حوارات عقائدية

يشكل هذا القسم حوارات عقائدية تعالج الإختلافات بين…

بين الإسلام واليهودية

* منهج الحوار بين أهل الأديان السماويّة * هل ور…

مسائل الفقه العملي

يتناول هذا الكتاب العديد من مواضيع الفقه العملي ال…

اسئلة حول الإسلام

تتناول هذه الزاوية اسئلة وإجابات حول الإسلام، وقد …

شؤون الأسرة

تتناول هذه الزاوية شؤون الاسرة وتنقسم إلى عدة فروع…

الاستفتاءات

يتناول هذا الباب العديد من الاستفتاءات التي يجيب ع…

«
»

كيف تختارين زوجك؟

تاريخ النشر: 16 صفر 1432هجـ 21 كانون الثاني 2011 م

كيف تختارين زوجك؟

لم تعد مسألة الاختيار قاصرة على جنس الرجال والشبّان فحسب، فالفتاة أو المرأة تختار أيضاً، فحتى التي يتقدّم الشاب أو الرجل لخطبتها، يمكن أن (ترفض) ويمكن أن (تقبل) أي ان مفتاح المسألة بيدها، فإذا رفضت لأسباب معقولة فإنّها ترى أن الاختيار غير مناسب، وإذا قبلت لأسباب وجيهة، فإنّها تكون قد اختارت ما تراه مناسباً، ولذا فإننا نعتبر كلمة الفتاة التي تُخطب للزواج هي كلمة الفصل، وعلى رأيها يتقرّر الزواج من عدمه، أي أنّها الطرف الأهم في عملية تقرير مصيرها بالرفض أو القبول، وهذا بالطبع من وجهة النظر الإسلامية لا من جهة العرف الذي قد يجور على الفتاة فيحرمها حقها المشروع.

وكما سبق وأكدنا، فإنّ الإسلام أراد للمؤمن أن يتزوج المؤمنة، ولذي الخلق والدين أن يظفر بذات الخلق والدين، أي أنّ الفتاة العاقلة مدعوّة أن لا تنظر إلى (جيب) الرجل فقط، كما أنه مدعوّ أن لا ينظر إلى (شكل) المرأة فقط.

الزواج ليس صفقة:

ولا يعني ذلك التقليل من شأن المال لبناء مملكة الزوجية، فلقد قيل إن الزوجين يمكن أن يناما بدون حبّ ولكن لا يمكن أن يناما بدون غذاء أو طعام، لكننا لا نريد لفتياتنا أن يستغرقن في المستوى الماديّ للمتقدم للزواج بهنّ، فيجعلنه الشرط الأول، وينسين أنّ الدين والخلق هما أثمن من ذلك.

لقد حصل إسفاف كبير في العقود المتأخرة في النظر إلى الزواج، وهو علاقة ربانية مقدسة تجمع الرجل والمرأة بين أحضان السكن والمودة والرحمة، على أنه (صفقة) تجارية يتجاذب فيها الطرفان، وخاصة أهل الزوج وأهل الزوجة، الحبل، وكأننا في سوق بيع وشراء، أو مزاد علني! أو سباق لكسر الرقم القياسي!

ومهما يكن من أمر، فإنّ للفتاة الحق في أن تضع المواصفات التي تراها مناسبة في شريك حياتها، فسعادتها مهمّة كما هي سعادته، وكما أبينا على الشاب أن يتعسّف ويتشدّد في شروطه لئلا تكون فتنة وفساد كبير، نأبى على الفتاة ونربأ بها أن تبدأ حياتها بإثقال كاهل الزوج بطلبات ما أنزل الله بها من سلطان، ولعلّ تخفيفاً من جانب الفتاة وتسهيلاً من جانب الشاب يمكن أن يكون فاتحة عهد زوجيّ مشرق وسعيد.

التديّن والتهذيب: 

قلنا أن الاولوية في شريك الحياة أن يكون مؤمناً خلوقاً، كما ورد عن الرسول (ص): ((إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوّجوه)). استناداً إلى قوله تعالى: {وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى} زوّجوا العزّاب والعازبات ـ {مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}((النور: 24/32)). 

وورد في أهمية الأخلاق كشرط في المتقدم للزواج، أنّ رجلاً كتب إلى الإمام الرضا (ع): ((إنّ لي قرابة قد خطب إليّ وفي خُلقه سوء، قال (ع): لا تزوّجه إن كان سيئ الخلق)) (1).

والواقع أن الأبّ يعقّ ابنته ويدمّر حياتها إذا وافق على هذا النوع من الزواج، ففي الحديث ((لينظر أحدكم لمن يرقّ كريمته)) (2). أي أنّ الفتاة ستكون في عهدة زوج يتحكم في حياتها وتكون له القيمومة عليها، فإذا كان كريماً أحسن معاملتها، وإن كان لئيماً أساء إليها.

فلا يناسب الفتاة الشريفة الكريمة الصالحة إلا شاب مثلها في الكرامة والصلاح، حتى يقدّر خصالها الطيبة، ويتحقّق الانسجام والتوافق بينهما.

العفّة والغنى:

جاء في الحديث عن الإمام الصادق (ع): ((الزوج الكفؤ أن يكون عفيفاً وعنده يسار)) (3)، واليسار السعة في المال، ولا يشترط أن تصل السعة إلى حدود الغنى الفاحش، وإنّما القدرة على تلبية متطلبات الحياة الزوجية في أساسياتها وضرورياتها وأهم كمالياتها، فلا يدخل في بيت الزوجية وهو غارق في الديون إلى شحمة أذنيه، ولا يعيش الكسل أو التواكل، ويلقي كلّه على أهله أو أهلها.

أمّا إذا كان كادّاً وعاملاً وباذلاً وسعه في تأمين الحياة الكريمة لزوجته ولأولاده مستقبلاً، فقد لا يشينه الفقر، ذلك أن رزقه ورزق عياله بيد الله الذي تكفّل بأن يوسّع على المتزوجين {إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ}((النور: 24/32)). 

والغنى المالي لاشكّ مهمّ، لكن الغنى الأكبر هو غنى الروح والأخلاق والانبساط والثقافة والتعامل الرفيق الرقيق، فكم من معسر وجدت فيه زوجته كريماً في أخلاقه، حتى إذا صبر وصبرت فتح الله عليهما أبواب رزقه ورحمته. وفي كلّ الأحوال  إن راحة البال شرط أساسي قبل المال، فقد تجد السعادة في كوخ والشقاء في قصر.

وأمّا العفّة، فهي ضرورية كما سبق بالنسبة للزوجين على حد سواء. فقد جاء في رواية أنّ ((من زوّج ابنته إلى فاسق فقد قطع رحمها)).

وعن الإمام الصادق (ع): ((لا تزوجوا المرأة المستعلنة بالزنا، ولا تزوجوا الرجل المستعلن بالزنا، إلا أن تعرفوا منهما التوبة)) (4). لأنّهما يشكلان وباءً اجتماعياً لابدّ من التطهّر منه بالتوبة أو الابتعاد عن الشريك غير العفيف.

لا تزوّجوا السكير:

كما نهت أحاديث أخرى عن تزويج شارب الخمر، فقد ورد عنه (ص): ((شارب الخمر لا يزوّج إذا خطب)) (5). وعن الإمام الصادق (ع): ((من زوّج كريمته من شارب الخمر فقد قطع رحمها))(6).

فإذا عرفنا أنّ شارب الخمر إنسان يتصرف بوحي (جنونه) لا بوحي (عقله)، وأنه يمكن أن يرتكب جرائم فظيعة في حق زوجته وأولاده وحق الآخرين، وأنّه يورث أولاده أمراضاً خطيرة، وأنه يتلف أمواله في الإدمان على الخمرة، عرفنا السبب في رفضه إذا تقدّم لخطبة فتاة.

ولو تأمّلنا في الشروط الأساسية التي يضعها الإسلام للزوج، لرأينا أنها صفات ليست خارجة عن قدرة الإنسان، وإنّما هي صفات اكتسابية بمقدور الإنسان أن يمتلكها بالتدرب والنضال والإرادة (7).

زوّجوا القرآنيين: 

في مقابل ذلك، ينصح أهل الزوجين بتزويج قارئ القرآن، ذلك أنّه قلّما يصاب بالغفلة والإنحراف والفساد، فلكي تربحي شريكاً يعيش روحية التقوى، ويخاف الله ويحترم نفسه مثلما يحترم حقوقك، إبحثّي عن شريك يقرأ القرآن ويواظب على قراءته وتدبّره ويعمل بتعاليمه، فالشريك الذي يعيش روحية الاقتراب من الله بقراءة القرآن والدعاء والتضرّع إلى الله، شفّاف الشخصية، طاهر الذات، متزن في تصرّفاته .. صادق .. أمين .. حكيم.. مستقيم، ولا عبرة بالشاذ من قرّاء القرآن، إذ ربّ قارئ للقرآن والقرآن يلعنه.

وهذا لا يعني أنّ من لا يقرأ القرآن لا يزوّج، إنّما يعني أنّ قارئ القرآن وقارئة القرآن يمتلكان ضمانة أكبر للاستقامة في الحياة الزوجية، والالتزام بمسؤولياتها وتحقيق أجواء السعادة والاحترام التي تسودها.

كما يعني أن أبناء هذه الأسرة يتجهون في الغالب إلى حبّ القرآن وتعلّمه وحفظه والعمل به، ففي الخبر: ((من قرأ القرآن وهو شاب مؤمن اختلط القرآن بلحمه ودمه، وجعله الله عزّ وجل مع السفرة، الكرام، البررة، وكان القرآن حجيزاً عنه يوم القيامة)) (8).

ماضي الشاب وخلفيّته:

نظراً لان فسحة من الحرية الممنوحة للشاب الشرقيّ عموماً، والمسلم خصوصاً أكثر من الفتاة، فإنّ إساءة استغلال هذه الحرية من قبل الشبان كثيراً ما كانت سبباً لتفسّخ أخلاقهم وانحطاط سلوكهم واستهتارهم بالقيم الكريمة.

ولذلك يجدر بالفتاة وبأسرتها التحرّي عن ماضي الشاب الذي يتقدم لخطبتها، ذلك أنّ بعض الشبان سرعان ما يحنّون إلى ماضيهم الذي يعتبرونه سعيداً بما كان يوفّره لهم من أجواء الانفلات وعدم الشعور بالمسؤولية.

فلابدّ من معرفة أصدقائه الذين كان يرتبط بهم، وربما لازالت علاقته بهم حميمة كما في السابق، حتى قيل: قل لي من تعاشر أقل لك من أنت، فالتشابه في أطباع الرفاق يجعلهم يتآلفون، وقديماً قيل: (الطيور على أشكالها تقع) اي تألف نظائرها واشباهها.

ومما ينسب للإمام أمير المؤمنين (ع) قوله:

واختر قرينك واصطفيه تفاخراً    إنّ  القرين إلى المقارن  يُنسب

ونشدّد هنا على رفاق السوء الذين غالباً بل دائماً ما كانوا السبب الرئيسي في انحراف أقرانهم وجرّهم إلى مواطن الشبهات والجريمة، فإذا كان الشاب ممن يتسكع في الطرقات، ويرتاد المقاهي والسينما والملاهي والحانات، ويعاقر الخمر والعربدة والقمار، فإن من الجناية العظمى أن يجازف الأبوان بتزويج ابنتهما منه، فطريقة حياة الإنسان الاجتماعية والسلوكية تدلّ على خصائص شخصيته، اللهم إلاّ إذا أقلع عن ذلك كله بالتوبة النصوح، وإقلاعه ليس قُبيل الزواج بقليل، فربّما كان ذلك مصيدة للإيقاع بالفتاة بغية الزواج منها ثم (تعود حليمة إلى عادتها القديمة)، وإنّما لفترة تبعث على الثقة والاطمئنان أنه هجرإلى غير عودة أيام التسيّب والاستهتار وأصدقاء السوء.

الشاب الانفعالي الغضوب:

من المسائل التي تحتاج إلى دراسة ووقفة متأنية عندها، أنّ العادة جرت أن يتحرّى أهل العروس أو الخطيبة عن طباع وأخلاق وسيرة المتقدم لخطبتها، وقد يتساهل الكثيرمن المسؤولين في إبداء آرائهم المتسرّعة وغير المبنية على أساس متين، فيقولون لك: إنّها عائلة طيبة، وتسألهم: أنا أعرف أنّ العائلة طيبة، لكنّ سؤالي عن الشاب نفسه.. ماذا تعرفون عن خصاله وسيرته؟

وربما كانوا يعرفون بعض عيوبه لكنّهم يتكتمون، ظنّاً منهم أن ذلك يجنبهم المشاكل وأنّهم بهذا العمل يسهّلون الزواج، غير مدركين أنّ هذا التساهل ربما يقود مستقبلاً إلى كوارث عائلية خطيرة.

فمن بين الأسئلة التي ينبغي على أسرة الفتاة طرحها هي التالي: هل هو شاب متزن في تصرفاته؟ هل يتكلم بطريقة منطقية؟ هل يسيطر على غضبه وانفعالاته؟ هل ينفجر لأدنى ولاتفه سبب؟ هل يثور ويغضب أمام الناس ولا يلجم  غضبه؟ هل يعامل أهله باحترام ولباقة؟

قال الشاعر:

لا يحمل الحقد من تعلوُ به الرتبُ      ولا ينال العلى من طبعه الغضبُ

إنّ عزيز مصر حين علم خيانة زوجته لم يفقد سيطرته على الموقف، بل قال بلهجة تدلّ على توازن: {يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ}((يوسف: 12/29 )).ولعلّنا لا نغالي إذا قلنا إن معظم حالات الاعتداء على المرأة ومعاملتها بالعنف والقسوة ناجمة عن أفنفعال الزائد عند الزوج  وكونه لا يحسن ضبطه و لا يقيم لآداب السلوك واللياقات وزناً. إلا إذا كانت هي كذلك وهي سبب المشكلة.

عامل أم عاطل؟

ومن الابتلاءات الأخرى التي تبتلى بها بعض الفتيات أو النساء أن ترتبط بشاب أو رجل خامل عاطل كسول، يؤثر الراحة على العمل، والقليل من الكسب على الطموح وتنمية موارده.

إنّ السؤال من عائلة المتقدم لخطبة الفتاة ومن جيرانه ومعارفه عن همّته وطموحه وحبّه للعمل والكسب الحلال، ليس سؤالاً عابراً يمكن المرور عليه، فليس أصعب على المرأة من زوج جليس الدار، أو يستعطي الناس وهو قادر على أن يكدّ ويجتهد لإعالة زوجته وأولاده، فسرعان ما تملّه امرأته وتنفر منه، لأنه يمثل بالنسبة لها طاقة مشلولة يجعلها تعاني الأمرّين في معيشتها، وقد تلعن الشخص الذي عرّفها به، وهي إذا تقارنه بنظائره من الشبان والرجال لا ترى فيهم فارقاً من حيث الرجولة سوى أنّه قاعد متقاعد وهم عاملون نشيطون.

إنّ نفقة الزوج على زوجته واجبة، وعلى كلّ شاب أو رجل يتقدم للزواج من فتاة أو امرأة أن يضع في حسابه أن يكفل لها معيشة كريمة لا تجعلها تتطلع إلى ما في أيدي الناس، أو تضطر للعمل من أجل سد النقص الحاصل في دخل العائلة، الأمر الذي يجعل البيت مهملاً في جانبه التربوي.

ولا يعني ذلك أن يكون الخاطب مجرد صاحب مهنة أو حرفة أو وظيفة معينة، بل لابدّ من أن يعمل على تطوير حياته ودخله ووارداته، فالمراوحة أو الاقتناع بالقليل في حين أنّ هناك مجالات للتطوير وتحسين المعيشة، يعدّ تهاوناً في حق الزوجة والعيال.

فالسؤال ينبغي أن يكون: هل له آمال وطموحات واسعة أم آفاقه ضيقة؟ ولا يتبين ذلك في مجرد سؤال، وإنما بالسؤال الدقيق والفحص عن الأدلة على ذلك.

أما إذا كدّ وسعى ولكن الرياح لم تجر بما تشتهي سفنه، فالعذر لله ولزوجته ولمن يعتب عليه في عدم السعي لطلب الرزق.

كريم أم بخيل؟

صحيح أنّ بعض تصرّفات الأزواج لا تظهر إلا بعد الزواج والمعاشرة، إلاّ أن التحقق من كرم الخاطب وبخله قد يتمّ عبر طريقين: السؤال عن ذلك من معارفه والمقرّبين إليه، وملاحظة استعداده للبذل في سبيل الحصول على فتاة أحلامه، وإذا كان قد قدّر للفتاة أن تعرفه بطريق مباشر فذلك أفضل.

وقد يتحايل بعض البخلاء ليبدو في أول الأمر كريماً، حتى إذا حصل على بغيته جعل يده مغلولة إلى عنقه، ولابدّ في هذه الحال من التمييز بين (الكرم) الفعلي وبين (التكارم)، حتى لا تقع الفتاة في ورطة الارتباط بشخص لا ينفق عليها سوى النزر القليل وربما كان لديه من المال الكثير.

وقد يتباخل بعض الأزواج بحجة رفض الإسراف والتبذير. ويسقطون في دائرة البخل الحقيقي وهم يظنّون أنّهم يقتصدون ويحافظون على قرش البيت الأبيض لليوم الأسود.

والكرم غير الإسراف، فالكرم محبّب والإسراف ممقوت، فإذا ابتليت الفتاة بزوج مسرف، فإنّه يستنزف طاقات البيت وإمكاناته المالية بالهدر والتبذير، وإذا اجتمع زوجان مبذران فعلى البيت السلام، وكثيراً ما تتراكم الديون بأن تعمد الزوجة إلى تغيير أثاث البيت والسيارة كلّ سنة بدون مبرر سوى تقليد عادة اعتادها بعض أثرياء العصر.

وربما شغفت بشراء الحليّ والجواهر والثياب الفاخرة التي لا ترتديها سوى مرّة أو مرتين في أحسن الأحوال، فسواء ابتليت الأسرة بزوج مسرف أو زوجة مسرفة، فإنّها سوف ترزح تحت ثقل الديون والعجز والملاحقة القانونية.

يقول تعالى: {وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا}((الإسراء: 17/29)). 

ويقول عن عباد الرحمن: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا}((الفرقان: 25/67)) كان الانفاق قائماً بين الأمرين.

جاء عن الإمام الصادق (ع): ((خير نسائكم الطيّبة الريح، الطيّبة الطبيخ، ـ أي التي تجيد صناعة الطعام ـ التي إذا أنفقت أنفقت بمعروف، وإن أمسكت أمسكت بمعروف، فتلك عامل من عمّال الله، وعامل الله لا يخيب ولا يندم)) (9).

إن البخل رأس الكثير من المشاكل البيتية والعائلية، كما أنّ الإسراف سبب لمشاكل من نوع آخر، وعلى صاحب الدخل المحدود أن يكون دقيقاً وحكيماً في الصرف، فلا يسقط في البخل فيخسر مودة بيته وزوجته وأقاربه وأصدقائه، ولا يفرّط ويسرف.

يقول تعالى: : {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلاَ تُسْرِفُوا}(الأعراف: 7/31( 

ويقول أيضاً: {وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ}((الطلاق: 65/7)) أي أن من كان معاشه محدوداً فليكن إنفاقه بحسب دخله.

إننا نذكر ذلك هنا، لأنّ معرفة هذه الحال تجنّب الخطيبة أو الزوجة معاناة قد تستمر سنين طويلة.

مخنّث أم رجل؟

قد تتساهل الفتاة أو المرأة عموماً في بعض الصفات الثانوية لخطيبها أو زوجها، لكنها لا يمكن أن تتساهل في شرط مهم من شروطها وهو (الرجولة)، ونعني بها المروءة والعقل المدبّر، والشخصية القوية، والقدرة على تحمّل المتاعب والمشاق وحلّ المشكلات، وعلى حماية الأسرة ودفع كلّ ما يحدق بها.

إنّ (الرجولة) غير (الذكورة) و(الفحولة)، فما أكثر الذكور وما أقلّ الرجال، والفتاة تحتاج إلى رجل تشعر في ظلّه بالاطمئنان، أمّا المخنّث والمائع والمستهتر والمغرور فيبعث في نفسها النفور والتقزّز.

نعم، المائعة المستهترة قد يليق بها مائع مستهتر مثلها، أمّا المرأة بصفة عامّة فهي تطلب (الرجُل الرجُل)، أي الذي تنطوي شخصيته على صفات قيادية تمكّنه من أن يصل بسفينة الأسرة إلى ساحل النجاة والسعادة والرفاه.

إن الزوج الخائف والجبان والمتردّد والضعيف أو الهش سيكون موضع سخرية واستهجان زوجته، فهي لا تريد أن تضمّ ضعفاً إلى ضعفها وخوفاً إلى خوفها، بل تطلب الرجل القويّ في شخصيته ومواقفه وإيمانه.

الشعور بالارتياح:

قد يكون المتقدّم لخطبة فتاة رجلاً حائزاً على بعض صفات الرجولة التي ذكرناها قبل قليل، لكنّها لا تشعر بالانجذاب إليه ولا تأنس به ولا تغمرها الراحة النفسية والقلبية حين تجلس إليه.

إنّ لتقدير مشاعركِ إزاء من يتقدم لخطبتكِ أثره في نموّ العلاقة وتطوّرها بينكما، ولذلك أثره في اتساع رقعة الحبّ والسعادة بينكما، فلا تتجاهلي أحاسيسك التي يثيرها فيك شريك الحياة، اطرحي على نفسك أسئلة من قبيل:

هل هذا هو ما كنت أتمناه وأرغبه؟

هل هو يمثل فارس أحلامي ورب بيتي؟

هل هو ما أبحثّ عنه من قوة وأخلاق والتزام واحترام؟

هل سأشعر بالفخر والاعتزاز حينما أقترن به وأسير معه والتقي وإياه بالناس؟

هل هذا هو طموحي فعلاً؟ أو هو قريب منه؟

هل توجد فيه الشروط الأساسية من حيث توفر الخلق والدين؟

إن الإجابة الصريحة على هذه الأسئلة تمكنك من الوصول إلى قرار حكيم.

إستبدادي أم مشارك؟

القرارات في الحياة الزوجية، بل وقبلها وبعدها، هي قرارات مشتركة، فقرار الزواج مثلاً قرار يشترك فيه الطرفان معاً: الشاب والفتاة، وبناء البيت وإنجاب الأولاد والنظر إلى المستقبل، وحلّ بعض المشكلات.. كلّ ذلك لابدّ له من عقلين يشتركان ويتمازجان ويتلاقحان حتى تكون الحياة الزوجية سائرة على سكّة الوئام والسعادة.

فإذا لمست الفتاة، أو عرفت بشكل غير مباشر، أن الذي تقدّم لخطبتها استبدادي وأناني ولا يسمح لها بأن تبدي رأياً أو تشارك في قرار، فإنّ من الخير لها أن لا تقترن به، إذ كيف يمكن لها أن تقف مكتوفة الأيدي إزاء قضايا مصيرية تتعلق بشؤون الأسرة وأوضاعها وهي طرف فاعل فيه؟ وعلى الاستبدادي والأناني أن يتخلّص من عاداته السيئة، والطريق إلى ذلك مفتوح وله آلياته التغييرية المعروفة.

لقد ولّى الزمن الذي كان يخجل فيه بعض الرجال من استشارة زوجته أو استطلاع رأيها في مسألة تخصّها أو تخصّ الأسرة بشكل عام، وكم هو جميل أن يقول الرجل في مسألة من هذه المسائل: أنا أنتظر رأي شريكتي أيضاً، فلي شريكة لا يمكن أن أتجاهل رأيها ما دامت المرأة تصون سرّ زوجها وتمتلك الحصافة والحكمة في البوح في مواضع البوح والتكتم في أماكن التكتّم.

وإذا كان الحديث عن الإمام علي (ع): ((من شاور الرجال شاركها في عقولها)) (10) يصلح أن يكون قاعدة اجتماعية وسياسية وإدارية، فإنّه يصلح بدرجة مساوية في الشؤون الأسرية، فكثيراً ما تكون الزوجة العاقلة ذات آراء مصيبة وحكيمة في تسديد آراء وقرارات زوجها، لأنها تشعر مثله بالحرص على مسؤولية البيت ومستقبله.

تقول صاحبة كتاب (الزواج والعلاقات الأسرية) د.سناء الخولي:

((من السهل والأنفع أن نختار جيداً بدلاً من أن نحاول تغيير الشخصية بعد الزواج، وهذا لا يعني أن شخصية الزوجين لا تتغير على الإطلاق بعد الزواج، فالتغير يمكن حدوثه من خلال التجربة والمجهود الذاتي أو بتأثير شريك الزواج، ولكن هذا التغير لا يحدث إلا من خلال سمات وملامح الشخصية الموجودة أصلاً قبل الزواج)) (11).

مواصفات عصرية:

أشرنا في كتابنا (الإسلام ومشاكل المرأة) إلى بعض الصفات التي ترى فتيات اليوم وجوب توافرها في الزوج من خلال استفتاء أجرته إحدى المجلات العربية وهذه الصفات هي:

100% أن يكون الزوج متحملاً للمسؤولية.

37% ملتزماً دينياً.

29% مسايراً للتقدم.

9% وسيماً جميلا.

3% غنياً موسراً.

واتجهت آراء المطلقات إلى أنّ أهم الصفات التي يجب أن تتوفر في الزوج هي:

82% منهن طالبن أن يكون الزوج متمسكاً بالمبادئ الدينية.

78% متحملاً للمسؤولية.

21% مسايراً للتقدم.

10% غنياً موسراً.

14% وسيماً جميلاً.

وفي الكفاءات العلمية

100% من النساء يرفض الأميّ، ونسبة كبيرة تريد الجامعي.

وهناك صفات نالت اهتماماً بدرجات متفاوتة، كالثقافة والأخلاق والاستقرار الوظيفي وقوة الشخصية، والاعتراف بحقوق المرأة، وطيبة القلب، وعدم الغيرة، والأنانية، والتكافؤ في المستوى.

أهم ما يثير إعجابهن.. بالشبّان:

وفي استفتاء آخر أجرته بعض الدوائر، سئلت (574) فتاة جامعية عن أهم ما يثير اعجابهن في الشبان، فأجبن:

154 منهن بأنه الذكاء.

101 بأنه الاتزان والحديث المنطقي.

75 بأنه حلاوة النكتة.

70 بأنه المرح.

50 بأنه الرجولة.

44 بأنه الرياضة.

أما الباقيات، فكانت الوسامة والثروة أهم ما يعجبهن في الشبان.

إن هذه الاستفتاءات وما شاكلها -وإن إختلفت من مجتمع لاخر- تعكس (ما هو كائن) من الآمال لدى المرأة، والإسلام يقدم لنا (ما يجب أو ينبغي أن يكون) من صفات وسجايا في شخصية الزوج، وقد وضع شروطاً أساسية وترك الأمور الباقية المتغيرة لتحددها طبيعة المجتمعات وأذواق الناس والمرحلة التأريخية.

التطلّع إلى الرجل المسؤول:

ومن اللافت في هذه الاستطلاعات، أن غالبية الفتيات اليوم يطالبن بـ(الرجل المسؤول) وبـ(الرجل المتدين) وبـ(الرجل العصري)، أي أن القيم الثابتة في الاختيار مازالت هي إياها لم تتغير، فالتدين وتحمل أعباء المسؤولية من قبل الرجل كانا ومازالا شرطين أساسيين في الشريك الصالح.

وقد أتيح لنا من خلال قراءة العديد من آراء النساء والرجال بعضهم ببعض، أن نقف على المواصفات التي تحبّها المرأة في الرجل، فلقد لاحظنا أن الفتاة التي تمتلك أباً ذا شخصية قوية تميل إلى أن يكون فتى أحلامها قوياً مثله أو حائزاً على بعض صفاته.

وفي المحصلة، فإنّ ما تجتمع عليه الكثير من الفتيات والنساء هو أن يكون الرجل زوجاً وأباً وأخاً يتمتع بالحنان والعطف والأخلاق الكريمة اتجاه أسرته.

مؤشرات التوافق:

ونضع الآن خلاصة لقائمة (المؤشرات التنبؤية للتوافق الزوجي)، وهي مؤشرات للتوافق قبل الزواج وبعده، لكننا نقتصر هنا على مؤشرات ما قبل الزواج.

فمن هذه المؤشرات (12):

أن تكون السعادة في الطفولة مرتفعة، وأن يكون لهما أصدقاء قبل الزواج، وأن يكون المستوى التعليمي متقارباً، والفارق في السن (الرجل أكبر أو في سن المرأة) مع فترة من التعارف، والقدرة على التوافق، والسن عند الزواج (20 للفتيات و22 للرجال)، والمواظبة على الصلاة وأن لا يكون هناك صراع مع الأب أو الأم، وان يكون الارتباط بهما وثيقا، وأن تكون لديهما مراعاة للنظام والدقة ولكن ليس بشكل صارم، وأن تكون المعلومات الجنسيّة مناسبة وصحيحة.. بالإضافة إلى عوامل أخرى لا نجد ضرورة لذكرها.

ونؤكد أن هذه المؤشرات ليست مطلقة لكنها تلعب دوراً متفاوتاً في هذه العلاقة الزوجية أو تلك. وباختصار شديد، نقول للمقبلين على الزواج شباناً وفتيات، كما قال (فرانكلين): ((افتح عينيك جيداً قبل الزواج وقليلاً بعده)). وليس ذلك تقليلاً من المحافظة على سير الحياة الزوجية، وإنما تأكيد على أن دقة الاختيار تجنّب الزواج الكثير من المتاعب والمشكلات المستقبلية.

نادي التعارف الإسلامي:

الأسرة المسلمة المؤمنة الناجحة تبني مجتمعاً ناجحاً. ولكي تكون الأسرة ناجحة تحتاج إلى إعداد وحسن اختيار وتعارف بين الفتاة والشاب قبل الزواج،والتعارف يحتاج الى مناخ ومكان لائق لاجتماع الفتاة بالشاب، والاجتماع عند الاهل يتم بعد يتم التعارف في الخارج بطريقة مهذبة حيث يتطلع الشاب إلى مواصفات خاصّة لفتاته المنشودة، كما تطمح هي كذلك ضمن دائرة الإيمان والالتزام.

هنا نطرح فكرة (نادي التعارف الإسلامي) وهو تجمع للفتيات والشبان في اجواء إيمانية يضم نادياً  ومكاتب عمل للنصح والارشاد يشرف عليها علماء دين متخصصون، تقوم بحفظ عناوينهم وملفاتهم وما يطلبونه من أوصاف في شريك الحياة وذلك لتحقيق افضل صيغة لإقتران الشاب بالفتاة وتجنيبهما علاقات السؤ والإنحراف.

هذا مشروع ينبغي البحث فيه بجدية ورصانة لضمان نجاحه قبل إطلاقه.

مكتب المرجعية

مقتطف من كتاب “الزواج والأسرة في الإسلام”

عبد اللطيف برّي

أميركا ـ ديربورن

ربيع الأول 1429 ه‍ ـ آذار 2008 م‍


المصادر:

(5) بحار الأنوار. ج79. ص150. ح5. ب5.

(6) المصدر نفسه. ص164. ح9. ب5.

(7) انظر كتابنا (الإسلام ومشاكل المرأة). ص39.

(8) أصول الكافي. ج2. ص603.

(9) وسائل الشيعة، ج14. ب6. ح6.ص15. 

(10) نهج البلاغة. قصار الحكم. 161.

(11) الزواج والعلاقات الأسرية. د.سناء الخولي. ص159. 

(12) راجع كتاب (الزواج والعلاقات الأسرية). د.سناء الخولي. ص201. 

مقابلات

أخبار ومناسبات

بيانات