حوارات عقائدية

يشكل هذا القسم حوارات عقائدية تعالج الإختلافات بين…

بين الإسلام واليهودية

* منهج الحوار بين أهل الأديان السماويّة * هل ور…

مسائل الفقه العملي

يتناول هذا الكتاب العديد من مواضيع الفقه العملي ال…

اسئلة حول الإسلام

تتناول هذه الزاوية اسئلة وإجابات حول الإسلام، وقد …

شؤون الأسرة

تتناول هذه الزاوية شؤون الاسرة وتنقسم إلى عدة فروع…

الاستفتاءات

يتناول هذا الباب العديد من الاستفتاءات التي يجيب ع…

«
»

صورة موجزة عن شخصية الإمام علي (ع) وموقعه وحكومته

بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين وصحبه المنتجين

أسمر الوجه… في تمام الرجولة… واسع العينين… حسن الوجه… واضح البشاشة… كأن عنقه إبريق فضة. ممتلىء الجسم من غير إفراط.. ضخم العضلات.. يتكفأ ويتحدر في مشيته على نحو يقارب مشية رسول الله (ص)… ويتقدم في الحرب مهرولاً فلا يلتفت إلاّ إلى المعركة.. لا يلوي على شيء!!

لا يقاتل امرأة، ولا رجلاً مولياً، ولا يجهز على جريح، ولا يشوّه أو يمثّل بقتيل.

أصدر إلى جيشه في معركة صفين التعليمات التالية:

لا تقاتلوا القوم حتى يبدؤوكم (….) فإذا قاتلتموهم فهزمتموهم، فلا تقتلوا مدبراً، ولا تجهزوا على جريح، ولا تكشفوا عورة، ولا تمثّلوا بقتيل. فإذا وصلتم إلى رحالهم فلا تهتكوا ستراً، ولا تدخلوا داراً إلا بإذن، ولا تأخذوا من أموالهم شيئاً.. ولا تقربوا النساء بأذى وإن شتمنكم وشتمن امراءكم وصلحاءكم “اذكروا لله كثيراً لعلكم تفلحون”!!

وسمع قوماً من أصحابه يسّبون أهل الشام أيام معركة صفين فقال لهم: – كما في نهج البلاغة -:

(إني أكره أن تكونوا سبّابين، ولكنكم لو وصفتم أعمالهم، وذكرتم حالهم، كان أصوب في القول، وأبلغ في العذر، وقلتم مكان سبكم إياهم:

(اللهم احقن دماءنا ودماءهم، وأصلح ذات بيننا وبينهم، وأهدهم من ضلالهم حتى يعرف الحق من جهله، ويرعوي عن الغي والعدوان من لهج به).

إنه الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام.. صهر رسول الله محمد (ص) خاتم الأنبياء، وابن عمه وخليفته.

ولد الإمام عليه السلام يوم الجمعة 13 رجب في الكعبة الشريفة في بيت الله الحرام.

أبوه: أبو طالب، عم النبي، وكافل النبي ومربيَّه وحاميه… أمه فاطمة بنت أسد زوجة أبي طالب. كانت تربي رسول الله في حجرها، وتفضّله حتى على أولادها… كان أولادها يصبحون شعثاً رمصاً، ويصبح رسول الله (ص) – وهو طفل – كحيلاً دهيناً.

وروى الحاكم في المستدرك ما خلاصته: أنه لما ماتت فاطمة بنت أسد كفنَّها رسول الله (ص) في قميصه، وصلّى عليها، ونزل في قبرها فجعل يومي في نواحي القبر كأنه يوسّعه ويسّوي عليها… وخرج من قبرها وعيناه تذرفان… ثم قال لأصحابه:

(إن هذه المرأة كانت أمي بعد أمي التي ولدتني).

إنها فاطمة بنت أسد أم الإمام علي (ع).

أما زوجة الإمام فهي فاطمة الزهراء بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

وقد كفل رسول الله علياً مذ كان عمره ست سنين، وحضنه طفلاً.. ورباه غلاماً.. وزقَّه العلم زقًّا.. حتى قال الإمام متحدثاً عن رسول الله وتربيته: – كما جاء في نهج البلاغة –

(وضعني في حجره وأنا ولد، يضمني إلى صدره… ويكنفني فراشه، ويمسني جسده، ويشمُّني عُرْفه… كان يمضغ الشيء ثم يلقمُنيه… 

ولقد كنت أتبعه إتِّباع الفصيل أثَرَ أمِّه. يرفع في كل يوم من أخلاقه علماً.

ويأمرني بالإقتداء به.

ولقد كان يجاور في كل سنة بحراء فأراه ولا يراه غيري…) 

باشر الإمام (ع) الجهاد وعمره عشرون سنة تقريباً… ولقد أبلى (ع) بلاءً عظيماً في المعارك والغارات الأساسية التي أرست دعائم الإسلام ووطَّدت دولته… كمعركة بدر… ومعركة أحد التي نودي فيها لا سيف إلا ذو الفقار ولا فتى إلا علي!!… وفي معارك الخندق، وخيبر، وحنين…

وفي معارك الجمل، وصفين، والنهروان.

وكان لواء رسول الله بيده في مواطن كثيرة وآخى رسول الله بين نفسه وبينه… وورد في الحديث عن الرسول (ص):

“علي مع الحق والحق مع علي يدور معه كيفما دار”!!

والإمام يجمع في شخصيته العجائب والأضداد، فمن الزهد، والتصوف، والعاطفة، والرقة، والعبادة، إلى الشجاعة، والبأس في الحروب… ومن الجوع، والتقشف، والحرمان، إلى الصبر، والقوة، والعزيمة… إلى التواضع والإبتسام، والتحبب إلى الناس حتى الدعابة واللطف… إلى الحلم، والعلم، والفقه، والحكمة، والمعرفة العالية، حتى أثِر عنه كتاب نهج البلاغة، وهو تراث فكري من أعظم ما أنتجه العقل البشري فكراً، وحكمة، وعاطفة، وفناً، ومواقف، ومناهج، وقيماً حضارية وإنسانية متقدمة حتى قيل فيه: إنه فوق كلام المخلوق وتحت كلام الخالق… كيف لا وقد ورد عن رسول الله (ص) قوله:

(أنا مدينة العلم وعلي بابها، فمن أراد العلم فليأته من بابه…) (أقضاكم علي). مواقف القاضي الإيجي ج 3 ص 276، شرح النهج ج 2 ص 235.

وجاء عن الرسول (ص) أيضاً: (علي باب علمي، ومبيِّن لأمتي ما أرسلت به من بعدي). كنز العمال ج 6 ص 156، كشف الخفاء ج 1 ص 204.

لقد بلغ (ع) في غزارة العلم حداً جعله يقول – كما يروي التاريخ – : (سلوني قبل أن تفقدوني).

وقالت عائشة: (علي أعلم الناس بالسنّة). الإستيعاب ج 3 ص 40 هامش الإصابة.

وكان عمر بن الخطاب يلجأ إلى الإمام في حل ما استعصى عليه من مسائل الشرع والقضاء حتى قال عمر: (لولا علي لهلك عمر). الإستيعاب ج 3 ص 39، فيض القدير ج 4 ص 357، السنن الكبرى ج 7 ص 442.

(لولا علي لضل عمر) تمهيد الباقلاني ص 199.

(اللهم لا تبقني لمعضلة ليس لها ابن أبي طالب) تذكرة السبط ص 87.

(لا بقيت لمعضلة ليس لها أبو الحسن) ترجمة علي بن أبي طالب ص 79.

(اللهم لا تنزل بي شديدة إلاّ وأبو الحسن إلى جنبي) الرياض النضرة ج 2 ص 194.

إن احتياج الكل إلى الإمام علي (ع) واستغناءه عن الكل، دليل واضح على أنه أعلم الموجودين بعد رسول الله (ص) حتى قال القائل:

(ما أقول في رجل أخفى أولياؤه فضائله خوفاً وأعداؤه حسداً… وظهر من بين ذين ما ملأ الخافقين)!!

وقال ابن عباس:

(لعلي أربعُ خصال ليست لأحدٍ غيره: هو أول عربي وعجمي صلى مع رسول الله “ص”.

وهو الذي كان لواؤه معه في كل زحف.

وهو الذي صبر معه يوم فرَّ عنه غيره.

وهو الذي غسله وأدخله قبره).

وعن أنس بن مالك قال:

(نبىء النبي “ص” يوم الإثنين وأسلمَ علي يوم الثلاثاء).

قال تعالى: “والسابقون السابقون. أولئك لمقربون”.

أما زهده وتقشفه فهو مضرب الأمثال.

ويحدثنا التاريخ أن زهده كان من الأعاجيب،

وأنه كان يأتدم إذا ائتدم بِخلٍّ أو بِمُلِحٍّ، فإن ترقَّى عن ذلك فببعض نبات الأرض، فإن ارتفع عن ذلك فبقليل من ألبان الابل، ولا يأكل اللحم إلاّ قليلاً… ويقول:

(لا تجعلوا بطونكم مقابر الحيوان)!.

وما شبع من طعام قط.

وكان مع ذلك أشد الناس قوة، وأعظمهم يداً.. وهو الذي طلَّق الدنيا وكانت الأموال تجبى إليه من جميع بلاد الإسلام. ولم يخلِّف حين موته إلا سبعمائة درهم فضلت من عطائه وكان يعدها لخادمه..

قال زيد بن وهب:

(خرج علينا علي وعليه رداء وإزار قد وثقه بخرقة، فقيل له، فقال: إنما ألبس هذين الثوبين ليكون أبعد لي من الزهو، وخيراً لي في صلاتي، وسنّة للمؤمن)!!

أما عبادته فقد قيل للإمام زين العابدين علي بن الحسين عليهما السلام، وكان الغاية في العبادة، كما يحدثنا التاريخ:

أين عبادتك من عبادة جدّك “علي”؟

قال “ع” (عبادتي عند عبادة جدّي كعبادة جدّي عند عبادة رسول الله “ص”).

ولم تكن عبادة الإمام علي “ع” مضرب المثل في الكثرة فقط، بل في الجوهر والنوعية والمحتوى أيضاً…

لقد كانت عبادته من أسمى أنواع العبادة… إنها عبادة الأحرار، والحب العظيم لله، حتى ورد عنه قوله “ع”:

(إن قوماً عبدوا الله رغبة فتلك عبادة التجار. وإن قوماً عبدوا الله رهبة فتلك عبادة العبيد، وإن قوماً عبدوا الله شكراً فتلك عبادة الأحرار…)

وورد عنه في مضمون كلام:

إلهي ما عبدتك خوفاً من نارك، ولا طمعاً في جنتك، ولكني وجدتك أهلاً للعبادة فعبدتك.

هذا هو الإمام.! صورة حية لرسول الله “ص”.. ولا عجب… فقد كان “ص” يخلو معه خلوات توجيهية، يُسِرُّ فيها إليه من أساليب الحكم والحكمة والدين، ويحادثه ويبتدئه بالتعليم، ويعدّه لمنصب الخلافة، وقيادة الأمة.

وأقبل الإمام منذ طفولته على النبي “ص”، يتمثل تعاليم الرسول والإسلام من فم النبي “ص”، ويستوعبها.. حتى أخذت عليه مجامع قلبه وعقله وتجذرت في شخصيته… فوهب حياته لها، واستبسل من أجلها، وناضل لها، حتى أعلى الله راية الإسلام ونصر رسوله ودينه.

لهذا كان منهج الإمام هو منهج رسول الله متظافراً متعاضداً، وكان ميزانه في الثقل والمرتبة يأتي بعد رسول الله مباشرة… قمة في العظمة، ينحدر عنه السيل ولا يرقى إليه الطير!.

سئل حذيفة اليماني عن مناقب علي “ع” وفضائله فقال:

والذي نفس حذيفة بيده! لو وضع جميع أعمال أمة محمد (ص) في كفة الميزان منذ بعث محمد إلى يوم الناس هذا، ووضع واحد من أعمال علي في الكفة الأخرى لرجح على أعمالهم كلها..

فقال له ربيع بن مالك السعدي:

يا حذيفة هذا المدح لا يقام له ولا يقعد ولا يحمل… وإني لأظنه إسرافاً!!.

فقال حذيفة:

(يا لكع!! وكيف لا يحمل؟ وأين كان المسلمون يوم الخندق، وقد عبر إليهم عمرو وأصحابه فملكهم الهلع والجزع، ودعا إلى المبارزة فأحجموا عنه، حتى برز إليه علي فقتله!! والذي نفس حذيفة بيده! لَعمله ذلك اليوم أعظم أجراً من أعمال أمة محمد إلى هذا اليوم، وإلى أن تقوم القيامة).

وحذيفة هذا يؤكد في كلامه ما ورد عن الرسول (ص) في ما رواه الحاكم في المستدرك بسنده أن النبي (ص) قال: (لمبارزة علي بن أبي طالب لعمرو بن عبد ود يوم الخندق أفضل من أعمال أمتي إلى يوم القيامة)!

أمام شخصية الإمام يقف الإنسان خاشعاً متهيّباً… لأنه يقف أمام شخصية هي امتداد لشخصية الرسول وتعاليمه.

هذا هو الإمام ذو الشخصية المعجزة بعد رسول الله… بل نستطيع أن نقول: انه هو أحد معجزات الرسول، في بناء شخصيته، وتربيته، وإعداده رسالياً، وإسلامياً، وقيادياً، حتى نصّ صلى الله عليه وآله وسلم، في غدير خم وغيره، بولايته وخلافته.(1)

__________________________

(1) أخرج الطبري المتوفى 310 هجـ بإسناده في (كتاب الولاية في طرق حديث الغدير) عن زيد بن أرقم أن الرسول ص قال في غدير خم:

(أمرني جبرئيل عن ربي أن أقوم في هذا المشهد وأعلم كل أبيض وأسود أن علي بن أبي طالب أخي ووصيي وخليفتي والإمام بعدي(…) فان الله قد نصبه لكم وليا وإماما وفرض طاعته على كل أحد(…) من كنت مولاه فهذا علي مولاه (…) معاشر الناس: هذا أخي ووصيي وواعي علمي وخليفتي…) وفي رواية: (اللهم وال من والاه وعاد من عاداه) الغدير ج 1 ص 214 ط 2

روى حديث الغدير هذا بألفاظ مختلفة من طرق أهل السنة فقط 960 راويا.. منهم 120 من الصحابة و 400 من التابعين و 360 من ائمة الحديث وحفاظه وأساتذته (راجع كتاب الغدير ص 14-151). 

إن الإمام علياً (ع) سبق حتى القرن العشرين في تشييد قوانين الدولة الحديثة، وإرساء قواعد الحكم والعدالة.. وهو بعد رسول الله أول من نادى بتحويل الدولة من سلطة قمعٍ واستغلالٍ وتسلط، إلى مؤسسة للخدمات الإجتماعية والثقافية والإنمائية، وقوة لحفظ قيم العدالة والإسلام، وكرامة الإنسان وحريته… وهو أحدث مفهوم للدولة، ما زالت الشعوب تناضل للوصول إليه.

وتجربة الإمام في الحكم، من أثرى ما يفخر به التاريخ العربي والإسلامي والعالمي… لأنها تجربة عالمية الآفاق، إنسانية المحتوى والجوهر، أخلاقية الهدف، متقدمة جداً.

فقد كان الإمام يركّز دولته ومقاييسه وأحكامه وبناء المواقف السياسية لكل العصور… لا لمجتمع الكوفة والحجاز والبلاد الإسلامية يومذاك فقط.

كان يسنُّ المبادئ لتستفيد منها الأمم.

وإذا ألجأه ذلك أحياناً إلى خسارة جولة سياسية موقتة فهو قد ربح الجولة الكبرى على مدى العصور… ربح بناء الإطار الكامل للدولة العالمية المتمدنة كما أرادها رسول الله. لهذا يعتبر الإمام من أعظم السياسيين والحكام في إطار الرسالة، لأنه استطاع أن يرسم ويحقق الصورة الكاملة للدولة المتقدمة التي يطمح إليها الإنسان، بشكل عملي واقعي… الدولة بكل أجهزتها… بالجيش والقضاة والموظفين… بالمبادئ الإصلاحية العامة في الإدارة والحقوق والأموال. في استقلال السلطات القضائية والتشريعية والتنفيذية بشكل ما، وتوفير الحرية والحماية للقضاة… في تحقيق الضمان الإجتماعي للمواطنين والأجانب، وللمسلمين وغير المسلمين على السواء!! في إخضاع الحكام والولاة لسلطة القانون… في التفتيش العدلي والقضائي.. والتفتيش السري على الموظفين… في الإصلاح الزراعي والصناعي. في احترام الحريات العامة وحرية النقد السياسي والفكري… في المحافظة على حقوق الإنسان واحترام حق الحياة والعيش والكرامة والإستقرار…

كان الإمام (ع) يريد أن يختصر المسافات والتجارب على البشرية كلها، فيرقى بها وبمجتمعه إلى العصور الحديثة فوراً… حتى ورد عنه قوله:

(سأجهد في أن أطهِّر الأرض من هذا الشخص المعكوس والجسم المركوس حتى تخرج المدرةُ من بين حب الحصيد). (لو قد استوت قدمايّ من هذه المداحض (أي المزالق والفتن) لغيّرت الأشياء)!!

كان الإمام يحترم مواقف الأمانة والمعاهدات والمواثيق السياسية، لأن ذلك كله هو الرصيد الأخير لثقة الإنسان بأخيه الإنسان… وبدون احترام المعاهدات والعهود والمواثيق لا تبقى إلا لغة الذئاب وشريعة الغاب بين الناس.

هذه السياسة الأخلاقية تعتبر أحد طموحات السياسة الحديثة المعاصرة.

وكان عليه السلام يعتبر أن الحرب والعنف لغير ضرورة أخلاقيةٍ قاهرةٍ جداً، تعدياً على كرامة الإنسان والإنسانية، وإلغاءً للغة العقل والضمير، ولقيمة الحياة والدم، وأن الداعيَ إلى الحرب، ومن يقرع طبولها، مع إمكان تلافيها، حيوانٌ ضار، فهو مغلوب وإن انتصر… إذْ تنهزم فيه كل معاني الإنسانية والقيم وكرامة الإنسان والحياة… لهذا أثرت عن الإمام هذه الكلمة الرائعة:

الغالب بالشر مغلوب.

ولو تسنى للإمام أن يُتِمَّ تجربته وحكمه، ويكمل مسيرة الرسول، لاستطاعت الأمة أن تصل في ذلك الوقت إلى مستوى القرن العشرين في بناء الدولة المتحضرة، وتطبيق القوانين الإجتماعية والمدنية والأخلاقية… ولانتزعت زعامة العالم، ولاختصرت على الإنسانية جهد ألف سنة بذله الإنسان حتى وصل إلى مستوى القرن العشرين في بناء الدولة العصرية القائمة على حقوق الإنسان، والعدالة، والحرية، والكرامة، وتأمين العيش، والرفاهية والإزدهار.

وهذا الجهد كلَّف الإنسانية ملايين الضحايا، وأنهاراً من الدماء، والدموع، والصراع، والنزاع، فضلاً عن القرون الطويلة… حتى اهتدت الإنسانية أخيراً إلى ما نادى به الإمام قبل ثلاثة عشر قرناً.

لقد انتصر أعداءُ عليٍّ عليه بالسياسة الإنتهازية، لكن نصرهم كان هزيمة،… هزيمةً لقيم الإنسان، وكرامته، وحقوقه الإنسانية.

وقد استشهد علي من أجل الله والإنسان، ولكنه لم يهزم، لأنه ثبت بعناد وإصرار في الدفاع عن كرامة الإنسان وحقوقه.

وهو إن سقط شهيداً في رحلة الجهاد والذب عن الإسلام، فإن مسيرته لم تتوقف، وحماس محبيه لم ينضب… إن راياته ما زالت منشورة! وعسكره ما زال قائماً… متجسداً في قلوب الملايين من عشاق الحرية والحق والكرامة…

وإذا سمي مجرد سقوطه هزيمة، فإن عنفوان الحماس في تياره لم يهدأ… وما زال ينتصر في روحية المخلصين، وشخصية المناضلين، وضمير المؤمنين، ليشكِّل نهراً أبدياً من القيم الزاخرة، التي تستمد نبعها من فيض رسول الله (ص)، ومنابع الوحي، وعظمة الإسلام!

يقول عباس محمود العقاد:

“في سيرة ابن أبي طالب ملتقى بالعاطفة المشبوبة والإحساس المتطلع إلى الرحمة والإكبار، لأنه الشهيد أبو الشهداء، يجري تاريخه وتاريخ أبنائه في سلسلة طويلة من مصارع الجهاد والعزيمة. ويتراءون للمتتبع من بعيد واحداً بعد واحد شيوخاً جللهم وقار الشيب ثم جللهم السيف الذي لا يرحم، أو فتياناً عوجلوا وهم في نضرة العمر يحال بينهم وبين متاع الحياة، بل يحال بينهم أحياناً وبين الزاد والماء، وهم على حياض لمنية جياعٌ ظماء… وأوشك الألم لمصرعهم أن يصبغ ظواهر الكون بصبغتهم وصبغة دمائهم”…

لقد ولد عليه السلام في بيت الله، وقتل في بيت الله، فكان بيت الله بداية حياته، وكان بيت الله خاتمة مطافه، وكانت حياته فيما بينهما جهاداً في سبيل الله، وخدمة من أجل الإنسانية المعذبة، وإعلاء لراية الإسلام، حتى صدقت فيه الآية: (إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين).

ونحن حينما نكرِّم الإمام علياً (ع) فإنما نكرِّم من خلاله القائد والمعلم بعد الرسول… نكرِّم مبادئ الإسلام، ونكرِّم الإنسان.

إن علاقتنا بالإمام ليست علاقة احترام وإعجاب والتزام واتِّباع فقط، بل هي علاقة عاطفةٍ حميمة… وحنانٍ عميق… يجري في دمائنا وقلوبنا، ويلوِّن شخصيتنا، ورؤيتنا، وهويَّتنا.

فإذا أردنا أن نكون مؤمنين حقاً، على نهج رسول الله والإمام علي وأهل بيت الرسول، محبين لهم، فإن سلوكنا يجب أن يكون امتداداً لسلوكهم، وتفانيهم في خدمة الله، والإنسان، وتقوى الله.

يجب أن تتحول هويتنا إلى تطبيقٍ عملي لمبادئهم في الإيمان، والتقوى، والعمل، والخير، والإيثار، والتضحية… تماماً كما جاء في مضمون الرواية عن الإمام الباقر سبط رسول الله وحفيد الإمام علي أنه قال لجابر الجعفي:

(والله ما شيعتنا إلا من اتقى الله وأطاعه. وما كانوا يُعرفون إلا بالتواضع، والتخشع، وأداء الأمانة، وذكر الله، والصوم والصلاة، والبر بالوالدين، وتعهّد الجيران من الفقراء، وذوي المسكنة والأيتام، وصدق الحديث، وتلاوة القرآن، وكفّ الألسن عن الناس إلا من خير، وكانوا أمناء عشائرهم في الأشياء).

قال جابر: فقلت يا ابن رسول الله ما نعرف اليوم أحداً بهذه الأوصاف… فقال (ع): (يا جابر لا تذهبنَّ بك المذاهب… حسب الرجل أن يقول أحبٌّ علياً وأتولاه ثم لا يكون مع ذلك فعّالا؟؟ فلو قال: إني أحب رسول الله (ص) فرسول الله (ص) خير من علي – صلى الله عليهما وعلى آلهما وسلم – ثم لا يتَّبع سيرته ولا يعمل بسنَّته ما نَفَعَه حبُّه شيئاً… فاتقوا… واعملوا لِما عند الله… ليس بين الله وأحد قرابة… أحَبٌّ العباد إلى الله عز وجل أتقاهم وأعملهُم بطاعته.

يا جابر: فو الله ما يٌتقرَّب إلى الله تبارك وتعالى إلا بالطاعة، وما معنا براءة من النار، وما لنا على الله حجِّة. من كان لله مطيعاً فهو لنا ولي، ومن كان لله عاصياً فهو لنا عدو… وما تُنال وِلايتنا إلا بالعمل والورع)…

جعلنا الله من الموالين لأهل البيت والمحبين للإمام علي عليه السلام العاملين بالإسلام والحمد لله رب العالمين.

عبد اللطيف بري

تبنين 1398 هــ – 1978 م

مقابلات

أخبار ومناسبات

بيانات