حوارات عقائدية

يشكل هذا القسم حوارات عقائدية تعالج الإختلافات بين…

بين الإسلام واليهودية

* منهج الحوار بين أهل الأديان السماويّة * هل ور…

مسائل الفقه العملي

يتناول هذا الكتاب العديد من مواضيع الفقه العملي ال…

اسئلة حول الإسلام

تتناول هذه الزاوية اسئلة وإجابات حول الإسلام، وقد …

شؤون الأسرة

تتناول هذه الزاوية شؤون الاسرة وتنقسم إلى عدة فروع…

الاستفتاءات

يتناول هذا الباب العديد من الاستفتاءات التي يجيب ع…

«
»

معرفة النبي

تاريخ النشر: 19 كانون الثاني 2011م

النبوة

أرسل الله الأنبياء ليعرّف الناس بوجوده وصفاته ووحدانيته وباليوم الآخر، ويرشدهم إلى أفضل طرق الحياة والعبادة والسعادة، ومعرفة الحق والعدل وأفضل قيم السلوك وأكمل الأنظمة .. وإلى ذلك تشير الآية:

(لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ) (الحديد 57/ 25 )

(كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ) (إبراهيم 14/ 1 )

قيل أن عدد الأنبياء 124 نبيا، وقيل 24 ألفا، وقيل 124 ألفا، وقد ذكر القرآن منهم 25 نبيا، وأكد أن هناك رسلا آخرين، يقول تعالى:

(وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ) (النساء 4/ 164 )

وأرسل تعالى في كل أمة نبيا:

(وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ) ..( يونس 10/ 47 )

( وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ.. ) (النحل 16/ 36 )

واختار الله أنبياءه من خيرة البشر ليكونوا النموذج والقدروة الصالحة للناس .. لذلك كانوا معصومين عن الرذائل والأخطاء والمحرمات … دعوا كلهم إلى عبادة الله الواحد الأحد العادل القادر المدبر، والإيمان بالنبوات واليوم الآخر. أول الأنبياء آدم عليه السلام وآخرهم رسول الله محمد )ص(. وفي طليعة الأنبياء خمسة ناضلوا أشد أنواع النضال هم الأنبياء:

نوح، وإبراهيم، وموسى وعيسى، ورسول الله محمد )ص(، وهم أولو العزم، يقول تعالى:

(فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ.. ) (الأحقاف 46/ 35 )

هل اختلفت الأديان ؟

الأديان المرسلة من الله لا تختلف في أصول الدين، لأن أصول الدين واحدة لا تتغير بتغير الزمان والمكان .. يقول تعالى مشيرا إلى وحدة هذه الأسس والأصول في الأديان:

(وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ) (الأنبياء 21/ 25 )

(شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ) (الشورى 42/ 13 )

وجاء عن رسول الله )ص(:

( إنّا معاشر الأنبياء ديننا واحد )

أجل تنوعت بعض الأحكام والفروع بين دين وآخر بتنوع العصور والحاجات والمجتمعات، يقول تعالى:

(لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا) (المائدة 5/ 48 )

وما ظهر من اختلاف في أصول الدين بين الأديان إنما نتج عن تحريف الناس للدين حسب أهوائهم ومصالحهم وغايتهم .. وإلى هذا تشير الآية الكريمة:

(فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ) (البقرة 2/ 79 )

لماذا تعددت النبوات والأديان ؟

إن الإسلام شريعة متكاملة .. لكي يستوعبها الإنسان ولكي تنميه وتطوره بالتدريج أنزل على دفعات، كانت كل دفعة دينا يتناسب مع إمكانيات الإنسان وتطوره وظروفه وأحواله ومستواه العقلي والإنساني والروحي ومدى استيعابه، حتى تكاملت التشريعات زمن النبي محمد صلى الله عليه وسلم فكان خاتم الرسل، وشريعته خاتمة الاديان.

والأديان السماوية كلها إسلام بمعنى إسلام القلب والكيان إلى الله، يقول تعالى:

(إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ) (آل عمران 3/ 19 )

ويقول:

(وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) (آل عمران 3/ 85 )

ويقول:

(قُولُوا آَمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) (البقرة 2/ 136 )

لقد تعددت الأديان ضمن خط واحد ومبادئ وأسس وعقيدة واحدة .. وإنما تعددت الأديان لتنمّي بالتدريج حاسة الإنسانية والضمير والقيم الكريمة في شخصية الإنسان حتى تكاملت برسالة خاتم الأنبياء محمد ( ص).

إن الضمير العالمي اليوم ووثيقة حقوق الإنسان ثمرة من ثمار الدين الذي لم يخل منه جيل ولا زمن، ولا خلا جيل أو زمن من رسول أو رسالة.

لقد جائت خاتمة الرسالات لتكمل وتحيي وتجدد ما اندثر وضاع من تعاليم الرسالات والكتب السماوية. وعملية التدرج هذه في تنمية الشعور الإنساني عبّرت عنها الأديان بشكل تعدد يصيب في الوحدة الكبرى، وحدة الدين عند الله ووحدة الأنبياء … يقول تعالى:

( إن هذه أمتكم – أي أمة الأنبياء كلهم – أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون )

لهذا فإن رسالة النبي محمد صلى الله عليه وسلم تحترم كل الأنبياء وتقدسهم وتعتبر أن التفريق بينهم بالإيمان ببعض دون آخر كفر بكل رسالات السماء … يقول القرآن الكريم:

(إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا) (النساء 4/ 150 – 151 )

وتسأل: هذا يعني أن الشرائع السابقة ناقصة وأن دين أصحابها ناقص تبعا لها لأنها جاءت قبل أن تكمل الرسالة على يد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .

الجواب: كلا … دين كل مرحلة كامل بالنسبة لتلك المرحلة والاختلاف هو في السعة والضيق، والاختصار والشمول، وفي بعض التشريعات المؤقتة التي تستدعيها طبيعة المرحلة.

أجل!! بعد كمال الإسلام وتمامه على يد رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم لا بد لكل إنسان من اعتناق هذا الدين وإلاكان التزامه أمام الله ناقصا أو ملغيّا أو باطلا أو محرفا.

لماذا لا يأتي نبيّ جديد ؟

لقد تنوعت الشرائع السماويّة نظرا إلى أن الأديان كانت تربي الإنسان وترتقي به في سلّم الضمير والمدنية والإنسانيّة والأخلاق درجة درجة ومرتبة مرتبة، حتى أوصلته إلى المرتبة الكاملة والمنهج الأخلاقي الكامل على يد خاتم الأنبياء والرسل محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، ولا يحتاج الأمر بعد ذلك إلى رسول بل إلى أئمة وعلماء ورجال فكر واجتهاد، وقادة يمارسون التطبيق المتطور والحكم وبناء الدولة العادلة والمدنية السليمة ضمن مفاهيم الإسلام المرنة.

إن البناء الديني قد تكامل على يد خاتم الأنبياء والرسل، ولا حاجة بعد إلى نبي جديد ودين جديد … وإلى مثل هذا يشير الحديث الوارد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم :

( مثلي ومثل الأنبياء كمثل رجل بنى دارا، فأكملها وأحسنها إلا موضع لبنة (اللبنة: الحجر المصنوع الذي يبنى به)، فكان من دخلها فنظر إليها قال: ما أحسنها إلا موضع هذه اللبنة .. فانا موضع اللبنة ختم بي الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ).

الأدلة على نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم

1- بشارات الأديان

بشرت الأديان السابقة بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ومهدت لرسالة الإسلام العالمية الشاملة الدائمة. وإعلام الأنبياء بمجيء خاتمهم محمد صلى الله عليه وآله وسلم تمّ عن طريق علم الغيب الذي أطلع الله عليه أنبياءه ورسله. وإذا تتبعنا التوراة المتداولة حاليا نجد فيها النص الآتي:

( لأنه هكذا قال رب الجنود هي مرة بعد قليل فأزلزل السماوات والأرض و البحر واليابسة. وأزلزل كل الأمم ويأتي مشتهى كل الأمم فأملأ هذا البيت عدلا قال رب الجنود ) ( سفر حجي إصحاح2 فقرة 6-7 )

جاء في حاشية الأصل العبري:

( مشتهى كل الأمم حمدوت أي الذي تحمده كل الأمم ).

راجع محمد صلى الله عليه وآله وسلم في الكتب المقدسة لمحمد رواس قلعة جي ص15 طبع المكتبة العربية بحلب سوريا 1392هـ 1972 م.

عوجاء في قاموس الكتاب المقدر وهو يضم التوراة والإنجيل المتداولين حاليا ( تأليف نخبة من المختصين واللاهوتيين بإشراف المؤسسات الدينية المسيحية طبع في المطبعة الأنجلية في بيروت سنة 1964 م ):

( حمدان: اسم عبري معناه: سار، بهيج، مشتهى ) ص 317

ويعتبر المسيحيون بأن مشهى كل الأمم هو المسيح عليه السلام بشرت به التوراة اليهودية ( راجع قاموس الكتاب المقدس ج2 ص 888 )

ولكن حمدوت وحمدان أقرب لكلمة محمد وأحمد منها لكلمة المسيح أو عيسى، لأن كلمة محمد تعني في اللغة العربية الذي تحمده الناس حمدا كثيرا وتثني عليه لأنه كثير الخصال الحميدة، وكلمة أحمد تعني الذي يأتي أو يفعل ما يحمد عليه ( راجع المنجد وكتاب اللغة ).

وإذا أضفنا إلى هذا النص التوراتي نصا آخر من نفس التوراة يؤكد أنه يأتي ( وحي من جهة بلاد العرب ) سفر أشعياء إصحاح 21 – فقرة 13 يتضح لنا أن مشتهى كل الأمم الذي تحمده الناس والوحي من جهة بلاد العرب إشارتان لحقيقة واحدة هي نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم .

وإذا تتبعنا الأناجيل الحالية المتداولة بين الناس نجد في إنجيل يوحنا على لسان المسيح عليه السلام أنه قال:

( إن كنتم تحبونني فاحفظوا وصاياي. وأنا أطلب من الأب فيعطيكم معزيا آخر ليمكن معكم إلى الأبد ).

( إصحاح 14 فقرة 15-16 )

وهذا يعني أن المسيح عليه السلام يبشر بشخص آخر غيره، وأن من صفات هذا الشخص أنه نهائي أبدي لا ينقطع حكمه ولا تنتهي مدته. ألا يدل ذلك على رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم خاتم الأنبياء والمرسلين، وأن دينه هو الدين النهائي الدائم خاتم الأديان الذي ليس بعده دين، وأن حكم الإسلام قائم حتى نهاية الحياة البشرية على الأرض، وأن حلال محمد حلال إلى يوم القيامة وحرامه حرام إلى يوم القيامة؟

( وأما المعزّى الروح القدس الذي سيرسله الأب باسمي فهو يعلمكم كل شيء ويذكركم بكل ما قلته لكم. سلاما أترك لكم )

( إصحاح 14 فقرة 26-27 )

ولعل هذا مصداق قوله تعالى في القرآن الكريم:

(وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ) (النحل 16/ 89 )

وهل السلام إشارة إلى دين الإسلام؟

وجاء أيضا في إنجيل يوحنا أن المسيح عليه السلام قال:

( لكني أقول لكم أنه خير لكم أن أنطلق … لأنه إن لم أنطلق لا يأتيكم المعزى. ولكن إذا ذهبت أرسله إليكم. ومتى جاء ذاك يبكّت العالم على خطية وعلى بر وعلى دينونة ) ( إصحاح 16 فقرة 7-8 )

ومتى جاء المعزّى الذي سأرسله إليكم من الأب روح الحق الذي من عند الآب ينبثق فهو يشهد لي. وتشهدون أنتم أيضا لأنكم معي من الابتداء ) ( إصحاح 14 فقرة 26 )

والرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم شهد كتابه بنبوة عيسى عليه السلام ومجّده وشرح كثيرا من مواقفه ونزّهه عن الصلب وأشار إلى تكريم الله له برفعه إليه.

( إن لي أمورا كثيرة لأقول لكم ولكن لا تستطيعون أن تحتملوا الآن، وأما متى جاء ذاك روح الحق فهو يرشدكم إلى جميع الحق لأنه لا يتكلم من نفسه بل كل ما يسمع يتكلم به، ويخبركم بأمور آتية. ذاك يمجّدني … )

( إصحاح 16 فقرة 12- 14 )

وقد جاء الإسلام يفصل أحكام كل شيء ويوضح كل عناصر الحق، وكل ما التبس على أهل الأديان السابقة. وقد أشار النبي صلى الله عليه وآله وسلم والقرآن الكريم إلى حوادث مقبلة، منها ما وقع كانتصار الروم على الفرس ( راجع الآيات الأولى من سورة الروم )، ومنها ما يقع حاليا كالملاحم والفتن، ومنها ما سيقع كسيطرة المؤمنين على الحكم في الأرض وسيادة شرعة الإسلام وعدالة الله بين الناس في نهاية المطاف.

والآن ماذا يفسّر المسيحيون كلمة ( المعزي ) ؟

جاء في قاموس الكتاب المقدس في تفسير كلمة المعزي:

( هو الروح القدس. ولم ترد إلا في إنجيل يوحنا، والكلمة الأصلية اليونانية ” براكليتيس ” وتعني ( معزّ )

و ( معين ) و ( شفيع ) و ( محام … )) ص 626 .

من هو المعزي الذي بشر به المسيح عليه السلام؟

ذكر أن هناك كلمة أخرى تشبه كلمة براكليتيس هي بيراكليت تعني محمدا أو أحمد أو محمودا، ومهما يكن فإن أوصاف المعزّي الروح القدس كما وردت في إنجيل يوحنا أوصاف بشرية بحسب العادة، فهو يسمع ويتكلم ويمكث مع الناس فهو إنسان وليس ملاكا. وهذه الأوصاف لم تنطبق بحسب هذه البشارات إلّا على نبوة رسول الله محمد( ص) الشفيع يوم القيامة.

وها قد مضى على مجيء المسيح 1982 سنة وهي فترة طويلة جدا لم يعقد مثلها في انقطاع النبوات .. فإذا لم يكن محمد نبيا وخاتم الأنبياء فلماذا انقطاع الوحي هذه المدة الطويلة ولم يأت نبي جديد؟

وفي إنجيل برنابا ( ترجمة الدكتور خليل سعادة – الطبعة الأولى مطبعة المنار بمصر 1325 هجرية 1907 م واسمه ( الإنجيل الصحيح ليسوع المسمى المسيح ) بحسب رواية برنابا تلميذ المسيح عليه السلام. وهو إنجيل لا يعترف به المسيحيون، جاء فيه:

( فمنح الإنسان الأول تلك الكتابة على إبهاميه: على ظفر إبهام اليد اليمنى ما نصه ( لا إله إلّا الله )، وعلى ظفر إبهام اليد اليسرى ما نصّه ( محمد رسول الله ). ( الفصل 39 خلق آدم فقرة 24-25 ).

وهذا ما يؤيد ما جاء عن الإمام علي الرضا عليه السلام أنه قال:

( كان نقش خاتم آدم: لا إله إلا الله محمد رسول الله، هبط به معه من الجنّة ). قصص الأنبياء للسيد نعمة الله الجزائري ص21.

وجاء في إنجيل برنابا أيضا:

( أن اسمه المبارك محمد. حينئذ رفع الجمهور أصواتهم قائلين: يا الله أرسل رسولك يا محمد تعال سريعا لخلاص العالم).

( الفصل 97 فقرة 17-18 )

( أجاب التلميذ: يا معلم: من عسى أن يكون ذلك الرجل الذي تتكلم عنه الذي سيأتي إلى العالم؟ .. أجاب يسوع بابتهاج قلب: إنه محمد رسول الله )!! .. فصل 163 فقرة 7-8 وقد أكد القرآن وجود هذه البشارات في كتب أهل الكتاب كاليهود والمسيحين وأن الله أخبر أنبياءه بخاتمهم محمد صلى الله عليه وآله وسلم يقول تعالى:

(الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) (الأعراف 7/ 157 )

(وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءهُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُّبِين ). (الصف 61/ 6 )

وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُواْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ) (آل عمران 3/ 81 )

2- السيرة:

سيرة النبي وسلوكه منذ بداية حياته حتى وفاته هي سيرة الأنبياء في العبادة والزهد والتواضع والأخلاق الكريمة والصبر والعفة والرحمة والكرم والشجاعة والحلم والجهاد والتضحية إلى ما هنالك من قيم ومزايا عظيمة.

وورد أنه صلى الله عليه وآله وسلم وسلم توفي ودرعه مرهونة عند يهودي، وكان يمر عليه الشهر والشهران لا يوقد في بيته نارا بل يكتفي بالتمر والماء ولا يطبخ طعاما .. ينام على الحصير البالي حتى أثر في جنبه، وما شبع حتى من خبز الشعير !! وكان قادرا على العيش كأغنى إنسان دون أن ينتقده في ذلك أحد، لكنه رفض وآثر حياة التقشف والعبادة.

إن سيرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وثباته في سبيل الله وصدقه في الدعوة أمر يدهش الباحثين ويثير إعجاب الأعداء فضلا عن الأصدقاء وكل ذلك مؤشر كبير على نبوته صلى الله عليه وآله وسلم .

3- الشخصية:

شخصية النبي التي اختلفت بشكل ملحوظ بعد النبوة عنها قبل النبوة تشير إلى حالة غير اعتيادية طرأت على كيانه وشخصيته فجأة، ولا تفسير طبيعيا لهذه الظاهرة المفاجأة إلّا بالتدخل الإلهي ومعجزة النبوة. فلم يعرف عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان خطيبا مشهورا في الجاهليّة أو متعلّما مثقفا أو كاتبا لنصوص فكرية أو علمية أو أدبية وذلك مدة أربعين سنة قبل النبوة، وعندما نزل عليه الوحي وابتدأت مرحلة الرسالة، تغيرت شخصيته الثقافية والفكرية والحياتية والعسكرية بشكل مفاجئ. هذه الظاهرة لا يمكن تفسيرها بالأسباب الطبيعية كما نفسر ظاهرة أي فيلسوف أو متعلّم أو عالم في المجتمعات البشريّة، لأن الأسباب الطبيعية تقتضي أن يتعلم الإنسان و أن يستمر في إظهار علمه وخطبه وبلاغاته وأن ينمو شيئا فشيئا ويتطور في سلسلة من الخطأ والصواب منذ نعومة أظفاره. لكن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لم يقدم التجارب من هذا النوع فلا يمكن تفسير كل الظواهر المفاجئة التي استولت على شخصيته إلا بالمعجزة النبوية وبأن الله هو الذي علّمه حتى ورد في الحديث عنه صلى الله عليه وآله وسلم :

( أدبني ربي فأحسن تأديبي )

وقال تعالى:

(وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا). (النساء 4/ 311 )

إن ملامح النبوة ظاهرة في شخصية الرسول، وما يقدمه أهل الأديان من أدلّة على نبوة موسى وعيسى تجد أكثر منه في النبي محمد صلى الله عليه وسلم .. فإذا أنكرنا نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم فقد أنكرنا نبوة كل الأنبياء .. يقول القرآن الكريم:

(قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ..) (الاحقاف 46/9)

(أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِّنْهُمْ.. ) (يونس 10/ 2 )

(قُلْ إِنَّمَا أَعِظُمكُم بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَّكُم بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ ) (سبأ 34/ 46 )

4- الانقلاب الحضاري:

الانقلاب الحضاري الذي أحدثه الرسول صلى الله عليه وسلم خلال 23 سنة لا يسهل تفسيره تفسيرا طبيعيا .. فقد قضىى وعلى الوثنية ، وعادات الجاهلية السيئة المستحكمة، ووحد المجتمع، وأرسى نظام دولة كبرى، وخلق عناصر بروز أمة ضخمة قويّة سرعان ما أزالت كيان الدولتين العظيمتين في ذلك العصر: الدولة الساسانية الفارسية والدولة البيزنطية الرومية. وأحدث صلى الله عليه وآله وسلم انقلابا فكريا وروحيا وعقليا واجتماعيا وسياسيا وانسانيا مدويا ..

لقد حدث كل شيء فجأة .. بدون مقدمات اجتماعية ولا تمهيدات فكرية أو تاريخية أو حضارية أو واجتماعية في بلاد العرب كالتي تسبق كل ثورة بشرية. تحول العرب من قبائل متقاتلة متوحشة، تقتل الأطفال وتئد البنات، ويسطو بعضهم على بعض، وتتحكم فيهم الغرائز والنزعات القبلية والعنصرية الجاهلية والخرافات والأساطير والعقد، ويستحكم فيهم الجهل والتخلف والفوضى والمرض .. تحولوا خلال 23 سنة إلى أقوى دولة في العالم في ذلك العصر وأكثر الدول تقدما ورقيا وعلما وثقافة وعدلا …

مالذي حدث خلال هذه الفترة الخاطفة؟

لا يسهل علينا تفسير كل ما حدث تفسيرا طبيعيا عاديا وفق سنن التاريخ الاجتماعي … إنها النبوة المسددة من قبل الغيب التي يقول الله تعالى فيها:

(هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ) ( التوبة 9/ 33 )

5- المعجزة الخالدة: القرآن العظيم:

لا بد لكل نبي من معجزة تكون دليلا على صدق نبوته تناسب نوعية رسالته وقدرات عصره ووعي الناس..

فالمعجزة المؤقتة هي للدين المؤقت كالدين اليهودي والمسيحي، والخالدة المستمرة الغنية بأنواع الإعجاز الدائم هي للدين المستمر الدائم كالإسلام.

جاء نبي الله موسى عليه السلام في عصر السحر ودينه مؤقت فجاءت معجزته مؤقته وعلى نسق السحر وهي العصا التي انقلبت حية وقد انقضت وانتهت.

وجاء نبي الله عيسى عليه السلام في عصر الطب حيث كانت فلسطين مستعمرة يونانية تأثرت بالطب اليوناني، ودينه مؤقت فجاءت معجزاته مؤقته وعلى نسق الطب كإبراء المريض والأعمى والأبرص وإحياء الموتى بإذن الله، وقد انقضت وانتهت.

وجاء رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم في عصر الفصاحة والبلاغة والكلمة الفاعلة المؤثرة ودينه كلي أبدي فجاءت معجزته القرآن الغني بالبلاغة وأنواع الإعجاز ليتناسب ليس فقط مع بلاغة العرب وإنما أيضا مع تنوع الكفاءات والاختصاصات عبر العصور واختلاف المجتمعات .. لهذا عجزت البشرية عن الإتيان بمثله .. وها هو القرآن لم ينقض ولم يزل، قائم أبدي كأبدية الإسلام وعالميته وديمومته.

إن كل معاجز الانبياء، انتهت إلا معجزة الدين العالمي الأبدي قائمة .. إن القرآن هو النبأ العظيم الذي يتناسب ونضوج العقل البشري وأعظم تطور يمكن أن يصل إليه إنسان. ولما كان القرآن لكل العصور تعددت عناصر معجزته مما يتناسب واختصاصات كل عصر.

القرآن معجزة قائمة أمام العين الآن .. تماما كأنك أمام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى قال بعض أصحابه: من بلغه القرآن فكأنه رأى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم !! وجاء في الحديث عنه صلى الله عليه وآله وسلم :

( من قرأ القرآن فكأنما أدرجت النبوة بين جنبيه إلا أنه لا يوحى إليه ).

القرآن أكثر من ستة آلاف آية، وكل من يقرأة يشعر كأن في داخل القرآن آلاف االخبراء والفلاسفة والاختصاصيين والمحللين والمشرعين والمفكرين، وعلماء النفس والطب والاجتماع والسياسة والاقتصاد، وعلماء الحساب والرياضيات والفلك والطبيعة والتاريخ والجغرافية، وعلماء النبات والأحياء ..

ما هذه العجيبة ؟

لقد صدق من قال ( لقد سمعنا قرآنا عجبا )، والسؤال، هل كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كل أولئك الخبراء والاختصاصيين؟

هل درس كل ذلك وتخصص فيه مما لا تسعه أعمار أجيال فضلا عن عمر شخص واحد عاش في البادية؟

ألا يدل ذلك على أنه تنزيل العزيز العليم؟

وفيما يلي بعض وجوه ذلك الإعجاز الذي ما زال يتكشف بخصوبة وزخم يوما بعد يوم:

أ – وحدة الكمال الفني:

ينطوي القرآن على بلاغة عالية من أوله إلى آخره في وحدة مستقيمة متماسكة وتركيب بنائي محكم وهو نسيج وحده .. ولو كان من صنع البشر لتفاوتت الآيات في البلاغة بين بليغة وغير بليغة .. ووحدة الكمال الفني العالي التي تشمل كل آياته دليل على أنه وحي من الله تعالى.

ب – التحدي:

تحدّى القرآن أهل الاختصاص أن ياتوا بمثله فقال:

( قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا ) (الإسراء17/ 88 )

(أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ ) (هود 11/ 13 )

(وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِه) (البقرة 23 )

وأصغر سورة في القرآن سطر واحد .. فاحتاروا وفشلوا.

إن التحتيم القاطع بأنهم لن يستطيعوا أن يأتوا ولو بسورة، دلالة قاطعة على أن القرآن من صنع الله.

لقد أهانهم هذا التحدي وكشف ضعفهم وعجزهم وعرّاهم .. ولو استطاعوا معارضته لفعلوا لأنهم في أشد الحاجة إلى مواجهته وتكذيبه وتزييفه للمحافظة على مكاسبهم ومواقعهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية. واليوم وقد مضى على النبي أكثر من 14 قرنا ولا زال التحدي قائما ولم يستطع أحد مواجهته على الرغم من المحاولات التي قام بها أمثال المعرّي وابن المقفع وفشلت.

ج – المباديء والتشريعات المتقدمة:

إن المبادئ والتشريعات والقوانين التي قدمها القرآن دعمت الحياة الإنسانية والصحة والعقل والتطور والحرية والكرامة والعدل والتقدم الحضاري .. وجاءت بأعظم القوانين الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي وازنت بين المجتمع والفرد، والقوي والضعيف، والحاجات المادية والروحية والملكية العامة والخاصة، والحقوق والإلتزامات، وتكافؤ الفرص، والقيم الأخلاقية التي لا غنى للأنسان عنها، حتى قال غوستاف لوبون في كتابه ( حضارة العرب ) ( إن أصول الأخلاق في القرآن عالية علو ما جاء في كتب الديانات الأخرى جميعها ).

والواقع أن القرآن غني جدا بالمبادئ المتقدمة .. حتى جاء عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :

( القرآن غنى لا فقر بعده، ولا غنى دونه ) الواعظ ج 6 ص 108

د – الحقائق التاريخية:

ذكر القرآن حقائق عن التاريخ القديم لم يذكرها التاريخ، ثم تأكدت فيما بعد كبقاء سفينة نوح من بعده، وبقاء جثة فرعون مصر الذي أغرقه الله في البحر .. وقد اكتشفها علماء الآثار أخيرا. قال تعالى:

( فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك أية ).

وقد ذكر أن اسم فرعون موسى: ( منفتا ) ويلقب بسليل الآله، وهيكله بدار الآثار المصرية كتبت الآية السابقة بجانبه.

هـ – نبؤات القرآن:

منها ما تحقق كإخبار القرآن بأن الروم سينتصرون في زمن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بعد أن انكسروا يقول تعالى:

(الم ,غُلِبَتِ الرُّومُ، فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ، فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ، بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاء وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ) (الروم 30/ 1-5 ) وقد انتصروا بعد ذلك فعلا.

وكإخبار المسلمين بأنهم سيفتحون مكة آمنين وقد افتتحوها آمنين .. يقول تعالى:

(لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاء اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا ) (الفتح 48/ 27 )

وإخباره بأن أبا لهب وزوجته مصيرهما إلى النار لأنهما لن يؤمنا، وقد ماتا فعلا على الكفر، يقول تعالى:

( تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ، مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ، سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ، وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ، فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ ) (المسد 111/ 1-5 )

وهناك نبؤات لا نعرف كيف ستتحقق تماما كقوله تعالى:

(وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِّنَ الأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لا يُوقِنُونَ ) (النمل 27/ 82 )

(فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاء بِدُخَانٍ مُّبِينٍ، يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ ) (الدخان 44/ 10 – 11 )

و – المنهج العلمي:

وضع القرآن أدق منهج علمي في طرق المعرفة للكشف عن الحقائق وركز على الأدلة والبراهين النفسية والحسية والموضوعية والعقلية، وحارب أساليب التقليد السيئة والأوهام والسحر والكذب والتحيز والأباطيل: وأشار إلى أهميّة التجربة والعقل والوحي في المعرفة وقال:

(وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ). (الحج 22/ 8 )

وحث على الاستمرار في العلم ( وقل رب زدني علما )

ومنع من متابعة أي موقف بدون علم ومعرفة، وأشار إلى أهمية الحواس في الكشف .. قال تعالى:

( ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا ) وظل القرآن ثورة في النهج العلمي حتى اليوم.

ز – تجدد القرآن الدائم:

كلما مر الزمن تجدد القرآن وتألق وكشف عن المزيد من مكنون كنوزه وعظمة مفاهيمه ومعلوماته واستوعب تطورات التاريخ وتقدم الفكر والمعرفة والكشوف .. حتى أن أعظم التفاسير التي وضعت للقرآن عتقت وبليت وظل هو متجددا لامعا حيا، لقد استغرقها القرآن وتجاوزها بديناميته العجيبة وقوته المدهشة.

إن تطور الفكر البشري يستدعي تجاوز الكتب القديمة مهما تكن عظيمة إلا القرآن فإنه يظهر مع أعظم الكتب الجديدة أقوى وأروع وأعمق، وهذا يدل على إعجازه وأنه من لدن عليم خبير.

ح – الإعجاز العددي:

وهو وجه جديد من إعجاز القرآن يبتني على تناسق عدد الكلمات أو الحروف في القرآن وتناسبها حتى ذكر أن بعض الحروف حين نقص عددها في الكلمات استكملت بصيغة أحرف مقطعة في بدايات بعض السور كقوله تعالى: ( حم، عسق ) او ( كهيعص، ذكر رحمة ربك عبده زكريا ) وإن في ذلك دلالات مهمة، وأن وراء الآيات والكلمات حسابا دقيقة في كل حرف أو كلمة.

وقد ذكر الأستاذ عبد الرزاق نوفل في كتاب ( الإعجاز العددي للقرآن الكريم ) بعض الأمثلة منها:

– يتساوى في القرآن ذكر الدنيا والآخرة في العدد فكل منهما ذكر 115 مرة.

– يتساوى ذكر الحياة والموت ( حياة الخلق ). كل منهما 145 مرة.

– يتساوى ذكر السيئات والصالحات. كل منهما 167 مرة.

– يتساوى ذكر الضالين مع الموتى.

– تكررت الصلات قدر النجاة.

– تتساوى ذكر الزكاة بذكر البركات.

– تساوى ذكر الرغبة والرهبة.

– تساوت الشدة بمشتقاتها مع الصبر بمشتقاته.

– يتساوى ذكر محمد في العدد بروح القدس والملكوت والسراج والشريعة.

– تكرر اليوم 365 مرة كعدد أيام السنة الشمسية.

كل ذلك يدل على أن هناك عقلا يفوق قدرة البشر وضع كل كلمة أو حرف في معادلة رياضية دقيقة.

يقول تعالى:

(اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ) (الشورى42 /17 )

بل قيل إن رقم 19 في القرآن يشكل معادلة رياضية كلية. قال تعالى:

(سَأُصْلِيهِ سَقَرَ وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آَمَنُوا إِيمَانًا وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ ) ( سورة المدثر74/ 26-31 )

وقال تعالى:

(كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آَيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ ) ( هود11/ 1 )

ط – الكشوف العلمية:

تتوافق الآيات القرآنية مع حقائق العلم القاطعة التي تم اكتشافها أخيرا، وهذا يدل أن القرآن ليس من صنع البشر وإنما من صنع إله عالم بالحقائق والأسرار .. وهذه بعض الأمثلة التي تتطابق الحقائق العلمية فيها مع إيحاء الآيات:

– الاختناق في أعلى الفضاء: إذا ارتفع الأنسان في الجو قلّ الأوكسجين وضاق الصدر حتى الاختناق. وتم اكتشاف هذه الحقيقة بعد الصعود إلى الفضاء. قال تعالى:

(يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ). (الأنعام 6/ 125 )

– بصمات الأصابع: يحمل كل إنسان شيفرته الخاصة في بصمات بنانه تميزه عن الآخرين في خطوط بصماته.

هذا ما كشفه العلم. قال تعالى:

(أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ) . (القيامة75/ 34- )

والبنان في اللغة: هو العقدة العليا من الإصبع.

– أطوار الجنين: بعد اختراع المختبرات وتطور علم الأجنة والتشريح تم التعرف على أطوار الجنين في الرحم وهي تتوافق مع الآية:

ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا) ( المؤمنون 23/ 12 – 14 )

(يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ) (الزمر 39/ 6 )

فهل هذه الظلمات الثلاث هي الأغشية الصماء: المنبارية والأمنيونية والخوربونية التي لا ينفذ منها الماء والحرارة والضوء كما أثبتها العلم الحديث؟.

– انكماش الأرض: تتناقص الأرض يوما بعد يوم وتنكمش على نفسها بعد أن انفصلت عن الشمس وأخذت تبرد، ثم تشققت قشرتها وأخرجت الحمم والبراكين والغازات، وذلك يجعل حجمها يقل باستمرار، مع ملاحظة الضغط الجوي والجاذبية الأرضية … يقول تعالى:

(أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا .. ) (الرعد 13/ 41 )

– مادة الكون الأولى: تفيد نظريات العلم الحديث أن مادة الكون الأولى هي غاز الأيدروجين ممزوجا بالسديم وهو الغبار الكوني، ومنها تكونت الأجرام والكواكب والنجوم فهل يتوافق ذلك مع الآية القرآنية التي تقول: (ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ .. ) (فصلت 41/ 11 )

– الجبال وتوازن حركة الأرض: الجبال الضخمة تسمى رواسي وهي تحافظ على توازن الثقل على جوانب الكرة الأرضية، وتجعل دوران الأرض مطمئنا بدون ارتجاج، فلا تميد ولا تتزعزع، يقول تعالى:

(أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا) (النبأ 78/ 6-7 )

(وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ) (الأنبياء 21/ 31 )

– القمر مرآة الشمس: الشمس مصدر النور والقمر مرآتها فهي السراج وهو العاكس لنور السراج. قال تعالى:

(وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا) (نوح71/ 16 )

– وسائل النقل الحديثة: يقول تعالى:

( … وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ). (النحل 16/ 8-9 )

فهل قصد السبيل هنا هو تقصير المسافات كما في قول تعالى:

(لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ) ؟ (التوبة 9/ 42 )

وهل جاءت كلمة جائر في الآية من الجؤار أي الهدير والهادر لتشير إلى أحدث وسائل النقل كالطيران وغيره؟

بالإضافة إلى كل هذا فقد تنبأ وكشف القرآن حقائق علمة وكونية لم يستطيع العلم أن يجيب عنها حتى الآن مثلا.

ان القرآن أكد وجود مخلوقات حية تسكن بعض أجرام السماء. قال تعالى:

(وَمِنْ آَيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ). (الشورى 42/ 29 )

والدابة كل ما يدب من الأحياء. قال تعالى:

(وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) ( النور 24/ 45 )

وحتى الآن لم يبت العلم في مسالة وجود سكان في بعض الكواكب الاخرى ولكن القرآن أكده. إن علماء الطبيعة إذا درسوا القرآن سيتأكد لهم إنه معجزة علمية لا يمكن للبشر أن يكتبوه من أنفسهم .. يقول تعالى:

(وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ) (سبأ 34/ 6 )

ويمر الزمن وتزداد الكشوف والعلوم غنى وتقدما، وتزداد عظمة القرآن، وتتحقق أقواله في كل شيء، في الطبيعة والحياة، والمجتمع والإنسان .. ويزداد إعجازه تألقا و وضوحا ويتضح معنى الآية أكثر فاكثر:

(قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآَنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا )؟! (الإسراء17/ 88 )

إذا لم يكن محمد صلى الله عليه وسلم نبيا:

من لم يؤمن بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم يلزمه أن يقول بهذه الأمور:

1- إن النبي كاذب بادعاء نبوته.

2- وإن عبادته وزهده وتقواه وتضحيته كانت رياء وحيلة.

3- وأنه كان مثقفا متعلما حتى استطاع أن يأتي بالقرآن.

4- وأنه ليس على شاكلة بقية الرسل والأنبياء.

5- وأن الله نصره ونصر نبوته وأظهرها على الناس رغم كذبه وريائه.

ولندرس هذه الفروض على ضوء العقل والمنطق ووقائع التاريخ (1):

1- كذب النبوة:

إن من يدعي النبوة كذبا ويقع في مأزق هذه الكذبة الكبرى لا بد أن تكون حياته سلسلة ضخمة من الغش والتلاعب والخداع والكذب، ولا بد أن يفتضح أمره فورا ويكشفه الأعداء والأصدقاء.

فهل كانت حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم كذلك؟ يؤكد لنا التاريخ أن حياته منذ نشأته كانت ­تشتمل على صفات الطهر ومكارم الاخلاق والعاطفة والعفة والكرم والأمانة والصدق، حتى لقب منذ شبابه بالصادق الأمين. وعندما نزل عليه الوحي في الأربعين من عمره صدقه أقرب المقربين إليه العارفين بشؤونه الذين لمسوا صدقه واستقامته وهم الإمام علي عليه السلام وأم المؤمنين خديجة زوج النبي التي لمست ظواهر جديدة ومفاجئة في شخصية زوجها فقالت: ( والله ما يخزيك الله أبدا .. إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتكسب المعدوم، وتعين على نوائب الحق ).

هذا ما قاله هرقل ملك الروم لأبي سفيان وجماعته عندما طلبوا نجدته للقضاء على الرسول )ص( قال:

( هل كنتم تتهمون محمدا بالكذب قبل ان يقول ما قال؟ فقالوا- لا، ما جربنا عليه كذبا.

فقال لهم هرقل – لم يكن ليدع الكذب على الناس ثم يكذب على الله. )

والواقع أن وضوح الصدق في شخصية النبي دفع أعرابيا إلى أن يسلم بمجرد رؤية النبي صلى الله عليه وسلم وقال:

( والله ما هذا بوجه كذاب ) !

وبعضهم اكتفى بنفس شهادة رسول الله صلى الله عليه وسلم على صدق نبوته ولم يطلب منه معجزة أو دليلا، وذلك لتأكدهم من صدقه وأمانته واستقامته .. يروي التاريخ أن رجلا دخل عليه )ص( واستأذن بالحديث ثم قال:

(- أسألك بربك ورب من قبلك هل أرسلك الله إلى الناس كلهم؟

قال النبي- اللهم نعم

فقال الرجل- انشدك الله! هل أمرك ان تصلي الصلوات الخمس في اليوم والليلة؟

قال النبي- اللهم نعم.

فقال الرجل- أنشدك الله! هل أمرك أن تصوم هذا الشهر من السنة؟

قال النبي- اللهم نعم.

فقال الرجل- أنشدك الله. هل أمرك أن تأخذ الصدقة من أغنيائنا فتقسمها على فقرائنا؟

قال النبي- اللهم نعم.

فقال الرجل- آمنت بما جئت به، وأنا رسول من ورائي من قومي .. انا ضمام بن ثعلبة أخو بني سعد بن بكر. )

ومن يدعي النبوة كذبا لا بد أن يكون طامعا بمجد أو مال أو سلطة، فهل كان رسول الله طامعا بالمجد والمال والسلطة؟

لقد عرضت عليه قريش كل ذلك فأبى ورفض واستمات في سبيل نشر الدعوة الإسلامية ..

هل تذرع النبي بالنبوة ليفرض مبادئه الإصلاحية؟ إن المصلحين يستطيعون القيام بعمليات الإصلاح الضخمة بما وهبوا من عبقرية وذكاء ولا حاجة بهم إلى استعمال هذه الكذبه الشائنة الصعبة وادّعاء النبوة زورا وبهتانا ..

ولو كان النبي مصلحا فقط لكانت مهمته أسهل و أقل صعوبة وأكثر تأثيرا من هذه الدعوى العريضة دعوى النبوة التي تفرض على صاحبها تحديات كثيرة لا يقوى على مواجهتها لو لم يكن نبيا.

امام هذه الوقائع وهذا المنطق هل تصمد دعوى أن النبي )ص( كاذب في نبوته؟!

2- الرياء والحيلة:

هل كانت عبادة رسول الله )ص( وزهده وخوفه من الله في السر والعلن وتضحيته في سبيل الله رياء وحيلة؟!! من أجل ماذا؟ وهل يصل الحد بالمحتال إلى أن يعرّض نفسه للخطر والموت والتشرد والقتل؟

إذا كان من أجل هدف خاص فلا بد أن تنتهي عملية الرياء بعد أن يتحقق الهدف وتستتب السلطة له.

وهل يستطيع النبي ممارسة الرياء والحيلة طيلة حياته، ولا يستطيع أحد اكتشافه لا سيما زوجه أم المؤمنين خديجة عليه السلام وأهل بيته كالإمام علي عليه السلام والصديقة فاطمة عليها السلام وهما اللذان تأثرا برسول الله )ص( إلى أبعد حدود الصدق والالتزام بالإسلام، ولازماه طيلة فترة الرسالة الاسلامية حتى وقاته؟

كيف استطاع أن يخفي حقيقته على أزواجه وكل من يعيش معه وكل من يشاهد تصرفاته السرية والخاصة؟

لماذا يقوم في عمق الليل وحده يصلي لله حتى تتورم قدماه؟

وهل في هذا العمل بهذا الشكل من الانفراد والانزواء والناس نيام حيلة ليجعلها تنطلي على الآخرين؟ّ ولماذا يفعل ذلك ويجهد نفسه كل هذا الإجهاد لو لم تكن القضية صادقة وخطيرة. وإذا كان هدفه جمع المال والتمتع بملذات الحياة فلماذا عاش فقيرا زاهدا متقشفا ورفض الإسراف والبطر والترف وكثيرا من المباهج وحياة اللهو واللغو والمجون؟

وإذا كان هدفه المجد والجاه فلماذا عاش عيشة بسيطة في بيت متواضع بسيط ينام على الحصير حتى أثر في جنبه وهو القادر على امتلاك الدور والقصور والأثاث الوثير وطيبات المآكل .. ويؤكد أنه عبد من عباد الله حتى ورد عنه أنه قال )ص(:

( لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم .. أنما أنا من عباد الله. فقولوا عبد الله ورسوله ) !!

ويؤكد التاريخ أنه صلى الله عليه وآله وسلم دخل مكة منتصرا وهو ساجد على راحلته يشكر الله .. وعفا عن الناس .. وجاءه رجل يرتعد صلى الله عليه وآله وسلم فقال له :

( هوّن عليك فإني لست بملك!! إنما أنا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد. ) وكره الكبر والغرور والغطرسة مصداق قوله تعالى:

( ولا تمش في الأرض مرحا! إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولا. كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروها. )

هل يصح بعد كل هذا أن نقول أن عمله صلى الله عليه وآله وسلم كان رياء وحيلة؟! وإذا كان رياء وحيلة من أجل الإصلاح بين الناس وإزالة عاداتهم الجاهلية السيئة، فان هذه الكذبة الشائنة افضح من عادات الجاهلية السيئة, لأنها زور وبهتان على خالق السماوات والأرض وهو كذب يهون عنده كل كذب أو حرام أو عادة سيئة .. فهل يصلح الخطأ بالخطيئة الجريرة بالجريمة. وتسأل: ألم يكن محمد من حنفاء الجزيرة العربية الذين كانوا يكرهون عادات الجاهلية، ويعتقدوت بالله ويعبدونه؟ ..ولكنه لم يكن نبيا مرسلا.

الجواب: من يعتقد بالله ويخشاه ويحبه كيف يفتري هذه الكذبة الكبرى على من يحبه وهي مدعاة لغضب الله؟ .. وهي كذبة لا يستسيغها الكذابون المحتالون فضلا عن الحنفاء المؤمنين والأمناء الصادقين المتقين!!

3- أمية النبي صلى الله عليه وآله وسلم :

ثبت تاريخيا أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم كان أميّا لا يقرأ ولا يكتب، ولم يكن شاعرا أو كاتبا، ولم يعهد في بيته قلم أو ورق .. وقد أكد القرآن هذه الحقيقة أمام الملأ فلم يكذبه أحد ممن يعرف النبي صلى الله عليه وآله وسلم .. ولو كان ما ذكره القرآن في هذا الصدد غير حقيقي لاستنكره وكذبه المعارضون الذين نقل التاريخ إلينا اعتراضاتهم، وهم الذين كانوا يبحثون عن أي ثغرة أو ممسك للطعن في نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم .. يقول تعالى:

(وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ. ) ( العنكبوت 29/ 48 )

(قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ) ( يونس 10/ 16 )

ولو مارس الرسول التعلم لاشتهر ذلك بين الناس، لأن التعلم وتلقي الدروس والعلوم لا يتم في يوم واحد .. ولادّعى أستاذه ذلك الشرف العظيم، ولاضطر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى تكريم أستاذه، أو تكريم أبنائه وأهله بعد وفاته، وذلك كله لأن التعلم لا يمكن إخفاؤه أو إنكاره .. علما أن في القرآن علوما ومعارف ومفاهيم وقوانين يعجز الأمي عن فهمها فضلا عن اختراعها .. كما يعجز المثقف عن استيعابها فضلا عن الأمي .. وهذا يدل على أن القرآن لا بد أن يكون من لدن عليم خبير.

4- الاختلاف عن بقية الرسل:

إن سلوك النبي وتمتعه بأعلى صفات الكمال البشري وجهاده ونضاله يشبه بقية الرسل بل يفوقهم حتى ورد عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال في مضمون حديثه:

ما أوذي نبي كما أوذيت.

واحتج القرآن الكريم على منكري نبوته مؤكدا أنه لم يشذ عن سيرة الأنبياء فقال تعالى الكريم:

(قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ…) ( الاحقاف 46/ 9 )

وقال غوستاف لوبون في كتابه ( حضارة العرب ):

( إذا ما قيست قيمة الرجال بجليل أعمالهم كان محمد من أعظم من عرفهم التاريخ )!!

5- هل ينصر الله النبي الكاذب؟

قد ينتصر بعض الكفار والمنافقين مؤقتا ممن لم يدّع النبوة، ولهذا يكون انتصارهم ممكنا .. ولكن الحال يختلف فيما إذا ادعى النبوة شخص كاذب، إذ يجب لله من باب اللطف أن يمنع انتصاره حتى لا تلتبس الحجة على طالبي الحق فيكون ذلك تغريرا من الله للناس، ومخالفة للحكمة والعدل وإرادة الخير، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.

إلى مثل هذه الحقيقة أشارت الآيات القرآنية:

(هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ). ( الأنفال 8/ 63 )

( وكان حقا علينا نصر المؤمنين ).

(لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (25) ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ) ( سورة التوبة5/9 2-26 )

كتاب “العقيدة الإسلامية عند الشيعة الإمامية”

سماحة العلامة آية الله الشيخ عبد اللطيف بري

حرر سنة 1991م

مقابلات

أخبار ومناسبات

بيانات