حوارات عقائدية

يشكل هذا القسم حوارات عقائدية تعالج الإختلافات بين…

بين الإسلام واليهودية

* منهج الحوار بين أهل الأديان السماويّة * هل ور…

مسائل الفقه العملي

يتناول هذا الكتاب العديد من مواضيع الفقه العملي ال…

اسئلة حول الإسلام

تتناول هذه الزاوية اسئلة وإجابات حول الإسلام، وقد …

شؤون الأسرة

تتناول هذه الزاوية شؤون الاسرة وتنقسم إلى عدة فروع…

الاستفتاءات

يتناول هذا الباب العديد من الاستفتاءات التي يجيب ع…

«
»

مواصفات الشريك المناسب

تاريخ النشر: 16 صفر 1432هجـ 21 كانون الثاني 2011 م

إعتدنا ـ في حياتنا اليومية ـ أن ندقّق كثيراً في اختيارنا للأشياء والسلع، فأنت تبحث مثلاً عن السكن المناسب الذي تتوافر فيه صفات السكن المريح الذي تعيش فيه أوقات الاستراحة من تعب النهار، وتدقق في اختيار السيارة التي تركبها، والكتاب الذي تقرأه، والمدرسة التي تتسجل فيها . والبضاعة التي تشتريها من السوق، ولكن التدقيق في الاختيار بالنسبة لشريك الحياة أشدّ، لماذا؟

لأنّك يمكن أن تغيّر السكن الذي لا يناسبك، والسيارة التي لا تعجبك، والكتاب الذي لا يروق لك، والبضاعة التي لم ترتح إليها، ولكنّك.. وإن كنت قادراً على تغيير شريكة الحياة، الاّ أنّ المسألة هنا تختلف، فالمعاشرة والعلاقة الحميمة والترابط الوثيق في الآلام والآمال المشتركة في الزواج ، وما يزيد في وثاقة العلاقة من أولاد، تجعل عملية التغيير أحيانا خطيرة أو صعبة ، وأحيانا شبه مستحيلة  .

ذلك أن هذه الإنسانة التي شاطرتك هموم الحياة وحلاوتها، وأعطتك ذوب عاطفتها وحنانها، تنتظر منك أن تكون وفيا لها مخلصاً في عواطفك ومشاعرك نحوها، وأن تجازيها خيراً على ما صنعته معك، ولذلك وحتى لا تطرق باب الطلاق ذات يوم، أو تلجأ إلى المحاكم لحسم الخلاف، أو إلى الحكم من أهلك وأهلها لفضّ النزاع، كن متمهلا مدققا في اختيارك، وإذا كنت تترددّ مرتين وثلاثا في انتقاء شراء بضاعة معينة، فليكن تردّدك في انتخاب شريكة الحياة أكثر، ولا يعني ذلك أن تعيش التردّد، في الاختيار وإنّما أن تكون دقيقا في الاختيار.

(الدقة) لا (التشدّد).. في إحراز صفات زوجة المستقبل:

إن زوجة المستقبل، أو التي ستصبح عمّا قليل زوجة لك، ومديرة لبيتك، وأمّاً ومربية لأولادك، وأختاً لك في الله وفي أعمال البر والخير والإحسان، حريّ بك أن تدقّق في اختيارك لها، لا بمعنى أن تضع شروطاً صعبة وتعجيزية وخارقة للعادة، وإنّما أن تكون بصيراً بما أنت عاقد العزم عليه، ففتاة أحلامك ليست مجرد شكل ظاهري جميل، وإنّما هي التي تتوافر على خصائص وصفات أغلى وأهم.

وكما نتوجه بالخطاب إلى الشابّ، نتوجّه به إلى الفتاة أيضاً، فلقد سادت نظرة خاطئة عند الكثير من الناس، وهي أن الشاب هو الذي يختار وهو الذي يحددّ المواصفات التي يريدها في شريكة حياته، ولعل هذه النظرة لانتخاب الشريك قد جعلت من الفتاة عنصراً سلبياً في عملية تأسيس البيت الزوجيّ، وإنّا وإن كنّا نلحظ انحسار هذه النظرة مع تقدّم الحياة وتطوّرها، حيث بات للفتاة كلمتها في مستقبل حياتها الزوجية، الاّ أنّ النظرة السائدة مازالت تلقي بظلالها على الكثير من الزيجات وتحرم الفتاة من تقرير مصيرها .

التقاء الإيمان بالإيمان والخلق النبيل بالخلق النبيل:

إنّ الإسلام الكريم بما عرف عنه من نظرته المتوازنة إلى الأمور دعا الاثنين معاً: الشاب والفتاة إلى حسن الاختيار، ففي حين يطالب الحديث الشريف الشاب باختيار الفتاة المؤمنة كشرط أول وأساس ((عليك بذات الدين تربت يداك))(1) ، تراه من ناحية ثانية يخاطب الفتاة بأن يكون اختيارها مشروطاً بالشرط ذاته ((إذا جاءكم من ترضون خلقه ودينه فزوّجوه))(2) ، ولاحظوا اقتران الخلق بالدين، وإلا فمن لا خلق له لا دين له.

وبذلك يكتمل شرط الإيمان من جهتين، جهة الشاب الخاطب وجهة الفتاة المخطوبة، فإذا التقى الإيمان والإيمان، والخلق النبيل بالخلق النبيل، والرحمة بالرحمة، والمودة بالمودة والسكن بالسكن.. تحوّل البيت الزوجيّ إلى جنينة وارفة الظلال، تشدو فيها عصافير السعادة، وتترنّم في أنحائها خلجات الحبّ والصفاء، وتتنزل عليها السكينة والبركة.

وبناءً على هذا، كان لابدّ من تعريف الجنسين الشاب والفتاة المقبلين على الزواج بالمواصفات التي ينبغي مراعاتها للوصول إلى بيت سعيد، ذلك أنّ البيوت السعيدة تخرّج رجالاً أكفّاء أقوياء، وأبناءً صلحاء أوفياء، وبنات عفيفات صالحات، وأسرة متينة كريمة تنعم بالحنان والألفة والوداد، كما ينعم غيرها، ممن يمتُ لها بصلة، بالخير والأمان والاطمئنان، فالخير عميم كما أن الشرّ عميم، ولأن سعادتنا بأيدينا فإن مساحة الخير هي الأخرى تحت أيدينا سعةً وضيقاً.

وتسأل : وماذا نفعل بالساقطين والساقطات؟

هل نتركهم للريح والضياع إذا تم تزويج الأسوياء فقط؟

الجواب : إن زيجات المنحرفين غالبا ما تكون فاشلة ، تنتج أجيالا ضائعة منحرفة، والحل بالتصحيح قبل الزواج.. فإن التوبة وإصلاح السلوك والأخلاق مدخل للنجاح والسعادة، وحتى أولئك الذين تورطوا سلفا بزواج منحرف يمكنهم أن يعقدوا العزم سوية على التوبة والتصحيح : {إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ}((الرعد: 13/11)). 

صفات عامّة ينبغي توافرها في الشريكين:

هناك صفات عامّة مشتركة بين الشاب والفتاة، أو بين الرجل والمرأة، وأولاها وأهمّها (التدين). ولقد مرّ بنا كيف أنّ الإسلام طلب إلى الرجل أن يختار ذات الدين، وإلى المرأة أن تختار ذا الدين المتخلّق بأخلاق الإسلام وآدابه.

ولابدّ لهذا القاسم المشترك من وقفة أطول، ذلك أنّ التجربة أثبتت أن زواج المتدينين أطول عمراً وأكثر سعادة وأشدّ علقة من أي زواج آخر، لسبب بسيط، وهو أنّ الزوج المتدين يعرف حقوق زوجته فيراعيها، والزوجة المتدينة تعرف حقوق زوجها فتداريها وتراعيها وتحافظ عليها. وهذا قد يحصل  حتى بين بعض الأزواج غير المتدينين، ونحن لا ننفي ذلك، ولكننا نؤكد أن ضمانة الدين هي أكبر الضمانات التي تحفظ للحياة الزوجية نضارتها ودوام سعادتها، ولقد شاع في الإسلام  النصح بالزواج بالإنسان الفاضل الذي إذا أحبّ زوجته أكرمها، وإذا كرهها لم يظلمها.

الدين هو الشرط الأساس:

لقد حثَّ القرآن الكريم على الزواج بالمؤمنات في قوله تعالى: {وَلأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ}((البقرة: 2/221)) 

وأكد على ضرورة التجانس الزوجي الصالح في قوله تعالى: {وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ}((النور: 24/26))، وهذا يعني أن على الشاب المؤمن الطيّب أن لا يختار سوى المؤمنة الطيّبة حتى تتحول حياتهما إلى بحبوحة من السعادة، وذريتهما إلى جيل مؤمن طيّب وبيتهما إلى جنّة وارفة الظلال.

يقول تبارك وتعالى: {وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا}((الفرقان: 25/74)). 

ومن خلال الاقتران بين الطيبين من الرجال والطيبات من النساء تتفرع الشجرة الطيبة : {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا *إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا }((الأحزاب: 33/34 ـ 35)).

وللمرأة أو الفتاة ـ كما للشاب وللرجل ـ أن يتأمّلا في مجتمع يزرع فيه المؤمنون والمؤمنات والطيبون والطيبات هذه الغراس الطيبة، ليكون حصاد هذا التزاوج الميمون خيراً وبركة وسعادة وأماناً.. أما كان وجه الدنيا غير الوجه الذي نراها عليه؟!

ولعلّ أشدّ ما يثير في نفس الشاب والفتاة على حدّ سواء، حرصهم على خصيصة الدين بين الخصائص الأخرى، هو ما يقرأونه أو يسمعونه عن نبيهم (ص): ((عليك بذات الدين))..

وقوله(ص): (« إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوّجوه». وهو الناطق بلسان السماء :{وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى *إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى }((النجم: 53/3 ـ 4)). 

وهذا يعني أنّ وصية الرسول (ص) باختيار الشريك المؤمن أو الشريكة المؤمنة إنّما هي وصية الله سبحانه وتعالى للجنسين معاً!

ومن جميل ما يذكر في هذا الصدد ((أن نوح بن مريم قاضي مرو (خراسان) أراد أن يزوّج ابنه (أو ابنته)، فاستشار جاراً له مجوسياً، فقال المجوسي:

ـ سبحان الله! الناس يستفتونك وأنت تستفتيني!

قال: لابدّ أن تشير عليَّ..

ـ فقال: إنّ رئيس الفرس كسرى كان يختار (المال)، ورئيس الروم قيصر كان يختار (الجمال)، ورئيس العرب كان يختار (الحَسَبْ)، ورئيسكم محمد كان يختار (الدين)، فانظر لنفسك بمن تقتدي))؟!

الدين والأخلاق:

جاء عن الإمام الرضا (ع): ((إذا خطب إليك رجل رضيت دينه وخلقه فزوّجه ولا يمنعك فقره وفاقته، قال تعالى

{إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ}((النور: 24/32))

»((فقه الرضا. ص31.))

وجاء عن الإمام الصادق (ع) في رواية حسنة السند: ((إذا تزوّج الرجل المرأة لجمالها أو مالها وُكل إلى ذلك، وإذا تزوّجها لدينها رزقه الله المال والجمال))(3). 

وعن إبراهيم الكرخي، قال: ((قلت لأبي عبد الله (ع): إنّ صاحبتي هلكت، وكانت لي موافقة، وهممت أن أتزوّج، فقال لي: أنظر أين تضع نفسك ومن تشركه في مالك وتطلعه على دينك وسرّك))(4).

من خلال ذلك، نخلص إلى أنّ الإسلام ركّز بالدرجة الأساس على خصلتين، أو قلْ قيمتين: (الدين) و(الأخلاق).

وهذا لا يعني إهمال الخصال الأخرى، ولكنّه أعطى الأهمية القصوى لهاتين القيمتين، باعتبار أن الدين يلزم الزوجين بضوابطه، والأخلاق ترفع من مكانة بعضهما في نظر البعض الآخر، وتخلق أجواء انسجام وتحابب وتآلف تفتقدها الزيجات التي لا تقوم على احترام الأخلاق ولا تراعي ضوابط الشريعة ولا تلتزم بآداب السلوك.

أولاً: معرفة أسرة الشريكين:

وإذا أردنا التطلّع إلى الأمور العامّة الأخرى في إختيار الشريك ، فيمكن أن ننظر إلى ما يلي:

(الأسرة)،  وذلك بإختيار الأسرة الصالحة وغض النظر عن الوجاهات العائلية والثراء والمقامات الدنيوية الأخرى، والإهتمام بالشريك المتحدر من أسرة مؤمنة ملتزمة متخلقة بأخلاق الإسلام، معروفة بسيرتها الحسنة بين الناس.

إن لجوِّ الأسرة باعتباره المحضن الأول للتربية دورا في تنشئة الفتى الصالح أو الفتاة الصالحة، ولذلك ندبت الأحاديث إلى اختيار ((كريمة الأصل)) أو ((العزيزة في أهلها)) مثلما نهت عن الزواج ب‍))خضراء الدمن))، وهي المرأة الحسناء في منبت السوء، أي الجميلة التي نشأت وترعرعت في الإنحراف والانحلال.

وإذا كان المعيار في الاختيار هو ذلك، فلا تقف الحواجز الطبقية حائلاً دون زواج المتكافئين في الإيمان، ولا يضير بعد ذلك إن كانا من أسرتين فقيرتين، أو من أسرة ثرية وأخرى فقيرة أو أقل ثراءً.

إنّ المال لم يكن سبباً أوحد في نجاح الزيجات الناجحة، بل ربّما كان في بعض الأحيان وبالاً على الزواج والمتزوجين.

وقد صوّر الشاعر رغبة الفتاة بمن تحبه وترضاه زوجاً لها وإن كان فقيراً معدماً، في هذا الحوار الجميل بين المعجبة بذلك الشاب الفقير ماليا وربما الغني  بأخلاقه ، وبين رفيقاتها:

قلن: وإن كان فقيراً                           معدماً .. قالت: وإنْ!

ثانياً: التوافق العمري:

كما اننا نعتبر أنّ للعمر مدخلية في اختيار الشريكين، على الرغم مما يؤكده البعض من أنّ زواج الشابّة من المسنّ أو الشيخ الكبير ممكن، وقد نجحت بعض حالات الزواج من هذا القبيل، لكننا ـ كقاعدة عامّة ـ نشجّع ونؤكّد على ((التجانس الزوجي)) أو ((التوافق بين الزوجين)) في الإيمان والعمر والثقافة والعادات والتقاليد مهما يمكن.

ولا يعني ذلك أن تكون الأمور المذكورة متطابقة تماماً، بمعنى أن ابن العشرين لابدّ أن يتزوّج ابنة العشرين، أو الذي على درجة عالية من الإيمان أن يتزوج عالمة فقيهة، أو لحامل شهادة الدكتوراه أن يتزوّج نظيرته.

إنّ زواج النظائر ليس دائماً موفّقاً، ونحن لا ندعو إلى التماثل الكلّي، فشيء من التفاوت يجعل الحياة أجمل، وذلك حينما يستشعر أحد الزوجين أنّ الآخر يكمّله فيما يفتقر هو إليه، فمن دواعي الزواج هو البحثّ عن هذا التكامل في إطار الحياة الزوجية والرضا النفسي والتوافق الروحي وإن اختلفت الأعمار والمواقع.

جاء في الحكمة المأثورة : ((ينبغي أن تكون المرأة دون الرجل بأربع والا استحقرته: بالسنّ، والطول، والمال، والحسب، وأن تكون فوقه بأربع: بالجمال، والآداب، والورع، والخُلق))(5).

ثالثاً: الجمال والوسامة:

ومن الخصال المشتركة، وإن كانت في الفتاة والمرأة أكبر وأهم : الجمال والوسامة… فالمرأة بما حباها الله من لطف في الخلقة، ورقّة في الطبع، ونعومة في الهيئة، تُطلب عادة لجمالها، وهي تهفو أيضاً إلى شاب ترتاح له نفسها إذا نظرت إليه، كما تسرّه إذا نظر إليها.

لكنّنا نحب أن نؤكّد لفتياتنا ولشبابنا ـ بعدما شاعت ثقافة الشكل أو المظهر الخارجي، فطغت على ما سواها من خصال وصفات أكّد عليها الإسلام، واثبتت التجارب  أنّ لها أولوية في قائمة اختيار الشريك المناسب ـ إنّ المظهر الخارجي، وإن كنّا لا نغمطه حقّه ولا نقلل من أثره وتأثيره في نفوس الشبان والشابّات وباقي العقلاء، لكنه ليس عماد الشخصية.

فلقد اتضح أنّ بعض الجميلات لا يمتلكن خُلقاً مماثلاً لخَلقِهن، وأنّ بعض المفتقرات إلى الجمال يمتلكن من الروح الجميلة، أو ما يسمّى في علم النفس بـ(سحر الشخصية) أو (الجاذبية الشخصية) ما يضفي على الشكل الخارجي جمالاً غير معهود.

وهكذا هو الحال في الرجال أيضاً، فالكثير من هؤلاء ليس لهم حظّ كبير في الوسامة، لكنّهم بما يتمتعون به من خلق جميل وسلوك رشيق وتعامل اجتماعي لطيف، يبدون أكثر جمالاً من بعض أصحاب الوسامة، الأمر الذي يعني أن جمال الشخصية أقوى من الجمال الشكلي.

ومن طريف ما يذكر هنا، أن (بثينة) دخلت على (عبد الملك بن مروان)، فقال لها: يا بثينة! ما أرى فيك شيئاً مما يقوله جميل (جميل بن معمر العاشق).

فقالت: إنه كان يرنو (ينظر) إليّ بعينين ليستا في رأسك!(6) 

قال: فكيف رأيته في عشقه؟

قالت: كان كما قال الشاعر:

لا والذي تسجد الجباه  له
ولا بفيها، ولا  هممتُ  بها

مالي بما تحت ذيلها خَبـرُ
ما كان الاّ الحديث والنظرُ

فهي تميّز ـ كما هو جميل ـ بين جمال الشكل وجمال الروح، وهو جمال الشخصية.

هذا بالإضافة إلى أن (العفاف) هو صفة أخرى مشتركة ينبغي لكل من الشريكين الالتفات اليها.

ومع أنّ العفاف مطلوب من الفتاة بدرجة أكبر، وهو يمثل زينة لها، إلاّ أن الحياء جميل من المرأة ومن الرجل، بأن يتعففا في نظراتهما وفي كلماتهما وفي سلوكهما، حتى إذا اجتمعا تحت سقف واحد، وتحت غطاء شرعي هو (الزواج)، كان لهما ما يريدان.

يقول الإمام الصادق (ع): ((الكفوء أن يكون عفيفاً وعنده يسار))(7).

لكن تبقى صفة العفاف في الفتاة الأولى بين صفات شخصيتها الأخرى. فلقد سأل أحدهم الفيلسوف الفرنسي (جان جاك روسو): ما هو رأيك في الصفات التي يجب أن تتحلّى بها المرأة الفاضلة، فقال له أكتب:

العفاف ـ واحد.

تدبير المنزل ـ صفر.

مداراة الزوج ـ صفر.

فن الطبخ ـ صفر.

فن الخياطة ـ صفر.

فقال الشخص إنه لم يفهم لذلك معنى!

فقال (روسو): إذا لم تتصف المرأة بالعفاف فكلّ الصفات الباقية لا قيمة لها، شأن الأصفار إذا لم يسبقها الرقم واحد!!

من هنا يمكن القول إنّ على شبابنا وفتياتنا أن يركّزوا على العفة و الجمال الروحي أو الجاذبية الشخصية أكثر من تركيزهم على الجمال المظهري، فهذا يذوي مع الأيام، وذاك يزداد نضارة بتقدّم الأيام والسنوات.

أمّا إذا اجتمع الحُسنيان: جمال الوجه وجمال الروح، فذلك من صفات الجمال المتناسق المتآلف ، ومن أوتي ذلك فقد أوتي خيراً كثيراً.

مكتب المرجعية

مقتطف من كتاب “الزواج والأسرة في الإسلام”

عبد اللطيف برّي

أميركا ـ ديربورن

ربيع الأول 1429 ه‍ ـ آذار 2008 م‍


المصادر:

(1) أصول الكافي. ج5. ص332. ح1.

(2) المصدر نفسه. ص347. ح2. 

(3) وسائل الشيعة. ج14. ب14. ح1. ص20.

(4) بحار الأنوار. ج103. ب78. ح7. ص372. 

(5) بحار الأنوار. ج109. ص70. 

(6) طرائف ونوادر، ج2. ص20.

(7) بحار الأنوار. ج103. ص372. ح4. ب21. 

مقابلات

أخبار ومناسبات

بيانات