مختصمين يبرأ بعضهم من بعض وهم يشاهدون أهوال يوم القيامة وطوله وحرمه وعطشه (يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا) ( المزمل 73/ 17 )

(يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ ) ( عبس 80/ 34 – 37)

عن الامام علي (ع) في نهج البلاغة :

(حتى اذا بلغ الكتاب اجله،والأمر مقاديره،وألحق أخر الحق بأوله،وجاء من أمر الله مايريده من تجديد خلقه.أماد السماء وفطرها،وأرج الارض وأرجفها وقلع الجبال ونسفها ودك بعضها بعضا من هيبه جلالته ومخوف سطوته.وأخرج من فيها فجددهم بعد أخلاقهم وجمعهم بعد تفرقهم ثم ميزهم لما يريده من مسألتهم عن خفايا الاعمال وخبايا الافعال..وجعلهم فريقين..أنعم على هؤلاء وانتقم من هؤلاء. فأما اهل طاعته فأثابهم بجواره وخلدهم في داره حيث لايظعن النزال ولا تتغير بهم الحال ولا تنوبهم الافزاع ولا تنالهم الأسقام ،ولا تعرض لهم الأخطار ولا تشخصهم الاسفار…وأما اهل المعصيه فانزلهم شر دار ،وغل الايدي الى الاعناق وقرن النواصي بالاقدام والبسهم سرابيل القطران و مقطعات النيران , في عذاب قد اشتد حره.وباب اطبق على اهله في نار لها كلب ولجب!! ولهب ساطع وقصيف هائل لايضعن مقيمها ولا يفادي اسيرها ولاتفصم كبولها لا مدة للدار فتفنى،ولا أجل لقوم فيقضى )!!

الصراط:

جسر يمر على جهنم وينتهي إلى الجنة يمر عليه كل الخلق.

يقول تعالى عن جهنم:

(وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا) ( مريم 19/ 71 – 72 )

وجاء عن الإمام الصادق عليه السلام:

(الصراط أدق من الشعر وأحد من السيف فمنهم من يمر عليه مثل البرق ومنهم من يمر عليه مثل عدو الفرس ومنهم من يمر حبوا ومنهم من يمر ماشيا ومنهم من يمر عليه متعلقا تأخذ النار منه شيئا وتترك منه شيئا ) كتاب المحجة البيضاء ج1 ص 250

وعلى الصراط عقبات بعدد الواجبات والمحرمات كعقبة الصوم والصلاة والحج والخمس والزكاة وحقوق االأرحام والناس والامانة وولاية الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وأهل البيت عليهم السلام إلخ.

فمن قصّر في واجب أو فعل محرما حبس عند عقبته وطولب بحق الله، فإن كان قد تاب وعمل صالحا أو تداركته رحمة الله أو الشفاعة نجا من تلك العقبة إلى غيرها، وهكذا يمر في باقي العقبات حتى إذا سلم من جميعها وصل إلى الجنة ودار النعيم حيث الخلود الدائم. يقول تعالى:

(فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ) ( آل عمران 3/ 185 )

(إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا ) ( الكهف 18/ 107 – 108 )

وإن لم يسلم من تلك العقبات هوى إلى النار ولحقه غضب الجبار، فمنهم من يخلد في النار كالمجرمين العتاة وكالكافرين الظالمين ، ومنهم من يعذب قدر ذنوبه ثم يذهب إلى الجنة كبعض المسلمين العصاة الذين خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا.

الميزان والكتاب:

وتوضع الموازين لوزن أعمال الناس وتقييمها ويؤتى بملفات أعمالهم في صورة كتاب ، يقول تعالى:

() وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ) ( الانبياء 21/ 47 )

(وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا) ( الكهف 18/ 49 )

وجاء عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:

(هل تدرون من المفلس ) قالوا: المفلس فينا يا رسول الله من لا درهم له ولا متاع، قال: (إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وزكاة وصيام، ويأتي قد شتم هذا وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا فيعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته، وإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه ، أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم يطرح في النار )المحجة البيضاء ج1 ص 253 – مسند أحمد ج 2 ص 303

وجاء عن الإمام زين العابدين عليه السلام:

( إن من كان عند غيره مظلمة يؤخذ له من حسنات الظالم بقدر حقه فتزاد على حسناته، فإن لم يكن للظالم حسنات يؤخذ من سيئات المظلوم فتزاد على سيئات الظالم. ) ( المحجة البيضاء ج1 ص 252 )

وورد أن الإمام عليا عليه السلام سئل:

( كيف يحاسب الله الناس كلهم في وقت واحد ؟

فقال كما يرزقهم في آن واحد يسألهم في آن واحد. )

الحوض والشفاعة:

الحوض ماء الكوثر، حلو الطعم كأنه العسل، يسقي منه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، والإمام علي عليه السلام يوم العطش الأكبر كل مؤمن موال لأهل البيت عليهم السلام. وجاء عنه صلى الله عليه وآله وسلم : ( من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدا ) ( راجع مسند أحمد )

وعنه صلى الله عليه وآله وسلم أيضا:

( إن الوالي عليه يوم القيامة أمير المؤمنين عليه السلام يسقي منه أولياءه ويردّ عنه أعداءه ). ( عن كتاب اعتقادات الصدوق )

وجاء عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:

( أنا فرطكم على الحوض من مر علي شرب، ومن شرب لا يظمأ أبدا. ليردن علي أقوام أعرفهم ويعرفونني ثم يحال بيني وبينهم فأقول أنهم مني .. فيقال لا تدري ما أحدثوا بعدك .. فأقول سحقا سحقا لمن غير بعدي. ) (رواه البخاري ومسلم).

والشفاعة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأهل البيت عليهم السلام ومن ارتضاه الله، وهم يشفعون لمن يشاؤون بعد إذن الله.

والشفاعة، هي الدعاء إلى الله بالعفو عن شخص فيعفو الله عنه إظهارا لكرامة الشافع ومنزلته.

جاء عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:

( من لم يؤمن بحوضي فلا أورده الله حوضي، ومن لم يؤمن بشفاعتي فلا أناله الله شفاعتي.

ثم قال: إنما شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي، فأما المحسنون فما عليهم من سبيل. ) ( المحجة البيضاء ج1 ص 253 )

وفي رواية ثانية: ( شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي ما خلا الشرك والظلم. ) ( نفس المصدر )

والشفاعة يجب أن لا تقعدنا عن العمل .. فقد لا تشملنا الشفاعة! وقد لا يأذن الله ببعض أنواع الشفاعة.

يقول تعالى:

(وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى) ( الانبياء 21/ 28 )

(مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ…) ( البقرة 2/ 255 )

فالضمان الوحيد للخلاص يوم القيامة هو الإيمان الصحيح والعمل الصالح وولاية الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته الأطهار عليهم السلام وقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:

( اعملي يا فاطمة فإنني لا أغني عنك من الله شيئا )!!

الأدلة على المعاد:

يقول المنكرون كما نصت الآية:

(أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا). ( الإسراء 17/ 49 )

ويقولون: لم نر شخصا مات وعاد .. وكيف يحيا الإنسان بعد ان اندثر جسمه وتلاشى أو تحول إلى جزء من جسم آخر؟ أو تحول إلى حجارة وحديد ومعادن؟

(وَقَالُوا أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ) ( السجدة32 / 10 )

(هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيد) ( سبأ 34/7 )

ويقول عمر الخيام:

أحقا يفيض علي الشعور عقيب اضطجاعي بين القبور

فابزغ منها بزوغ النبات مطلا ولو بعد طيّ الدهور ؟!

ما الدليل على إمكانية المعاد ووقوعه؟

الجواب: الأدلة كثيرة من العقل وشواهد الطبيعة والعلم الحديث والضمير الأخلاقي والفطرة والأديان ..

1- العقل …

إذا كان المعاد يخالف العرف والعادة حقا فإنه ليس ممتنعا عقلا، لأن طيران الإنسان في الفضاء، والصعود إلى القمر، وتحويل الذرة الصغيرة إلى طاقات كبيرة، يخالف العرف والعادة وقد حصل، فلماذا نستبعد إمكانية حصول المعاد؟

أليس استبعاده يدل على قصر النظر؟

ولنأخذ من العقل دليلين على المعاد: الأول في خلق الإنسان والثاني في خلق الكون:

خلق الإنسان:

أيهما أهون اختراع الساعة وصناعتها أو مجرد تركيبها؟

العقل يؤكد أن تركيبها أهون من اختراعها وصياغتها .. كذلك إعادة الإنسان إلى الحياة أهون من خلقه وتكوينه من الأساس .. وإلى هذا الدليل العقلي تشير الآية:

(وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ) ( الروم 30/ 27 )

والعقل يؤمن أن الله القادر على خلق الإنسان أول مرة هو نفسه القادر على إحيائه ..

يقول تعالى:

(كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ) ( الأنبياء 21/ 104 )

إذا لم يعجز الله في الخلق الأول وهو أصعب في مفهومنا فهل يعجز في الخلق الثاني وهو أسهل؟ يقول تعالى:

(أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ) ( ق 50/ 15 )

(وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَئِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا)؟ ( مريم 19/ 66 – 67 )

وورد أن رجلا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وفتّ عظمة بالية ونثرها في الهواء وقال:

– من يحيي هذه العظام يا محمد؟

فأنزل الله تعالى قوله:

(وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ) ( يس 36/ 78 – 79 )

أجل كيف نؤمن أن الله قادر على خلق الإنسان بعد أن لم يكن موجودا ولا نؤمن أن الله قادر على إعادة حياته بعد أن كان موجودا .. وما أصدق الكلمة التي جاءت عن الإمام علي عليه السلام:

( عجبت لمن أنكر النشأة الأخرى وهو يرى النشأة الأولى .. )

يقول تعالى:

(قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآَخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) ( العنكبوت 29/ 20 )

والواقع أن العاقل إذا نظر في تكوين الإنسان، ومما خلق، وكيف تطور، يكتشف كيف يمكن أن يحيي الله الإنسان ..

يقول تعالى:

(أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ) ( ا لواقعة 56/ 58- 59 )

(أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى). ( القيامة 75/ 37 – 40 )

من الذي خلق من اللقاح بشرا وسوى منه إنسانا بكل ما فيه من أعاجيب وأعضاء وأجهزة وأنواع؟

إن دور الإنسان كله قذف اللقاح أو احتواؤه فقط!! فمن الذي يسوي منه بعد ذلك إنسانا ويركبه بهذا الشكل العجيب المدهش، ويتعهده بالرعاية والتكوين والتصوير حتى يصبح بشرا سويا في أحسن تقويم؟

هل الطبيعة وهي صماء عمياء لا تعقل ولا تعي؟

هل الإنسان وهو لم يكن يعلم بكل ما يحدث، أم الله الخالق المبدع القادر؟ تبارك الله أحسن الخالقين.

إن هذا التسلسل العجيب للنطفة حتى تصبح بشرا سويا يدفعها إلى الإيمان بإمكانية تسلسل ذرات الإنسان بعد موته لتعود إلى الحياة مرة ثانية بشرا سويا كما خلقها الله أول مرة.

خلق الكون:

بعد أن ثبتت قدرة الله على الخلق الكبير وهو الكون، هل نشك في قدرته على الخلق الصغير وهو إحياء الإنسان بعد الموت؟

إن القادر على صناعة أجهزة الكومبيوتر المعقدة لا يعجز عن صناعة الساعة! كذلك فإن القادر على خلق الكون كله من العدم هو على إحياء الموتى أقوى وأقدر. وإلى هذا الدليل العقلي تشير الآيات:

(أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا). ( النازعات 79/ 27 )

(لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ). ( غافر 40/ 57 )

(أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ). ( يس 36/ 81 – 83 )

2- شواهد الطبيعة:

في الطبيعة شواهد عديدة تتكرر باستمرار دون أن نلتفت إليها لتؤكد إمكانية الحياة بعد الموت، وهي تتجلى في الجمادات والنباتات والمائيات والجراثيم والحشرات والحيوانات والإنسان.

أ‌- الجمادات:

البيضة جماد ميت لا حياة فيه لا تلبث أن تتشقق بعد أن يحتضنها الدفء فيخرج منها كائن حي! يقول تعالى:

(يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ). ( الروم 30/ 19 )

والأرض الميتة الهامدة لا تلبث أن تنشط بهطول المطر فتطلع النبات والشجر وتشرق بالحياة .. وكما يحيي الله التربة بعد موتها كذلك يحيي الإنسان بعد موته، يقول تعالى:

(وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) ( فصلت41/ 39 )

(وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ) ( فاطر 35/ 9 )

وجاء في الأخبار أن شخصا سأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم:

– يا رسول الله كيف يعيد الله الخلق؟

قال صلى الله عليه وآله وسلم: أما مررت بوادي قومك جدبا ثم مررت به يهتز خضرا؟ فتلك آية الله في خلقه، وكذلك يحيي الله الموتى )!

حقا إن إحياء الأرض دليل محسوس على أن فكرة البعث والإحياء بعد الموت حق وصدق، فكما أن الطبيعة تموت في الخريف وتبعث في الربيع كذلك الإنسان يموت ويبعث من جديد.

ب – النباتات:

وفي عالم النباتات هناك بذور تهجع في التراب أحيانا 150 سنة وتبقى حتى يتسنى لها الماء والغذاء والأوكسجين والحرارة فتشق الأرض وتنمو وتعشب وتسمى بالبذور المستكنة كبذور نبات ( البيزيا ) والخرمة الصينية ( الكاكي ) فضلا عن بذور النباتات العادية التي تهجع في فتراتها العادية.

وقد وجد العلماء في قبور الفراعنة حبات قمح مضى عليها 4 آلاف سنة، ولما زرعوها نمت كالحبات الجديدة.

والمعروف أن جسم الإنسان المصنوع أساسا من التراب يتحلل بعد الموت إلى عناصره الأساسية التي تذوب في التراب وتهجع فيه. وهذه العناصر هي: الحديد والفضة والذهب والزئبق والرصاص والمنغنيز والأوكسجين والهيدروجين والنتروجين والنيكل والفوسفور والكبريت والازوت والكربون والنحاس واليود والكوبالت والزنك والسلكون والألمنيوم والكالسيوم والراديوم والبوتاسيوم والبروم والكروم والصوديوم والكلور والمغنيسيوم والفلوريد إلخ …

إن الأرض ملأى من عناصر الجثث والأجساد حتى أن خيال الشاعر أبي العلاء المعرّي تصور أن تراب الأرض كله من أجساد البشر فقال:

خفف الوطء ما أظن أديم الأرض إلا من هـــــــــــذه الأجساد

رب لحد قد صار لحدا مــــــــرارا ضاحكا من تزاحم الأضداد

ودفين عـــــــــلى بقايا دفــــــــــين من قديم الأزمان والأبــــاد

إن عناصر جسد الإنسان .. كل ذرة منه .. محفوظة في الكون، مسجلة في كتاب الله لا تضيع ولا تفنى، وإن دخلت في أجسام ثانية، أو أكلتها الحيوانات، أو تحولت إلى حجارة أو حديد أو أي شيء آخر، أو أحرقتها النار وتحولت إلى طاقة ورماد وذرات صغيرة وأشلاء متناثرة هنا وهناك.

يقول تعالى:

(قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ) ( ق 50/ 4 )

(وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ… ) ( الإسراء 17/ 49 – 51 )

فإذا كانت عناصر جسم الإنسان موزعة في التراب أو في أجسام ثانية مصيرها أيضا إلى التراب، أفلا نتصور أن تلك العناصر مستكنة كالبذور الهاجعة التي تنتظر الظروف المناسبة لقيامتها وإحيائها فتنمو وتشق الأرض وتخرج؟

إن القرآن يصور لنا هذه الحقيقة بقوله:

(وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا ) ( نوح 71/ 17 – 18 )

(يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ.. ) ( ق 50/ 44 )

(أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ) ( العاديات 100/ 9-10)

(يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ) ( المعارج 70/ 43 )

(مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى) ( طه 20/ 55 )

وقد ورد في الأخبار أن الأرض وقت البعث يغمرها مطر قطراته تشبه النّطف تختلط بالتراب، وكأن ذلك مطر خاص لإحياء الموتى!! وقد قال تعالى: ( وجعلنا من الماء كل شيء حيّ )!.

وإذا علمنا ان التربة العادية تهجع فيها مجموعات هائلة من الجراثيم والعناصر الكيماوية الحية والعناصر الغذائية كالأوكسجين والأيدروجين والازوت والمواد العضوية علمنا أن الأرض معمل ضخم تعمل أجهزته بصمت ليل نهار!!

فما يمنع ان يبدأ المعمل، بعد تفاعلات كبرى، وكما أنتج النبات، بإعادة صياغة الإنسان من جديد كما خلقه الله أول مرة من نفس عناصر التراب، خصوصا وأن طبيعة الأرض ستتغير بشكل يجعلها مناسبة لاحتضان المهمة الجديدة والقيام بهذا الدور. يقول تعالى:

(يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ) ( إبر اهيم 14/ 48 )

لماذا لا تكون الأرض حينذاك الرحم الكبير الذي يتخلق ويتكون فيه الإنسان من جديد كما تخلّق فيها أو في رحم أمّه أول مرة؟! يقول تعالى:

(وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آَخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ) ( المؤمنون 23/ 12 – 14 )

(قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ) ( الملك 67/ 24 )

(نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ) ( الواقعة 56/ 60 – 62 )

(يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ السَّاعَةَ آَتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ) ( الحج 22/ 5 – 7 )

(وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) ( الأعراف 7/ 57 )

(يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ) ( الزلزلة 99/ 6 )

إن من يحيي الأرض بعد موتها ويخرج منها العشب والنبات والأشجار والثمار بعد القحط والجفاف ويخلق الحياة في الإنسان هو نفسه القادر على إرجاعها.

ج – مائيات:

والحلزون يستكنّ داخل قوقعته التي يصنعها ليدرأ بها الأخطار عن نفسه ويبقى راكدا حتى يأتي الفصل المناسب فيدب فيه النشاط ويحيى من جديد. وقد ذكر أن بعض القواقع يمكن ان تظل سنوات بغير طعام تبدو خلالها وكأنها فقدت جميع معالم الحياة، فإذا توافر لها الغذاء والجو المناسب استأنفت نشاطها وكأن شيئا لم يحدث!

ويصف بعض العلماء كائنا حيا يمت إلى عائلة العناكب بصلة ويعرف باسم ( دب الماء ) يعيش على الماء، فإذا حرم منه توقفت حركته وتقلص جسمه حتى يبدو أشبه بحبة رمل كبيرة، وقد يظل على هذه الحال سنوات، فإذا وضع في الماء لبضع دقائق انتفخ جسمه وامتدت سيقانه وأخذ يتحرك تدريجا. وبعد ساعة أو نحوها يكون قد استعاد نشاطه الطبيعي وبدأ يزحف.

د – جراثيم:

وبعض الجراثيم الهاجعة أمكن تهيئتها للحياة .. فقد عثر على جراثيم في تراب أحد المناجم يرقى عمرها إلى أكثر من مليون سنة، وعثر على جراثيم في القطب الشمالي نائمة في شرانقها تحت الثلوج، وأمكن إعادة الحياة لهذين النوعين من الخلايا.

وهناك جراثيم تتصف بما يشبه الخلود. فالأميبا وهي من الكائنات الحية الصغيرة تتمثل فيها جوانب الحياة بشكل مدهش، تبقى حيّة وتتكاثر وتتناسل عن طريق الانقسام باستمرار.

هـ – حشرات:

وفي عالم الحشرات نرى دودة الحرير تنطوي على نفسها داخل شرنقتها وتفقد مقومات الحياة ولا تأكل أو تشرب أو تتحرك .. وبمرور فترة طويلة من الوقت تصبح حشرة كاملة وتدب فيها الحياة فتشق شرنقتها وتطير كالفراشة.

و – حيوانات:

والضفدعة تدفن نفسها في التراب طيلة فصل الشتاء هربا من البرد وتصبح حياتها معلّقة، وتبقى كذلك أربعة أشهر حتى فصل الربيع. وحين تتسرب الحرارة إلى التربة تسترد الضفدعة حياتها وتستأنف نشاطها.

ز – الإنسان:

والإنسان ينام ويخمد 8 ساعات يوميا في ما يشبه الموت حيث يفقد بعض أهم ظواهر الحياة كالحواس والوعي والشعور والحركة والحاجة إلى الأكل والشرب …

وكذلك الموت يخدر الجسم ويسكر الإنسان ويجعل وعيه في شبه غيبوبة.

والعلم الحديث يؤكد أن النزع والاحتضار تخدير متتابع حيث تأتي كل خفقة أضعف من سابقتها حتى يخمد الجسم نهائيا …

يقول تعالى:

(وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ) ( ق 50/ 19 )

لذلك كان النوم نوعا من الوفاة المتكررة يوميا. يقول تعالى:

(وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ) ( الانعام 6/ 60 )

(اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى) ( الزمر 39/ 42 )

فالموت كالنوم والبعث كاليقظة، وكأن النوم واليقظة تذكير يومي بالموت والبعث. والله يبعث الإنسان بعد الموت كما يوقظه من النوم … وقد جاء عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:

( لتموتن كما تنامون، ولتبعثنّ كما تستيقظون، ولتجزون بالإحسان إحسانا، وبالسوء سوءا ).

وربما كان حساب القبر عن طريق إيقاظ الوعي الباطني في الإنسان أو إيقاظ الروح من سباتها بعد الموت … علما بأن هناك أشخاصا يهجعون في غيبوبة عميقة إلى يوم القيامة. مهما يكن فإنه تعالى يصف إرجاع البصر والبصيرة والوعي للإنسان على أنه أشد ما يكون عند البعث بعد الموت بقوله:

(لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ) ( ق50/ 22 )

(أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) ( مريم 19/ 38 )

كأنه تعالى يقول: ما أقوى سمعهم وبصرهم حين يفدون على الله. باستثناء حالة أهل العمى في المحشر…

3- العلم الحديث:

يجب أن لا نرفض فكرة البعث لمجرد عدم مشاهدتنا لها.

إن عدم مشاهدة شيء ليس دليلا على عدم وجوده، خصوصا إذا كان وجوده من الغيبيات. وإذا أردنا أن نعتمد على الحواس والمشاهدة في كل شيء دون استنتاجات قائمة على الملاحظة والمقارنة فإننا نلغي بذلك كثيرا من الحقائق القاطعة بما فيه المشاعر والأحاسيس نفسها.

إن جهلنا بالشيء لا يعني أنه غير موجود، وأي عاقل يتخذ جهله بالشيء دليلا على عدم وجوده؟!

إننا نجهل حقائق علمية وكونية كثيرة هل يعني ذلك أنها غير موجودة؟ وأنه لا يحق البحث بعد الآن عن حقائق جديدة لأن ما عرفناه هو الموجود فقط؟ إن هذا يضع حدا لتطور العلوم والمعارف وتقدم الحياة ويحكم على العقل الإنساني بالجمود والتخلف.

لقد اكتشف كثير من الفلاسفة والعلماء نظريات وحقائق مدهشة، كنسبية أينشتاين، وقوانين مندل في الوراثة، ونظرية دوران الأرض حول الشمس للفيلسوف اليوناني اريستاركوس سنة 280 ق.م. ، ولكن عقول الناس عجزت عن إدراكها فاستنكروها وحاربوها وكذبوا أصحابها واستهزأوا بهم …

ثم مرت الأيام وصدّق الواقع تلك النظريات والحقائق، ورفع أصحابها إلى مستوى العباقرة والعظماء بعد موتهم بعشرات السنين أو مئاتها .. ولكن كم خسرت الإنسانية في فترة الإنكار هذه منافع ومصالح وإمكانات عطّلت وهدرت بسبب الغرور والطيش والجهل والاستخفاف بالأمور.

ومثل ذلك كله تأكيد الأنبياء والرسل على البعث والحياة بعد الموت والحساب والجزاء، ولكن كثيرا من الناس لا يصدّقون. ماذا ننتظر؟

هل ننتظر أن نموت ثم نبعث فنشاهد يوم القيامة حتى نؤمن تجريبيا بها، فتكون الفرصة قد فاتتنا إلى الأبد حيث ( لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها هدى ) .. إن ذلك من أجهل الجهل وأغبى الغباء .. يقول الشاعر:

قال المنجم والطبيب كلاهما لا حشر بعد الموت قلت إليكما

إن صح قولكما فلست بخاسر أو صح قولي فالخسار عليكما

يجب أن لا نرفض فكرة البعث لمجرد أن أحدا لم يرجع بعد الموت ويخبرنا .. فنحن لم نعرف كل أسرار الكون والكائنات، ولا كل أسرار الأرض والحياة، ولا كل أسرار الإنسان والحيوان، حتى ولا كل الأسرار المحتشدة في خلية صغيرة بحجم رأس الدبوس .. نحن لم نعرف كل الأسرار والحقائق التي اكتشفناها عن طريق التجربة.

هل كشف العلم كل ألغاز الوجود وأحاط بكل شيء؟

إن ما خفي عنا هو أكثر بكثير مما علمناه .. فلاينبغي للعاقل الحكيم الرشيد أن يستهتر ويركب رأسه ويعلن أن الآخرة كذبة!

يستطيع العلم أن يقول أن الغيب وعالم الله غير المنظور والملائكة والجن والشياطين وبعث الناس والآخرة والجنة والنار لم تخضع حتى الآن للتجربة، لأن أدوات الكشف المادية كالمرصد ( التلسكوب ) والمجهر ( الميكروسكوب ) قاصرة حتى الآن عن الوصول إلى ذلك .. ولكن لا يجوز للعلم بحال من الأحوال أن يقول: إن عالم الغيب غير موجود .. لأنه بذلك يكون قد نفى شيئا لم يمتلك كامل أدوات الكشف عنه، وحينئذ لا يجوز للعلم أن ينفي بالأدوات المادية العادية شيئا غير مادي .. إنه بذلك يصبح كمن يريد أن يرى بإذنه أو يسمع بعينيه أو يتذوق بلمسه او كمن يريد أن ينفي وجود الرائحة ببصره أو وجود اللون بسمعه!

يقول أينشتاين:

( إن أروع شعور يملأ نفس الإنسان وهو يتطلع إلى السماء أن هناك سرا هائلا وراء كل شيء. إن هذا السر هو المصدر الحقيقي لكل علم، وكل إنسان لم يستشعر جلال هذا السر هو إنسان أعمى .. ) عن كتاب ( الذين هبطوا من السماء ) 34.

لهذا كله نقول: هناك إمكانية للحياة بعد الموت لا يستطيع أن يرفضها العلم، على الرغم أنه بدأ يتعاطف أخيرا مع فكرة الروح وإمكانية البعث بعد الموت من خلال بعض الظواهر والمؤشرات والاستنتاجات .. وهذه أهمها:

أ‌- التحولات الكيميائية:

العلم يؤكد أن التحولات الكيميائية قادرة على تغيير الشيء إلى ضده، فالأسمدة تتحول في التربة إلى خلايا نباتية يأكلها الإنسان والحيوان ثم تتحول الخلايا النباتية بعد أكلها في سلسلة من العمليات الكيميائية المعقدة إلى خلايا حية وذلك كله طبعا بقدرة الله .. فلماذا لا نتصور إمكانية تحول التراب عبر عمليات كيميائية ضخمة إلى جسد بشري تملأه الحياة بإرادة الله؟

يقول تعالى:

(قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ) ( يونس 10/ 31 – 32 )

لقد استبعد الناس فكرة البعث لأن الأشياء لا تتحول إلى أضدادها ونسوا الشجر الأخضر الذي يتحول إلى نار، والأرض الميتة تهتز بالشجر إذا سقيت ماء، وهكذا ينقلب الشيء إلى ضده، وكذلك العظام البالية تنقلب إلى ضدها بالإحياء.

يقول تعالى:

(الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (80) أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ) ( يس 36/ 80 – 81 )

وورد أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سئل:

– كيف يبعث حيّ من حفنة تراب؟

فأجاب صلى الله عليه وآله وسلم بما معناه – وكيف يخلق حي من نطفة؟

حقا أليست النطفة كمية صغيرة من المعادن والأملاح والعضويات المعقدة وهي عناصر أكثرها موجود في التراب؟

فماذا نستبعد انبثاق الحياة من التراب بقدرة الله؟ إنه تفاعل كيميائي ينتج عن الطين وأكوام الأسمدة تحت الأرض في المعمل الكيميائي المظلم، فسبحان الخلّاق القدير!

ب – تجدد الخلايا:

يؤكد العلم أن الجسم يستبدل في كل ثانية واحدة، من مليونين إلى ثلاثة ملايين خلية دموية تموت لينمو غيرها.

ومن الخلايا الدموية ما يقدر عمره بالساعات أو الأيام كالكريات البيضاء في الدم. كما يستهلك الجسم عشرات الملايين من غير الخلايا الدموية.

فالموت ياكل فينا كل لحظة، والحياة تتولد فينا في كل لحظةـ ونحن نفنى ونولد باستمرار!!

والجسم كالنهر الجاري يتغير ويتحول ويتجدد باستمرار على أنقاض الخلايا المستهلكة الميتة .. ولولا ذلك لما نما الجسم.

والجسم كله يتبدل كليا بالتدريج كل بعض سنوات باستثناء بعض خلايا الدماغ.

إن ظاهرة التجدد الدائم في خلايا الإنسان دليل على البعث المستمر داخل الجسم. فلماذا لا يكون البعث الأخير قائما على أنقاض الجسم الميت كما تقوم الخلايا الجديدة على أنقاض الميّتة؟!

ج – الخلايا النبيلة:

أثبت العلم أن خلايا الجسم وأجهزته لا تموت كلها دفعة واحدة عند الوفاة، بل تبدأ بالموت بالتدريج بعد الوفاة، ومنها ما يموت بعد أيام، لذلك يوصي بعض الناس ببعض أعضائهم كالعين بعد الوفاة لشخص أعمى حتى يبصر بها. كما يشاهد الناس أحيانا لحما طازجا يتحرك ويهتز حتى بعد ذبح الحيوان وتقطيعه بساعات، مما يعني أن الحياة لا زالت فيه.

وتؤكد نظرية علمية ان أكثر خلايا الجسم تبدأ بالموت والتآكل بعد الوفاة مباشرة وتستكمل موتها بسرعة، إلا خلايا الجهاز العصبي من أول المخ حتى الشعيرات الدقيقة والخلايا المنفردة التي يتكون فيها الجهاز كله، فهي لا تتآكل ولا يحدث فيها تغير، ولهذا سميت الخلايا الثمينة أو النبيلة … وتبقى هذه الخلايا تحس وتستجيب حتى بعد موت صاحبها، فهو يشعر بما حوله من خلال التقاط خلايا الجهاز العصبي للذبذبات، وقد ثبت إمكان إعادة تلك الخلايا إلى الحياة الطبيعية حتى بعد شهر من انقطاع الغذاء والهواء عنها كما يقول علماء طبيعيون.

وهذا يكشف سر تلقين المسلمين أمواتهم شهادة الإسلام عند دفنهم، ومعنى ضغطة القبر وعذابه ونعيمه ما دام شعور الميت في الخلايا النبيلة يمكن أن يكون مستيقظا بعد الموت لمدة طويلة، ويستجيب وينفعل لما يحدثه الله فيه من راحة أو ضيق روحي في القبر … وهو يفسر ما ورد على لسان أهل التاريخ والسّير إن رسول الله صلى الله عليه وسلم خاطب القتلى من مشركي قريش بعد معركة بدر وناداهم بأسمائهم وقال لهم:

( يا فلان، يا فلان، قد وجد ما وعدني ربي حقا فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا؟

فقيل له – أتناديهم يا رسول الله وهم أموات؟

فقال صلى الله عليه وسلم – والذي نفسي بيده إنهم لأسمع لهذا الكلام منكم إلا أنهم لا يقدرون على الجواب. )

( الحديث موجود باختصار في كتاب المحجة البيضاء للمولى محسن الكاشاني ج1 ص 248 )

وتسأل: القرآن يؤكد أن الموتى لا يسمعون إلا حين البعث يقول تعالى:

(إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ) ( الانعام 6/ 26 )

(إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ ) ( النمل 27/ 80)

فكيف نوفق بين القصة المذكورة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهاتين الآيتين؟

الجواب: بعض الناس يسلبه الموت كل وعيه وشعوره وحواسه فلا يستيقظ إلا يوم القيامة ولعله هو المقصود من هاتين الآيتين.

وبعض الناس يستيقظ بعد الموت مباشرة أو حتى حين الموت يقول تعالى:

(إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا) ( النساء 4/ 97 )

(وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ) ( الأنفال 8/ 50 )

(وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آَيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ) ( الأنعام 6/ 93 – 94 )

(وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ) ( آل عمران 3/ 169 )

(وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ) ( البقرة 2/ 154 )

(قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا) ( غافر 40/ 11 )

وكل هذه الآيات تشير إلى حالة من الوعي والحياة تتم أثناء الموت أو بعده وقبل الآخرة، وفيها يجري سؤال وحساب، ونعيم وعذاب .. حتى جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في مضمون حديث:

الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا !!

مهما يكن .. فإن من الثابت بقاء بعض الحياة في بعض الخلايا الحية وإن تحطمت التركيبة الكاملة للجسد وتبددت، وذلك مؤشر إلى إمكانية وجود حياة بعد الموت، حتى وإن قطعنا النظر عن هذا الجزء الصغير من الحياة بعد الموت في بعض خلايا الجسم فإن هناك إمكانية للحياة لا على أساس الجسد وإنما على أساس الروح.

د – علم الأرواح:

ما هذه الشرارة الإلهية المتوقدة تحت قشرة الإنسان ؟

يقول العلماء أن في الجسم طاقة إلكترونية – مغناطيسية – ميكانيكية – كيماوية – كهربائية تحدث الحركة والحياة، فإذا مات الجسم تحررت منه وسبحت في الكون.

وجاء في كتاب ( سر الحياة طاقة إلكرتونية ) للدكتور عمر شوقي – طبع مصر – ما خلاصته:

( إن الإلكترونات الإيجابية في أشعة الكون تدخل الجسم فتتصادم مع الإلكترونات السالبة للأملاح، وأملاح المعادن والمواد النادرة وغير النادرة وكذلك الغازات في جسم الانسان. فتتحول هذا الطاقة الإلكترونية حسب احتياج الجسم إلى طاقة حرارية – ميكانيكية – كيماوية – كهربائية فتحدث الحركة والحياة. والخلية الحية إذا ماتت تتحرر منها طاقتها وتسبح في الكون ).

فهل هذه الطاقة هي الروح تسبح في الكون وتذهب إلى ملكوت الله ثم يعيدها تعالى إلى الجسم بعد بنائه كالشرارة الكهربائية التي تدخل في الأسلاك؟

ماذا يقول العلم عن الروح؟

لقد دلت التجربة في ( علم ) تحضير الأرواح على وجود أرواح في عالم الغيب تتصل بالإنسان قيل هي أرواح بشر، والأرجح أنها أرواح جن وشياطين يدّعى أنها أرواح بشر، تلقي بمعلومات تستهوي الناس، لكن أكثرها كاذبة بالتجربة والمشاهدة.

وربما إلى هذه الحقيقة تشير الآيات:

(هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ) ( الشعراء 26/ 221 – 223 )

(وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا) ( الجن 72/ 6 )

(وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا) ( الأنعام 6/ 128 )

ومهما يكن فإن ذلك يدل بالتجربة على وجود عالم غيبي كعالم الروح ..

وفي هذا الصدد قامت علوم ناشئة هي علوم الفيزياء والكيمياء الروحية، وعلم تأثير العقل في المادة.

وقد نقل الدكتور رؤوف عبيد وهو أستاذ في كلية الحقوق في جامعة عين شمس – مصر – في كتابه الإنسان روح لا جسد الذي يحتوي على الغث والسمين وتختلط فيه الحقائق بالاباطيل، تجارب عديدة في حقل الاتصال بالأرواح …

وقد بدأت الجامعات في أوروبا وأمريكا تهتم بهذا الموضوع، ووضع الكثير من العلماء هناك كتبا تعد بالمئات في وصف الحياة بعد الموت، وإن كان يظهر في الكثير منها ملامح الكذب والتدليس والتناقض.

وأبرز العلماء الذين تأكدوا من ثبوت الروح بالتجربة:

1- وليام كروكس – رئيس المجمع العلمي البريطاني.

2- وليام باريت – منشيء جمعية البحث الروحي في بريطانيا.

3- لورد رايلي – أستاذ الطبيعة التجريبية في جامعة كمبردج.

4- أوليفر لودج – من كبار علماء الطبيعة.

5- الدكتور إلكساندر كانون والدكتور بيير كوري والدكتور جون هتنجر – أشهر علماء الراديوم إطلاقا.

6- العالم الألزاسي شارل هنري – مدير معمل فسيولوجيا الانفعالات بالسوربون سابقا .

7- دارسو نيفال – عضو أكاديمية الطب والأستاذ بالكوليج دي فرانس ورئيس المعهد العام للسيكولوجيا.

راجع كتاب الإسلام يتحدى ( لوحيد الدين خان )

وإذا سألنا القرآن الكريم فإنه يقول لنا:

(وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلا) ( الإسراء 17/ 85 )

4- الضمير الاخلاقي:

إن العقاب والثواب في الدنيا على الاعمال ليس كافيين ..

فكم من مجرم أفلت من العقاب، وكم من محسن نال العذاب، وكم من مظلوم مات من دون أن يقتصّ حقه من ظالمه ..

إن الضمير الأخلاقي والعدل الإلهي يحتم وجود يوم يتحقق في العدل المطلق. ولولا البعث والجزاء لكان المؤمن والكافر، والظالم والمظلوم، والمحسن والمجرم، عند الله سواء .. بل كان الظالم والمجرم والكافر أحسن حالا لانهم استغلوا الدنيا وانتهكوا حقوق الآخرين دون حساب، وضحى فيها الآخرون في سبيل الله دون ثواب.

لذلك يقول الله تعالى:

(أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ) ( الجاثية 45/ 21 – 22 )

(وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ) ( ص 38/ 27 – 28 )

يقول الفيلسوق اليوناني أفلاطون:

( لو لم يكن لنا معاد نرجو فيه الخيرات لكانت الدنيا فرصة الأشرار، وكان القرد أفضل من الإنسان).

وقد بين تعالى الحكمة من بعث الأموات فقال:

(لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ) ( يونس 10/ 4 )

لا شيء إذا متروك ومسيب .. كلنا مسؤول أمام جهة عليا ومحكمة أخيرة عادلة لا تدانيها محكمة ولا يستأنف حكمها أو يميز .. وهذه هي قاعدة المسؤولية في الإسلام، أن نكون مسؤولين في النهاية أمام سائل عادل مطلق لا سائل فوقه.

ولولا البعث لكان وجود الإنسان عبثا … البعث يلغي عبثية الوجود، البعث يعطي المعنى للإنسان .. يقول تعالى:

(أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ) ( المؤمنون 23/ 115 )

والعدل الإلهي يقتضي أيضا إحياء كل المخلوقات وإنصافها .. يقول تعالى:

(وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ) ( الأنعام 6/ 38 )

() وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ) ( التكوير 81/ 5 )

لماذا تحشر كل هذه المخلوقات؟ هل تحشر لمجرد رؤيتها!! أو تحشر لغرض مهم هو إعطاء كل ذي حق حقه؟ وصدق الله حين يقول:

(وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ) ( الأنبياء 21/ 47 )

5- الفطرة والغريزة:

لماذا هذا الإيمان الشديد بالمعاد منذ أقدم العصور؟

من أين جاءت هذه الفكرة أساسا في كل أصقاع الأرض؟

إن أقدم الحضارات وصلت إلينا وثائقها هي حضارة المصريين القدماء، وكانوا يؤمنون بالبعث!

ألا يدل ذلك على أنها فكرة مجبولة في فطرة الإنسان وغريزته؟

نحن في الحياة ننشد السعادة العظمى والخير الأسمى، ولكننا نرى أن هذه الحياة أضيق من أن تستوعب كل ذلك، فلا بد أن يأتي يوم تتحقق فيه السعادة لمستحقيها.

إن عطش الإنسان إلى الماء يدل على وجود الماء في الطبيعة، كذلك عطشه للخلود والعدل المطلق يدل على وجود يوم الجزاء والخلود.

إن الرغبة الفطرية إلى شيء تدل أنه موجود في الطبيعة وإلا لما وجدت الرغبة فيه. هذا هو واقع الأشياء بالاستقراء والتجربة.

وإن عطش الإنسان إلى العدل الكلي المطلق عطشه إلى الماء دليل فطري على حقيقة البعث والمعاد .. حتى المجرم تدعوه فطرته لا شعوريا إلى البحث عن العدل. قيل إن لصوصا سرقوا مالا وجلسوا يقتسمونه فأخذ أحدهم أكثر من الآخرين فثاروا عليه وطالبوه بالعدل والإنصاف!!

وكثير من المظلومين يصرخون في ساعات الألم والمحنة: لو كان الله موجودا لأفنى الطغاة وسحقهم .. وهذا يدل على أن فطرة الإنسان تحتم أن يكون هناك عدل مطلق، وهو ما لا يتوفر إلا في الآخرة، ولكن الناس ذهلوا وهم في غمرة الألم والعذاب، إن الله يمهل ولا يهمل، وإن جزاءه آت لا ريب فيه ..

يقول تعالى:

(وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ) (يونس 10/ 11 )

(وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ) ( إبراهيم 14/ 42)

(وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ) ( النحل 16/ 61 )

الأديان:

بشرت الأديان باليوم الآخر، وهتفت بكلمات التحذير والإنذار في أسماع الغافلين .. وليس عبثا كل هذه الإخطارات والإنذارات على طول الزمان …

وأعظم من لفت النظر إلى ذلك هو الإسلام والقرآن في لهجة جازمة حازمة:

(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ) ( الحج 22/ 1 – 2 )

(وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) ( النحل16/38 )

(وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي)!! ( يونس 10/ 53 )

(أَنَّ السَّاعَةَ آَتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا) ( الحج 22/ 7 )

(قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ) ( التغابن 64/ 7 )

(فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ) ( الذاريات 51/23 )

وجاء عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :

( يا بني عبد المطلب إن الرائد لا يكذب أهله! والذي بعثني بالحقّ! لتموتن! ولتبعثن كما تستيقظون! وما بعد الموت دار إلا جنة أو نار! ) المحجة البيضاء في تهذيب الأحياء للمولى محسن الكاشاني ج1 ص 249

وجاء عن الإمام علي عليه السلام:

( لو تعلمون ما أعلم مما طوى عنكم غيبه، إذا لخرجتم إلى الصعّدات تبكون على أعمالكم وتلتدمون على أنفسكم، ولتركتم أموالكم لا حارس لها ولا خالف عليها، ولهمّت كل امرئ منكم نفسه، لا يلتفت إلى غيرها ). ( نهج البلاغة: خطبة 116 )

نتائج وجود يوم القيامة:

يقول المفكر مونييه: ( إن ترجي الآخرة يوقظ حالا إرادة تنظيم الدنيا ). كتاب إله الإلحاد المعاصر لغوستي بندلي ص85

والواقع أن للآخرة نتائج مسبقة في الدنيا وهي:

1- القيام بعمل الخير والحث عليه لأنه واجب وثوابه لا يضيع.

2- الارتداع والردع عن الشر لأنه حرام وعقابه لا يضيع.

3- الرقابة الذاتية في أعمال السر لأن الله مطلع على الأسرار.

4- الشعور بالمسؤولية الدائمة والتزام تقوى الله لأنه سيسألنا عن كل ما فعلناه (وقفوهم إنهم مسؤولون)

5- الشعور بالطمأنينة والسكينة بالعمل الصالح لضمان المصير، واستعباد القلق والهم الوجودي الذي ينتج عن الشعور بأن الموت عدم وفناء وأن لا حياة بعد الموت .. يقول تعالى:

(يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي) ( الفجر89\ 27 – 30 )

(أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) ( المجادلة 58\ 22 )

كتاب “أصول العقيدة الإسلامية عند الشيعة الإمامية”

لسماحة المرجع آية الله الشيخ عبد اللطيف بري

حرر سنة 1991م

مقابلات

أخبار ومناسبات

بيانات