حوارات عقائدية

يشكل هذا القسم حوارات عقائدية تعالج الإختلافات بين…

بين الإسلام واليهودية

* منهج الحوار بين أهل الأديان السماويّة * هل ور…

مسائل الفقه العملي

يتناول هذا الكتاب العديد من مواضيع الفقه العملي ال…

اسئلة حول الإسلام

تتناول هذه الزاوية اسئلة وإجابات حول الإسلام، وقد …

شؤون الأسرة

تتناول هذه الزاوية شؤون الاسرة وتنقسم إلى عدة فروع…

الاستفتاءات

يتناول هذا الباب العديد من الاستفتاءات التي يجيب ع…

«
»

الزواج.. خيرٌ لابدَّ منه

تاريخ النشر: 9 صفر 1432هجـ 14 كانون الثاني 2011 م

هل الزواج شرٌ لابدّ منه؟

يتعاطى بعض الناس ـ متزوجين وغير متزوجين ـ المثل الشائع: (الزواج شرّ لابدّ منه) وكأنهم يتداولون آية منزلة، أو سنّة محقّقة، من دون أن يكلّفوا أنفسهم عناء البحثّ في مدى صحة هذه المقولة أو خطئها.

فمع أننا نتفق على أن أكثر الأشياء في هذه الحياة الدنيا قائم على النسبية، فليس ثمة أمر ينطوي على خير مطلق إلا القليل، وليس ثمة أمر هو شرّ مطلق ـ وان بدا كذلك ـ، وانما هي حالة عوانٌ بين هذا وذاك، قال تعالى:

{وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ}((البقرة: 2/216)).

الزواج والعزوبيّة في كفّتي الميزان

 كننا إذا أردنا اختيار شيء ـ والزواج اختيار ـ فإنّنا لابدّ أن نضع في إحدى كفتي الميزان سلبيات ذلك الشيء، وفي الكفة الثانية إيجابياته لنرى أي الكفتين أرجح، فإذا رجحت كفّة السلبيات أحجمنا، وإذا رجحت كفّة الإيجابيات أقدمنا..

تلك مسألة عقلية لا يتناطح عليها كبشان ـ كما يقال ـ فهل الزواج شرٌ كلّه ـ كما يتردد على ألسنة البعض؟

إن أفضل الإٍجابة على هذا السؤال يمكن استحصالها من المقارنة بين (العزوبة) و(الزواج).

هل سلبيّات الزواج هي حقاً سلبيّة؟ 

قد يحلو لمن يصف الزواج بأنّه شرّ أن يترحّم على أيام العزوبة التي يعتبرها أيام الانعتاق والانطلاق والحرية، في حين يرى أن الزواج (قفص) وليس (جنة) وأنه (قيود) وليس بناءً (للحياة) المشتركة المسؤولة.

وبالتأكيد، فلو نظرنا إلى ما يفتقده الأعزب من بعض حريته في الزواج لرأينا أنه كان بالأمس القريب يخرج من البيت متى يحلو له ويعود في أية ساعة يشاء، أي أن وقته كان حراً أو مفتوحاً أكثر، أما اليوم، وبسبب الالتزامات التي تتطلبها الحياة الزوجية، فإنه لا يجد تلك السعة في الوقت الذي كان يجده أيام عزوبته.

وهذا أمر غير مقتصر على الزواج، فأي التزام يتعهد به الإنسان يقلّص مساحة حريته، فالتزامك بالعمل في دائرة معينة يقتضي أن تحدّد أوقاتك على ضوء متطلبات العمل الذي سيحرمك من (حرية) سابقة على العمل، وهكذا في أي شأن من شؤون الحياة، فتلك هي طبيعة الحياة في شتى مجالاتها وحقولها، فأيّما توسعة في أمر يلازمها من الجهة الثانية تضييق، وما من شيء إلا ويجري على حساب شيء آخر، والحقوق تستلزم الزامات.

وقد يتذرع البعض أن الحياة الجديدة مكلفة بأعبائها، فهي لا تكلّفه وقته فحسب، بل تستدعيه أن يعمل أكثر ليوفّي بمتطلبات الحياة الزوجية، وأن يتحمّل مشاكل جديدة ربما لم تكن من قبل، وأن يستعد لتربية الأولاد والسهر على راحة الأسرة، وما إلى هناك من متطلبات.

هذه وغيرها من الأعذار أو الأسباب التي تدعو البعض إلى اعتبار الزواج شرّا، تمثل نظرة قاصرة.

إنها النظر بعين واحدة .. ومن زاوية واحدة، إنها نظرة سلبية إلى الزواج، تحمل الكثير من إساءة الفهم لهذه الشراكة الرائعة   ، وما هي إلاّ ترديد لمقولات لا تقوم على أساس قويا غالبا  ولا تصمد إزاء نقد إلا قليلا.

أكثر شرار الأمّة عزّابها: 

إن الحديث الشريف الذي يقول: ((أكثر شرار أمّتي عزّابها)) ( بحار الأنوار. ج103. ص222. ح42. ب1) يؤكّد لنا أنّ الشرّ هو في العزوبة ليس في الزواج، ويقابله الحديث عن المصطفى (ص): ((من تزوّج أحرز نصف دينه فليتقّ الله في النصف الآخر)) (المصدر نفسه. ص219. ح13. ب1).

وإحراز نصف الدين ربح كبير، ومن ضمن نصفاً أوسعه المجال أن يكسب بعض النصف الآخر أو كلّه. كيف؟

إن الزواج بما هو اقتران شرعي بين فتاة وشاب، أو بين رجل وامرأة، يحقّق من الفوائد ما لا يقاس ولا يقارن بما في العزوبة من ((صداع الرأس)) والوقوع في الشبهات والمحرّمات.

ففي الزواج ((سكَنٌ)) والأعزب أينما تنقّل فإنّه لا يجد سكناً أكثر أماناً من بيت الزوجية، ولا راحة كتلك التي يستشعرها مع الزوجة الحبيبة وشريكة الحياة الأنيسة الطائعة الوفيّة..

وللأعزب أن يضع في حسابه، أن أعباء الحياة ثقيلة، ولابدّ لحملها من كاهلين، ومجربٌ هو الشاعر الذي يقول: ((فلذيذُ العيش أن نشتركا)).. في حلوها ومرّها.. في سرّائها وضرّائها.. وفي كلّ شؤونها وشجونها..

فحتى الدمعة تحتاج إلى أن تركن إلى الدمعة، وحتى الآهة تبحثُ عن كتف آهة أخرى لتلقي برأسها المثقل عليه.. ناهيك عن الابتسامة التي تجد في وجه الحبيب إشراقها، والكلمة الرقيقة التي تجد في نفس الشريك صداها.

الزواج مودّة: 

والزواج (مودّة) ، والحاجة إلى الحبّ حاجة أساسية، فنحن بحاجة إلى أن نُحِبّ، وبحاجة مماثلة إلى أن نُحبّ، وملتقى الزواج يهيء لنا الفرصة السانحة إلى أن نتبادل الحبّ في أنصع وأطهر وأجمل صوره..

والحب ليس مجرد لقاء على سرير، ولا هو عاطفة مشبوبة تنطفئ بلقاء جسدين، ولا هو قصيدة شعر قد نملّ من قراءتها بعد أن نردّدها عدّة مرات.. إنّه (مودّة)، والمودة عاطفة أطول عمراً من (الحب)، إنها الحب بالمعنى الحسيّ. فهي استشعار للذة الحياة بالقرب من إنسان يفهمني وأفهمه.. يتحسّسني وأتحسسّه.. يفرح لفرحي وأفرح لفرحه.. ويحزن لحزني وأحزن لحزنه، ولذلك فإنّ حصر الحب في العلاقة الجنسية ـ كما يتصور البعض ـ لا يمثل سوى الميل الجسدي كاندفاع الجائع إلى الطعام، فإذا ما شبعت البطن عافته.

ولك أن تسأل منْ تذوّقوا حلاوة الزواج، ليخبروك أنّ العلاقة بين الشريكين أكثر حميمية من المعاشرة الجنسية، ولسنا هنا نقلل من أهميتها ودورها في إسعاد الزوجين وبعث الحرارة في جسد الحياة الزوجية بين حين وآخر، لكننا نتحدث عن (المودة) التي تبقى حتى بعد انطفاء النيران، وانفصال الجسدين، وخمود الرغبة، تربط بينهما برباط مقدّس لا تنفصم عراه.

والزواج (رحمة)، ولولا أنْ منّ الله به علينا لاستحالت أو لكانت الحياة جحيماً لا يطاق، سواء بالنسبة للمرأة أو بالنسبة للرجل.

ولذلك كان الزواج ((آية)) من آيات الله الكريمة والعظيمة:

{وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً}((الروم: 30/21)).

هذه هي بعض أوجه المقارنة بين العزوبة و الزواج.. فإذا كانت العزوبة قلقاً وضجراً وسأماً وأوقاتاً فارغة، فان الزواج ألفة وأنس ومودة وعيش مشترك..

وإذا كانت العزوبة قفراء موحشة..

فإنّ الزواج جنّة خضراء ترفل بالرياحين والزهور والفراشات الملوّنة.

وإذا كانت العزوبة آلاماً نفسيّة وضغوطاً جسديّة..

فإن الزواج راحة نفسيّة، واطمئنان قلبيّ، وسكينة تظلّل رمضاء الحياة بخيمة من عطاء مشترك.

لهذا، ولغيره، نشأت الحاجة إلى تأليف كتاب نتناول فيه الحقوق والواجبات والآداب في الحياة الزوجية منذ أن تنبثق كفكرة في رأس الشاب أو الفتاة وحتى تختمر وتصبح قراراً يدفعهما للبحثّ عن شريك الحياة المناسب، إلى حين دخولهما عشّ الزوجية، وتواصل مشوار رفقة العمر في الرحلة السعيدة بعد الزواج، ليعيش كل منهما روائع الحياة التي من شأنها أن توثّق العلاقة بالآخر وتسعد رحلة العمر.

وندرس معهما أيضاً كلّ ما يمكن أن ينجم من مشاكل ومنغّصّات تعكّر صفاء الحياة المشتركة السعيدة، والتي قد تصل أحيانا إلى درجة الفصام والافتراق والطلاق، وقد تكون بمثابة الملح في الطعام كما يحلو للبعض أن يصفها.

القانون لا يحمي المغفّلين: 

إنّ غاية ما ننشده في هذا البحثّ هو أن نضع ثقافة الحياة الزوجية بين يدي الزوجين السعيدين، ذلك أن معرفة (حقوق) هذه الحياة سوف يجعل كل طرف في الزواج مسؤولاً عن الوفاء بحقوقه إزاء الطرف الآخر، فكما أن للزوج حقوقاً فإن للزوجة حقوقاً أيضا.

و من بين سوءات المجتمع الذكوري أن غمط حقوق المرأة، حتى تصورت بعض النساء الجاهلات أن لا حقّ لهنّ على الرجل، وأنّ للرجل عليهن كلّ الحقوق، وكما في لغة القضاء فإنّ (القانون لا يحمي المغفّلين) فلا يصح أن تبقى المرأة جاهلة بحقوقها، وهي ليست منّة من أحد، وإنّما تفضّل منَّ الله سبحانه وتعالى بها عليها، ولا يحق للزوج أو لغيره إنقاصها أو تجاهلها أو طمسها.

ومن سوءات المجتمع غير الذكوري أن طمس كثيرا من حقوق الرجل وتغافل عنها، لذا من الضروري التنيبه على تلك الحقوق من جهة، والواجبات من جهة أخرى على كل من الطرفين، المرأة والرجل.

كما أن معرفة ((الواجبات)) تستدعي أن يفهم كلٌ من الزوجين أن ثمة التزامات لابد أن يقوما ويفيا بها، وهي واجبات موزّعة على عاتق الزوجين، فلا يجوز ان يُلقي أحدهما كَلّه على الآخر.

وأما (الآداب) فقد لاحظنا في دراستنا أن إهمالها، أو التقليل من أهميتها يشكل  سببا من أسباب فتور العلاقة الزوجية، وعاملاً من عوامل نشوء الخصومات الأسرية، وأن الأخذ بها سبيل من سبل ترسيخ جذور المودة بين الشريكين.

وفي مشوار رحلتنا مع الحياة الزوجية التي جهدنا ان نوفر لها في كتابنا هذا كل سبيل لتكون هانئة سعيدة، نقف ـ في فصل لاحق ـ مع تشكيل الأسرة وتربية الأولاد وقفة متلبّثة، ذلك أن من كمال سعادة الزوجين أن يرزقا بأطفال أصحّاء في أبدانهم ونفوسهم وعقولهم وسلوكهم، وهذا ما راعينا البحثّ فيه، سائلين المولى القدير أن ينفع بهذا الجهد أجيالنا العصرية  من الجنسين ، إنه تعالى سميع مجيب.


مكتب المرجعية

مقتطف من كتاب “الزواج والأسرة في الإسلام”

 عبد اللطيف برّي

أميركا ـ ديربورن

ربيع الأول 1429 ه‍ ـ آذار 2008 م‍

مقابلات

أخبار ومناسبات

بيانات