حوارات عقائدية

يشكل هذا القسم حوارات عقائدية تعالج الإختلافات بين…

بين الإسلام واليهودية

* منهج الحوار بين أهل الأديان السماويّة * هل ور…

مسائل الفقه العملي

يتناول هذا الكتاب العديد من مواضيع الفقه العملي ال…

اسئلة حول الإسلام

تتناول هذه الزاوية اسئلة وإجابات حول الإسلام، وقد …

شؤون الأسرة

تتناول هذه الزاوية شؤون الاسرة وتنقسم إلى عدة فروع…

الاستفتاءات

يتناول هذا الباب العديد من الاستفتاءات التي يجيب ع…

«
»

غريغوار متري يكتب حول سماحة العلامة آية الله الشيخ عبداللطيف بري

آب 2002

سماحة العلاّمة آية الله الشيخ عبد اللطيف بري

 

رجلُ دينٍ ورجلُ دنيا …
وتحارُ لمن تنتصر في الإثنين !!
إذا جئتهُ متعبّداً، قرّبكَ من نوافذ السماء …

وإذا لويتَ عليه في دنياه، ردّكَ، من فوره، إلى الإنسان الذي فيك !
تستمع إليه خطيباً واعظاً، فتحسَبُ أنه يسرُّ في أُذُنك !
لا يقول من علُ، بل يأخذ بيدك على لينٍ آناً، وبمنطقٍ ساحرٍ أواناً، ودواماً بمحبةٍ، ُوسْعَ أضلعِها، الدينُ السمحُ !!
هادئ هدؤ التواضع ..
عميق عمق المعرفة !
محاورٌ على فاردة أخّاذة …
حتى لتحسَبُ أنْ بالقطارةِ يُمرّرُ كلامه !
يقول جريئاً، ولكن ليس جارحاً !
المنطق عنده يخدم الحقيقة، والحقيقةُ تخدم المعرفة، فيشدّك إليه ثُلاثَ !
تقرأه ناثراً، فتخاف على شِعرِه من نثره، – أو تحسَبُ توهُّماً – !
وتقرأه شاعراً، فتعجب شديداً لتلك الثُنائية في الإبداع لديه !
هوذا سماحة العلاّمة الشيخ عبد اللطيف برّي …
إمام المجمع الإسلامي الثقافي في ديربورن …
حيث الدين والثقافة والمعرفة …
وهل بعدُ مِن بعد؟

فماذا عن الرجل؟
إلى بلدة تبنين، في الجنوب اللبناني، تعود نشأة الشيخ عبد اللطيف برّي، ابن العلاّمة الشيخ موسى برّي. أَمَا قيل “الإبن سرُّ أبيه” ولقد كان سرَّه الأسمى ! أما والدته فهي المرحومة، شوكات الملوك ، التي تعود في نسبها إلى أسرة علي آغا في النجف الأشرف ، ويذكر الشيخ الطهراني في كتابه (الظليلة في تشجير العوائل الجليلة) أن آل آغا هم أصلاً من الحجاز وكانت عمّتها من الأميرات في الهند . وفي رثاء المرحومة الفاضلة السيدة شوكت الملوك . يقول الشيخ إبراهيم برّي:
أرثيكِ يا بنتَ الكرامِ / يا زوجة الشيخ الهُمامِ
يا أمَّ أعلامٍ سموا / فضلاً، على كلِّ الأنامِ
ونراكِ من خلف الغمامِ / كنجمةٍ خلفَ الغمامِ
تتألّقينَ فترشدين الناس / في غَسقِ الظلامِ
شوكات يا بنت السما / نامي! بظل الله ، نامي
ولد مترجَمنا في النجف الأشرف في العراق عام 1948 ، حيث كان والده، المغفور له العلاّمة الشيخ موسى برّي ، يدرس العلوم الدينيّة الإسلاميّة هناك .
وفي النجف الأشرف تلقّى الطالب الشيخ عبد اللطيف برّي قسماً من دراسته الإبتدائية في المدارس الأهلية ، ليتابع دروسه ، من ثمَّ ، في تبنين في مدرسة البلدة إثر العودة به إلى لبنان … ولقد كان شغوفاً باللغة الإنكليزيّة . لذا تراه يسأل بعض الملّمين بتلك اللغة أن يساعدوه – على قلّتهم – في تحصيلها ومواصلاً تعلّمها على نفسه .
… بعد أن تقدّم إلى إمتحانات شهادة السرتفيكا ، التي جرت سنتذاك ، في المدرسة ” البطريركية” في بيروت ، حيث كان الشيخ عبد اللطيف برّي يتلقّى دروس الإبتدائية في العاصمة في مدرسة أحد أعمامه المرحوم الشيخ علي برّي ، وكانت تعرف بإسم: مدرسة التوحيد الإسلامي، في زقاق البلاط .

العودة إلى النجف
في الثالثة عشر من عمره ، عاد الطالب الشيخ عبد اللطيف برّي إلى النجف الأشرف لدراسة العلوم الدينيّة الإسلاميّة والتخصص فيها ، وذلك بدافع من والده ، وبرغبة منه في أعماقه ، ومع ذلك استشعر مبكّراً عظمَ المسؤولية التي ستُلقى على عاتقه ، فلطالما اضطلّعَ بها والده ، ولطالما شهدها بأُمّ عينيه . فليس سهلاً أن تنسلخ عن دنياك ، وتعيش تلك الأجواء الروحيّة ، وتكرّس نفسك لخدمة دينك ومجتمعك .
بعد وصوله إلى النجف الأشرف بمدة شهر أو يزيد ، التحق الطالب عبد اللطيف برّي (أو الشيخ الصغير – وهو اللّقب الذي نُودي به عهد ذاك – )، إلتحق بذلك المركز الديني العريق ، الذي خرّج كبار العلماء في الشريعة الإسلامية. … عن ذكرياته ، في تلك المرحلة المبكرة في ذلك الصرح الديني . يذكر فضيلة الشيخ العلاّمة عبد اللطيف برّي ، أن أول ما استهواه في تلك المرحلة من دراسته ، هو علم القواعد العربية ، الذي طالما برم به في لبنان ، أسوةً برفاقه ، لكنه وجد نفسه في النجف الأشرف يواجه علماً مكثّفاً في القواعد العربية ، لكنما بطريقةٍ شيّقةٍ.
… في النجف الأشرف ، تابع الشيخ عبد اللطيف برّي دراسته ، فدرس علم المنطق، والفلسفة الإسلاميّة ، وعلم الكلام والفلسفة الحديثة ، كما درس علم النفس ، والأدب العربي ، والفقه وأصوله…
وفي مجال الدراسات الدينية الإسلامية ، درس شيخنا القانون الحديث في مصادر الإلتزام وأحكام الإلتزام . ودرس كذلك طرق التحليل الفقهي الإسلامي العالية في عملية الإستنباط من القرآن والسُنّة ، العقل والإجماع ، وما إلى ذلك عند عدة من أساتذة الحوزة العلمية المبرزين آنذاك.
هذا ودخل الشيخ عبد اللطيف برّي كلية الفقه في النجف الأشرف حيث كان يتابع في الوقت نفسه ، التحصيل العلمي كدراسةٍ أكاديميّة ، بالإضافة إلى دراسة الحوزات العلميّة المتعمقة، لقد سلك مبرّزاً في المنهجين .

العودة إلى لبنان
… خلال تلك الفترة ، كان الشيخ عبد اللطيف برّي يتردّد بين لبنان والنجف الأشرف ، لاسيّما في فصل الصيف ، حتى إذا كان عام 1975 نراه يغادر إلى لبنان بصورة نهائيّة ، بعد رحلة علميّة إستغرقته ثلاثة عشر عاماً ، وأبرز ما يلفت هنا ، هو إلتحاقه في سنّ مبكّرةٍ بذلك المركز الديني الرفيع ، ينهلُ من علومه على سعةٍ فانزاحت من أمامه ظُلَمُ الحياة ، وانداحت وسيعةً دائرةُ معارفه … من علمٍ في أصول الدين وعلم الإجتهاد الفقهي، إلى الفلسفة الى المنطق ، إلى الفقه ، والأدب وعلم الإجتماع … وهي علوم تتوّج صاحبَها علاّمةً ! وكان منها سماحة العلاّمة الشيخ عبد اللطيف برّي في الرقعة الحمى !
أما الأدب العربي؟ أما الشعر ، فسيكون له فيه صولات وجولات … ويلوح شفّافاً ، أن موهبة الأدب تُولد مع آل برّي حيثما وُلدوا فهي منهم في الصلب ، في الأصل وفي الفرع ، فشعراؤهم كِثارٌ وكبار . وأدباؤهم معروفون وأكثر ! وهم بين المشايخ أعلام !!
في أميركا
في العام 1975 ، إندلعت الحرب اللبنانية ، تلك الحرب التي تعدّدت فيها الرؤوس وظلّت وظلّت بلا رأسٍ ! لذا اختلفت عناوينها بين مرحلةٍ وأخرى ، وتعددت فيه الفصول والأدوار ! … وسنةً بعد سنةٍ راحت تعنف تلك الحرب ، وقد شهد منها شيخنا ستة أعوام (1975 – 1981) حيث غادر بعدها إلى الولايات المتحدة الأميركية بدعوة من العديد من أبناء الطائفة الإسلامية الشيعيّة الكريمة في ديربورن … وكان من قبلُ زار الولايات المتحدة وذلك في العام 1978 .

الخطوة الأولى في أميركا– تأسيس المجمع الإسلامي الثقافي (البدايات)
عن مرحلة البدايات تلك يحدّثنا سماحة العلاّمة الشيخ عبد اللطيف برّي قائلاً :
كانت الخطوة الأولى أن قدّمت لنا بلديّة ديربورن المكتبة العامّة في محلة ديكس ، لإقامة الصلوات فيها ، وإلقاء المحاضرات وغير ذلك … بل أن خطوة كانت قد سبقت تلك ! إذ كنّا نجتمع من قبل في بعض البيوت تباعاً .
في العام 1983 ، إنتقلنا من المكتبة العامة في ديكس إلى مركز إستأجرناه على شارع ميشغن
… بعد مضي أشهر قليلة شرعنا في تأسيس مدرسةٍ لتعليم اللغة العربية بإشراف الأخ المربّي الأستاذ علي بزّي وزوجته الفاضلة سلوى شرارة بزّي ولا تزال المدرسة العربية مستمرة في عملها التربوي مُذ ذاك ، وقد خرّجت مئات الطلبة بل الآلاف منهم الذين درسوا لغة بلادهم الأم واتقنوها قراءةً وكتابة !!
والمجمع الإسلامي الثقافي على شارع وورن…
من نجاح إلى نجاح ، كان الشيخ العلاّمة عبد اللطيف برّي يأخذ بأبناء طائفته يحدوه إلى ذلك إيمانٌ عميق بربّه ، وواجبٌ متوارثٌ في خدمة الإنسان والمجتمع .
-فهو ابن العلاّمة الشيخ موسى برّي .
-وربيبُ النجف الأشرف.
– وفي أعماقه يسكن ذلك الإنسان ، الذي وُلد وفي جانبه رسالةٌ سطّرها مع الأيام بمدادٍ من المحبة فأعلت أعمدةً من نور!!
… وإذن ، من المركز الذي شَغَلَ المكتبة العامة في ديكس ، إلى مركزٍ
، بالإضافة إلى تعليم اللغة العربية مستقلّ على شارع ميشغن
في مدارس ديربورن ، فإلى مركزٍ جديد على شارع ” وارن “، وهو المركز الذي جعله سماحة العلاّمة الشيخ عبد اللطيف برّي موئلاً ومرجعاً دينيّاً ، ومدرسةً إسلامية متطورة ، وفيه إستضاف أيضاً العديد من رجالات الأدب في هذا المغترب الأميركي، إيماناً منه بالكلمة ، ولهوىً يعصف في جوانبه حبّاً باللّغة العربية وآدابها وهو أحد أسيادها . ولقد كان لكاتب هذه السطور شرف إعتلاء ذلك المنبر ، يتسقّط الكلمة في المناخات العوالي …
وفي خضم تلك النجاحات المتلاحقة ، إبتاع المجمع الإسلامي مبنىً على شارع “شايس” وهو الذي أسس فيه مدرسة باسم الأكاديميّة الإسلاميّة الأميركية ، والتي تُدرّس المنهج الأميركي الرسمي بدوامٍ كامل ، بالإضافة إلى الدراسات الإسلاميّة واللّغة العربية .
… هكذا كان الشيخ العلاّمة يحمل همَّ تعليم الدين و تعليم اللغة العربية لأبناء هذا الجيل المغترب ، إيماناً منه بقوله تعالى ” إنّا أنزلناهُ قُرآناً عَربيّاً ” ، وعليه فإن المجمع الإسلامي الثقافي الذي أسّس مدارس ثلاثاً في فترة زمنيّة قصيرة في حساب الزمن بات عنواناً من عناوين النجاح ديناً ودُنيا … الأمر الذي مكّن القيّمينَ على المجمع ، بإشراف الشيخ العلاّمة عبد اللطيف برّي ، من إبتياع عقارٍ آخر ، تفوق مساحته أضعاف أضعاف ما كان عليه المجمع الإسلامي ” ليصار إلى إنشاء مركز جديد للمجمع ، إلى جانب مدرسة ثانويّة إسلامية ، وهو المركز الواقع على شارع شيفر.

المركز الجديد
يستوعب المجمع الإسلامي الثقافي الجديد أعداداً غفيرة كان يضيق بمثلها ولقد تمَّ الشروع ببناء هذا المركز بعد دراسات مطوّلة ، وبدعم مستمر من أبناء الجالية الكريمة في ديربورن ، حيث افتُتح في العام 1998 ، ويضمّ قاعة تتّسع لحوالي ألفي شخص بالإضافة إلى ثانويةٍ تُعَدُّ من أرقى الثانويات مجهّزة بأحدث الوسائل العلميّة ، فتُعِدُّ الطالب وفقاً للمنهج الأميركي الرسمي ، إضافة إلى تعليم الدين الإسلامي واللغة العربية وآدابها .
ذلكم هو سماحة العلاّمة الشيخ عبد اللطيف برّي ، الذي أسس أربعة مراكز دينيّة ، وأردفها بثلاث مدارس لتعليم الدين الإسلامي و اللغة العربية .
هو الرجل الذي عمل بهمّة الشباب ، وبحكمة الشيوخ ، فتحلّق من حوله جيلان ، ومع ذلك لم يُغلّب هوىً على عقلٍ !
ولاعاطفةً على واجبٍ !
بل قارع منطقاً بمنطقٍ !
وحجةً بأختها !
فانقاد له الرأي السديد وذُللت أمامه عقباتٌ كؤود !!
أما جاء في حديث شريف : العلماء ورثة الأنبياء وإذا كان يوزن يوم القيامة مداد العلماء بدم الشهداء فإن العلاّمة الشيخ عبد اللطيف برّي هو الشهيد الدائمُ الحيّ!! فهذا القلم مقلع نورٍ !
وذلك المداد فيضُ عطاءٍ ، يعرف كيف يُلوّحُ للنجوم !!

الجانب الآخر من شخصية سماحة العلامة الشيخ عبد اللطيف برّي
تساءلتُ طويلاً ، قبل أن أضع هذا العنوان :
فهل يجوز فيه أو لايجوز ، والأرجح أن لا !!
فالحديث عن الشاعر فيه ، ليس حديثاً عن جانبٍ آخر من شخصيّته ، بل هو منه في الصميم !
أليسَهُ من آل برّي ، حيث الشعر ينام على أهدابهم ويأكل من زادهم !
أما سماحة العلاّمة الشيخ عبد اللطيف برّي فيلوح لي أن الشعر ينبضُ في عروقه ، يتسَقّطه نبضاً على نبض !! فتعالوا معي نفجّر بؤر النّور في هذا الشعر ، يفرشه طيّاً إثر طيّةٍ ويرشُّه أكواماً من عطرٍ !!
تقرأ شعره الوجداني ، فتعجب لتلك الشّفافيّةِ الهادرة الآسرة ، التي تأسَرُ منك القلبَ والعقل وتنساب كجدولٍ مسحَ أجفانه على جنبات ” تلعة من تلعات تبنين” . فلنسمع إليه في قصيدة (الله ما أحلى مراشفها) :
حي ّ الرفاق هناك إنْ تَفِدِ وإذا مررت بموطني أتئدِ !
واجلس على تلعات قريتنا واذكر طفولةَ ذلك الولدِ
وإذا سرى همس العبيرِ ضحىً والطلُّ فوق الزاهرات ندي
ومرابِعُ الأزهارِ قد ضحكت وانساب في الألحان كلُّ شدي
فاذكُر طفولتَنا وبهجتَها وروائعَ الأيامِ في بلدي
واذكر ينابيعَ المياه وقد راحت ترشُّ السهلَ بالبردِ
تلك الينابيعُ التي سلكت وتدفّقت من عالم الأبدِ
الله ما أحلى مراشفَها !! وأرقّ بارِدَها لمبترِدِ
غنيٌّ عن البيان ، أن الشعر الوجداني ، مهمتُهُ – إذا جاز التعبير – بل أقصر مهامه ، أن يكون أقصر مسافة بين العقل والوجدان ! ولقد قطعها علاّمتنا سباقاً بين هذين . فقارئ هذه الأبيات ، يستطيع أن يردّدها على كل “تلعةٍ من تلعات” قريته أيّاً كانت وكان . يحكيها للطِلّ ، للزهر ، للندى ! ولعمري إذا لم يكُ هو هذا الشعر الوجداني فأين يعبقُ وأين يفوح ؟!
فهذه القصيدة تسكن وجدان قارئها ، وتدخل قلبه دونما استئذان ولها يُفسح بين الضلوع !!
ومن ذلك الجو العابق بالرومنطيقية وقد شحنت عواطفنا بموجاتٍ مؤثرةٍ حتى ليخال واحدنا أنه عاد صبيّاً يتذكر طفولة ذلك الولد ، ينتقل بنا على خطف رائع ، إلى مجالس تلك الأمسيات العذاب في تبنين عروس العرائس ، ومأدبة الأدباء . – إنّ عزَّ رغيفهم – .
عودي إلينا ليلةَ الأحدِ في سهرة الآداب والرّشَدِ
حيث الأحبّةُ تلتقي زمراً من شاعرٍ فذٍّ ومنتقدِ
يتحلّقونَ على مشايخهم في زبدةِ الأفكار لا الزَبَدِ
وطرائفُ الماضي مجلجلةُ في مسمَعِ الدنيا وفي خَلَدي
وروائعُ الآيات حاشدةٌ بالفيضِ والإلهامِ والمدَدِ
دنياهُمُ دينٌ وفلسفةٌ وبساطةٌ تخلو من العُقدِ
هكذا انتقل بنا، بمهارة الشاعر الملهم ، من إنسياب النبع ، إلى نسائم الأشجار وتمايل السرو ، لنسامره في واحدةٍ من ليالي الأحد ، حيث بيت الشعر يستدرُّ بيتاً ، والقصيدة تأخذ بمرفق أختها !
… ومن جديد ، على وقع قوافيه ، وعلى وقع النجوى ينتقل بنا الشاعر الملهم ، إلى لوحةٍ شيقة ، من لوحات قريته المعلّقة بخيال أبنائها عِقدَ ياسمين ، لوحةٍ ترسم براءة الشبيبة في زمن البراءة الذي كان ونشتاقه في كل آن !!

يا رهبة الوادي وهيبتهُ في الليل والسمّارُ في حَشَد
والبدرُ متّشحٌ بأنسجةٍ فضيّةِ الألوانِ والبُرَدِ
ينساب عبر الغيم في ألقٍ ويُخفُّ للجوزاء في صُعُدِ
ساروا إلى (تبنين) في مرحٍ وتسامروا في مدخلِ البلدِ
كاللؤلؤ المنثور في حَلَقِ متألقِ الألوان مُنتضدِ
تلهو الصبايا وهي سائرةٌ وترى شبابَ الحيِّ في الصّددِ
يستعرضون الودَّ في لغةٍ عن رقّةِ الألحاظِ لم تزدِ

إنها واحدةٌ من قصص الحُبِّ البريءِ يوم الفوز بنظرة من نظرات الحبيبِ ولو على خطفِ كانت تشعل في القلبِ ناراً وترتمي على دربه لوناً وضياءً ، فالشيخ الأديب يرسم لنا هنا لوحةً أجملُ ما فيها أنها بلا إطار … بلا زُخُرُف وفيها من البراءة ما يُعطي للشهادة عليها شهادةً ! فالسُمّار من الشبيبة يضيئون الليل بأحاديث الهوى البرئ ، يرجون خطف لحظٍ هنا وهمسةً هناك ، ما هَمّهم كم من مسافاتٍ يقطعون … فدليلهم قمرٌ بين أحضان النجوم ، في ليلٍ خبّاؤا فيه أسرارهم بعتمة خزائنه !!
ولكن من أنّى لهذا الملهم أن يرتاح على قمة ، فها هو ياخذ بيدك إلى عالم آخر من عوالم جمالاته ، عالمٍ توشِحّه الفلسفة بغلالةٍ شفّافة !
فبعد أن يقف على غير مَعلمٍ من معالم لبنانه المجهد ، الضارب عميقاً في أرض التاريخ ، هذي المعالم التي :
هزّت ربى لبنانَ واندثرت وتغيّبت في الصمت والأبدِ
ذابت مع الأحجار وأتّحدت في الصخر مثل الروح في الجسد
يا روح فُلّي الصخرَ وأنبثقي وتحرّكي في كلِ متّسدِ
ودعي يديَّ تطاولان مدىً لاينتهي في العزم والمدَدِ
كي ألمسَ الأسرار دافئةً وأرى حقائقها على سندِ
يا أيّها الأحجار ما قصَصُ الماضي ؟ – وماذا في ضميرِ غدِ ؟

وهكذا تتبدّى لنا ، رؤية الشاعر الفلسفيّة ، تلك الرؤية الشموليّة للكون والأشياء ، حيث يحركها السرُّ الخفيّ ! فيها الروح تحلُّ في الصخر ومنه تنبثقُ وتتحدُ مثلَ الروح والجسدِ .
يا روحُ فُلّي الصخر وانبثقي وتحرّكي في كلّ متّسدِ
كي ألمس الأسرار دافئةً وأرى حقائقها على سَنَدِ
وبذا نراهُ قد طبع الشعر بطابع فلسفيٍ يجاور فيه الأفلاطونية الحديثة .
أما وطنيّته فنجتليها عبر هذه القصيدة نشيداً إنسانيّاً رائعاً فاسمع إليه نزف قوافيه يُلوّن شعره :
يا ليلُ طال فراقُ موطننا ومضى الزمانُ بنا ولم يَعُدِ
ترنو حكاياهُ لمَقدمِنا وينوءُ صبراً بإنتظار غدِ
يا ربِّ حقّق فيه عودتنا واجعل ترابي فيه للأبدِ

هكذا يختبئ الشعر تحت عباءته ، وفي ظنّه أنه خلفها أكثر أماناً . ولكن متى كانت المنائر تخفيها الستائر ؟! ومتى كان عبقُ الأريج يحبس بالخماس أو العشارى ؟! ولو أصابع الإيمان كانت !
ذلكم كان شاعرنا في واحدة من روائعه وفيها من أسرار الجمال ، ما يُلملَم بأهداب العين ! بل نحن نسجل له ما ينماز به ، وعلى فرادةٍ أخاذة فبرغم وحدة القصيدة في شعره تراها سلاسل ذات حلقات متراصّة ، لكل حلقة وهجُها وشكلُها ورونقها !!
ومما لاشكّ فيه أن شيخنا الأديب الشاعر ، قدّ كثيراً من صلب العلم والفلسفة ، فطعّم به شعره ، مثلما يُطعّمُ الصائغ الماهر قطعةً من عاج . وصحيح أن الشعر ليس فلسفة خاصة ، أو فكراً مجرّداً . لكنّما الأصيل منه يحمل من قوّة الإقناع الوجداني ، ما يُغني عن جفاف المنطق وصلابة الحجّة ، مستعيناً بدفق العاطفة تُواتيه على خفقٍ بألفِ جناح ! … وبذا نُحسّ جمالات شعره ونقرأه بسكرة عين ونشوة قلب !!

شهادة وجدٍ منذورة إلى جمال الله

ومن الشعر الوجداني الصافي إلى الشعر الوطني الثائر ، ينتقل بنا شيخنا العلاّمة ليحطَّ رحاله في رحاب المتصوّفة ! ونعوّل هنا على قصيدة “شهادة وجدٍ منذورةٍ إلى جمال الله”، حيث تجد نفسك أمام واحد من أعلام المتصوّفة الكبار ، تستظلّ عَلمه وعِلَمَهُ ! من مثل ابن الفارض وابن العربي وغيرهما … ولكن قبل أن نعمد إلى هذه القصيدة ، التي فيها من عبق المتصوّفه ، ما يفوح وينضح لابُدَّ من تسليط الضوء ، ولو على خطفٍ سريع ،على حركة المتصوّفة نستشفُّ من خِللها معالم تلك المقطوعة الشعرية لشيخنا العلاّمة ، عبد اللطيف برّي .
… بعد علم الكلام وعلم الفلسفة ، بعد هذين المجريين ، جاء التصوّف ليرفُدَ الفكر العربيَّ الفلسفي وينتهي به إلى مجرىً ثالث !!
فلقد نشد المتكلمون الحق عن طريق فهم النصوص المنزلة وتقصّي مراميها .. وطلبه الفلاسفة عن طريق الجمع بين معاني النصوص وحقائق العلم ، وذلك بالبحث النظريّ والقياس العقلي . أما المتصوّفون ، فقدساء ظُنّهم بوسائل الحِسّ والتفكير وآثروا السعيَّ وراء الحق بتطهير النفس من مغريات المادة وإعادتها نقيّة كما كانت عندما هبطت إلى هذه الدنيا ، وعلى إعتقادٍ راسخٍ منهم أنهم متى ظفروا بذلك ، سَمَت نفوسهم إلى خالقِها ، واستمدّت منه المعرفة الحقّة بالكشف الباطني .
وعليه فإن أهداف المتصوّفة القصوى ، هي الزهد في الحياة من أذى الدنيا وحرصاً على الظفر بسعادة الآخرة . ودائماً عن طريق الإنقطاع إلى التأمل والعكوف على الرياضة الروحية … وبذا يغدو الإغراق في الصوم والصلاة وسيلةً ، وتتسامى إلى مصدرها الأول ” الله ” من أجل أن تتّحد بحبه أو تفنى بقربه فتنال بذلك منتهى اللذة . وتحظى بأتمَّ المعرفةِ ، وتظفر بأقصى السعادة سموّاً إلى جمال الله !!
تلكم هي الخطوط العريضة لفلسفة التصوّف ، فتعالوا نستشِفُّ معالمها إذن في قصيدة شيخنا العلاّمة .
يقول مخاطباً وجه ربّه :
أيُّ سرّ في مجد عُلياك يُجلى يا حبيباً إلى القلوب ومولى
سيّدي وجهُك استشفّ بهاء فاستراح الجمال فيه وصلّى
لمعت ذاتك البديعةُ نوراً فهي أحلى من الجمال وأغلى
بلى ذلكم هو الجمال الذي يتشوّق إلى رؤيته الصوفيُّ “جمال وجه الله ” والإغتسال بنوره فهو الجمال الأحلى والأغلى !!

وعلى طريقة المتصوّفة ، ينشدون سكرة الروح ، بعد أن يعطّلوا حسّ الجسد ، هكذا ينزع شيخنا العلاّمة في قصيدته تلك .
فاسمع إليه يقول :
خمرة الحُبّ من جمالك دنيا لوّنت جانحيَ مذ كنت طفلاً
وسقتني من الحنان رحيقاً علويَّ الشرابَ ينضحُ طلاً
ويردف منشداً :
ثمِلَ الصحبُ وحدَهم وبقينا نستشفُّ الهوى ولانتملّى
وانتشوا كلُّهم بحبك حتى سقطوا في سعادة الوجدِ قتلى
وهل أروع من ذلك السقوط في هاتيك السعادة الإلهية القصوى بل تلك هي الغاية القصوى التي ينشدها أهلُ المتصوفة !
وما أروعه يضع نقطة الختام لتلك السكرة الروحية .. !

ها أنا أقطف الشموس وأسقي من عسالاتها الشراب المحلّى
وأذيب النجوم في الكأس حتى أعصر النار في القطاف المدلّى
هذه خمرتي أحباي هيّا نغتسل في شرابَها الحلوِ غسلاً
نتصبّى سلافةَ الله حتّى ليس نصحو إذا الزمان تولّى
سيّدي: عاشقٌ ببابك جاثٍ يتلوىّ شوقاً لقربك وصلا
انت عذّبتني بحبّك حتى لست ألقى إلاّ بقربك حلاّ
هب لروحي شهادة القرب أني لستُ أُروى إلاّ بكأسٍ مُعلّى

هكذا همُ أهل التصوّف يمارسون قهر النفس عن طريق التقشّف والإنقطاع إلى التأمل ، والمداومة على الصلاة ، طمعاٌ بملاقاة وجه ربّهم يفيض عليهم نوراً وبهاءً .
وها هو شيخنا الفيلسوف الشاعر! يختم قائلاً :
ساعةٌ في لقاك شعّت جمالاً كلّ ما في الوجود فيها تجلّى
تلك هي الحلولية المعنوية التي ينشدها أرباب المتصوّفة ، وقد تملّيناها جلية هنا ففي تلك الساعة ، ساعة الإنخطاف والفناء في النفس الكلّية ، كل ما في الوجود تجلّى .

وبعد، هذا قَبَسٌ من نور في شعر الشيخ العلاّمة عبد اللطيف برّي، الذي يصعب عليك أن تحصره في تعريف بعينه .
– أهو رجل الدين العلاّمة، الذي فكَّ كلَّ مغلقٍ بِسِعَةِ علمه ؟
– أم الأديب الذي تحنُّ إليه الكلمة، كما موجةٌ إلى شاطئ ؟
– أم الشاعر الذي تغتسل قوافيه بالنّور، وتنام على أهداب العين ؟
إنه هذا كلّه ويزيد !!

مقابلات

أخبار ومناسبات

بيانات