حوارات عقائدية

يشكل هذا القسم حوارات عقائدية تعالج الإختلافات بين…

بين الإسلام واليهودية

* منهج الحوار بين أهل الأديان السماويّة * هل ور…

مسائل الفقه العملي

يتناول هذا الكتاب العديد من مواضيع الفقه العملي ال…

اسئلة حول الإسلام

تتناول هذه الزاوية اسئلة وإجابات حول الإسلام، وقد …

شؤون الأسرة

تتناول هذه الزاوية شؤون الاسرة وتنقسم إلى عدة فروع…

الاستفتاءات

يتناول هذا الباب العديد من الاستفتاءات التي يجيب ع…

«
»

الحبّ وحق التعارف بين الجنسين

تاريخ النشر: 19 صفر 1432هجـ 24 كانون الثاني 2011 م

لم يستخدم الإسلام في تشريعاته كلّها الإكراه أو التحريم فيما يسبب للإنسان حرجا ومشقة : {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ}((الحج: 22/78)).ولم يلجأ قطّ إلى الحالة التي يصفها الشاعر بقوله:

ألقاه في اليمّ مكتوفاً وقال له      إيّـاك   إيّاك  أن  تبتلَّ  بـالماء

فما أغلق عليه باباً الاّ وقد فتح له باباً آخر يجد فيه متنفساً، وتلك هي رحمة الله اللطيف بعبده الضعيف.

فمنذ أن يبدأ الشاب يستشعر حاجته الحقيقية إلى فتاة يقترن بها اقتراناً شرعياً، أي من حين تبدأ الغريزة الجنسية ـ وهي من أقوى الغرائز وأشدّها على الإنسان ـ بقرع جرس الإنذار وبالإلحاح عليه لتلبيتها، وهو دائم التفكير في تأمين تلك الحاجة.

وهكذا هي الفتاة، فمن حين سن المراهقة تبدأ تفكّر بأنها ستصبح زوجة وأماً ذات يوم، ومن هنا تنشأ علاقة الحنين التي تربط بين الجنسين ، فتبدأ أول ما تبدأ ميلاً وانجذاباً يسمّى في عالم الشباب بـ(الحب) حينما يشتد بين الطرفين.

واسطة التعرّف على الشريك، ما لها وما عليها:

وقد لا يتاح المجال للشاب أن يتعرّف على الفتاة التي يحبّها ويرغب فيها زوجةً له، وقد لا تجد الفتاة فرصة التعرف على شريك حياتها، بسبب العلاقات الضيقة التي لا تسمح بالعثور على الشريك المناسب، وقد يكون ذلك بسبب الأجواء المحافظة التي يصعب فيها التعرّف على (فارس الأحلام) أو (فتاة الأحلام)، ما يضطرهم إلى اللجوء إلى أشخاص يقومون بدور الوساطة الحميدة في التقريب بين قلبين، والإعانة على اجتماع شاب وفتاة تحت سقف واحد.

وهذا الأسلوب في الخطوبة أو ما يعبّر عنه في المصطلح المعاصر بـ(خطوبة الصالونات) يتنازعه اتجاهان: مؤيد ورافض، حيث تقوم أم الشاب أو امرأة أخرى من الأقارب والمعارف، أو ربما عالم الدين أو إمام مسجد، بإرشاد الشاب للبيت الذي يطرق بابه ليطلب يد ابنة الأسرة التي أرشد إليها.

أو يقوم المكلّف بدور الوسيط بنقل وجهات نظر الطرفين حتى تتحقق الفرصة المناسبة للقاء الحاسم، حيث يكون الطرفان (الشاب) و(الفتاة) قد أخذا فكرة أولية عن بعضهما البعض ولم يبق إلا أن يجتمعا ليقررا ما إذا كان الموصوف أو المنقول دقيقاً، وقد يحظى الشاب أو الفتاة بالقناعة الكافية التي تجعلهما يعلنان الموافقة دون الحاجة إلى إجراء لقاءات لاحقة.

المؤيدون لهذا الأسلوب هم الذين لا تتحاح لهم الفرصة للتعرف على الشريك بشكل مباشر، ولذا فإنهم يطرحون الثقة بالوسيط من أجل إنجاز المهمة.

والرافضون له يعتبرونه أسلوبا تقليدياً غير عصري، وينتقدونه بالقول: لِمَ أشرك غيري في قرارٍ حيويّ مصيري مثل هذا؟ لِمَ لا أقوم بالبحثّ عن فتاة أحلامي بنفسي؟ وقد يستطرد: نحن في عصر الانفتاح والتواصل والتعارف، فهل يعقل أن أكلّف أمّي أو خالتي أو جارتنا بالبحثّ عن شريكة حياتي؟!

الوساطة في السنّة النبويّة:

ولابدّ من مناقشة هادئة لهذا الأسلوب في التعرّف على الشريك، فمن الناحية الشرعية، نرى أنّ السنّة النبوية المطهّرة تحدّثنا عن أنّ النبي (ص) كان يُقصَد من قبل الرجال والنساء على حدّ سواء، طالبين منه أن يوفّر لهم فرصة الزواج من الجنس الآخر، وكان (ص) يعرض أمرهم على أصحابه فيزوّجهم.

فعن سهل بن سعد قال: ((أتت النبي (ص) امرأة فقالت إنّها قد وهبت نفسها لله ولرسوله فقال: مالي في النساء من حاجة.

فقال رجل: زوجنيها؟

قال: أعطها ثوباً.

قال: لا أجد.

قال: أعطها ولو خاتماً من حديد، فاعتلّ له(1).

فقال: ما معك من القرآن؟

قال: كذا وكذا.

قال: زوجتكها بما معك من القرآن))(2). 

وفي الأخبار أن المرأة  كانت تأتي الرسول (ص) فتقول له بكل صراحة: زوّجني يا رسول الله، وكان (ص) يعرض طلبها على المسلمين، فمن أبدى استعداده عقد له عليها، وكذلك الرجال، ما يعني أنّ الرسول (ص) كان واسطة الخير والرحمة في جمع قلوب المسلمين والمسلمات في بيوت الزوجية السعيدة.

وقد ورد عن الإمام علي (ص) الحثّ على الوساطة في التزويج، ففي الخبر أنّه (ع) قال: ((أفضل الشفاعات أن تشفع بين اثنين في نكاح حتى يجمع الله بينهما))(3).

المتخوّفون من الوساطة:

ومن عجب أنّنا نرى كثيراً من الناس يتجنبون هذه الوساطة ولا يقومون بها لتزويج شبابنا وفتياتنا، مع أنّ الكثيرين منهم كانوا أحوج إليها حينما تزوّجوا، فلماذا ينسون هذا الفضل والدور الجليل لمن يكون أميناً في التوفيق بين القلوب؟

قد يحتجّ بعضهم بالخوف من فشل الزواج ووقوع المسؤولية عليه، والحقّ أنّه مجرد واسطة خير لا يتحمّل أية مسؤولية إلاّ إذا كذّب ودلّس على أحد الطرفين، الأمر الذي يستوجب أن يكون الإنسان حريصاً ودقيقاً وأميناً في نقله، وليفترض أن من كلّفه هو ابنه أو ابنته، فكيف يا ترى يبحثّ لهما عن الشريك؟

إنّ على الوسيط أن يكون واضحاً صريحاً مع الطرفين، ومشجّعاً على الزواج، ومحمّلاً الزوجين تمام المسؤولية في اختيارهما، وطالبا من الأهل البحثّ بدقّة عن أخلاق الشريك وعاداته حتى يكون قرارهم سليماً وحكيما، أمّا دوره هو فدور الوسيط المعرّف ليس إلاّ.

كما لا يحقّ لأهل الزوجين تحميله المسؤولية في الخلافات التي تنشأ مستقبلاً، فهو قد قال ما يعرف عنهما ولا علم له بما يحمله الغيب.

وقد تسير الحياة الزوجية في البداية سيراً سليماً، لكن ضغوط الحياة واختلاف أمزجة الزوجين، وربما عدم التقاء قناعاتهما على شيء معين، قد تساعد على نشوب الخلاف، وليس ثمة غالبا بيت لم ينشب فيه خلاف إطلاقاً، فالزوجان مهما يكونا متفقين ومنسجمين، فإنّهما لا يمثلان نسخة طبق الأصل لبعضهما البعض.

إنّ تجربة صادمة أو فاشلة هنا وهناك يجب أن لا تثني عزم الخيرين من الدخول كوسطاء في بناء بيوت جديدة للإسلام وأسر ناجحة للإنسانية ،  ففي الحديث الشريف عن النبي (ص): ((من زوّج أخاه المسلم أظلّه الله يوم القيامة بظلّ عرشه))(4).

الوسائل الحديثة للتعارف:

(الصحف والانترنيت) يكثر فيها الخداع ويقلّ الاطمئنان:

وتبقى لنا وقفة مع وسائط حديثة للتعارف، ومنها استخدام الشبكة العنكبوتية (الإنترنيت)، حيث يجري الاتصال عبر المقاهي التي تفتحها هذه الشبكة، ومن خلال رسائل الاتصال المكتوبة وحتى المرئية يتم التعارف بين الشاب والفتاة، وربما انتهى الأمر إلى الزواج.

ومع أنّ هذه الواسطة لا إشكال شرعياً فيها إذا  استعمل بطريقة مهذبة ، وكان هدف الطرفين الوصول بالعلاقة إلى المرفأ الأمين، وهو تأسيس بيت الزوجية وفقاً للقواعد الشرعية والسلوكية المنضبطة، إلاّ أننا نحب أن ننبه إلى أن (الإنترنيت) يبقى وسيلة اتصال وليس وسيلة تواصل حيّ، فكما يمكن أن تخدع بعض الفتيات بالكلام المعسول لفتى يغازلها عبر الهاتف فتنجرّ معه إلى ما يهوى وتطاوعه في ما يريد، فكذلك الحال مع هذه المقاهي التي يدور فيها الكلام عن بعد دون توافر العوامل المساعدة أو المطمئنة التي تحقق للارتباط بين الشاب والفتاة نجاحه.

وربّما تنجح بعض التجارب هنا وهناك، لكنّها تجارب لا يمكن القياس عليها ولا يمكن اعتبارها القاعدة في الاختيار إلا بضمّ أدلة ثبوتية أخرى إلى جانبها.

ولا ينبغي أن نتحرّك بوحي من عقدة التجديد، فنتصوّر أن كل ما هو جديد وحديث هو شرعي وسليم أو غير شرعي ، فإن علينا التدقيق وإتخاذ جانب الإحتياط والحذر ، فقد يكون الكثير من الدخيل المستورد يديف السمّ في العسل، ولذلك فلا بد من  التحفظ  الشديد تجنبا من الوقوع في شرك الخداع والغش .

مكتب المرجعية

مقتطف من كتاب “الزواج والأسرة في الإسلام”

عبد اللطيف برّي

أميركا ـ ديربورن

ربيع الأول 1429 ه‍ ـ آذار 2008 م‍


المصادر:

(1) فاعتل له: أي اعتذر بعدم إمكانية ذلك.

(2) ابن كثير: فضائل القرآن. ص40.

(3) وسائل الشيعة: ج14. ص27. ب12.ح2. 

(4) وسائل الشيعة: ج14. ب12.ح3. 

مقابلات

أخبار ومناسبات

بيانات