حوارات عقائدية

يشكل هذا القسم حوارات عقائدية تعالج الإختلافات بين…

بين الإسلام واليهودية

* منهج الحوار بين أهل الأديان السماويّة * هل ور…

مسائل الفقه العملي

يتناول هذا الكتاب العديد من مواضيع الفقه العملي ال…

اسئلة حول الإسلام

تتناول هذه الزاوية اسئلة وإجابات حول الإسلام، وقد …

شؤون الأسرة

تتناول هذه الزاوية شؤون الاسرة وتنقسم إلى عدة فروع…

الاستفتاءات

يتناول هذا الباب العديد من الاستفتاءات التي يجيب ع…

«
»

الحب قبل الزواج وبعده

تاريخ النشر: 19 صفر 1432هجـ 24 كانون الثاني 2011 م

هل الحب شرط ضروري للدخول إلى الزواج؟ وهل يشكل ضمانة لدوام الزواج ونجاحه؟

لابدّ لنا من دراسة الحبّ و ما هو المقصود بـ(الحب)؟ هل هو الذي تعارف عليه البعض في هذا العصر بأنه الجنس، حتى إذا أراد أحدهم ممارسته قال للطرف الثاني: دعنا نمارس الحبّ؟ أو هو العلاقة العاطفية التي تشوبها الكثير من الإشكالات الشرعية من حيث اللمس والنظر والتقبيل والخلوة المحرّمة؟

أو هو هذه الرابطة الإنسانية التي تمثل الانجذاب الفطري بين الجنسين يقويها الإعجاب الشديد والإنسجام والرغبة  بالزواج والعيش مع الطرف الأخر حيث يرى كل منهما أن السعادة لا تتم إلا معاً ويؤدي ذلك الى الزواج؟

الأخير هو الحبّ السائغ في الإسلام.

ما هو الحبّ؟

الحب جاذبية نحو مخلوق أو شخص أو شيء يكمّل نقصاً، أو يسدّ فراغاً كبيراً في عقولنا وقلوبنا وعواطفنا، وميل شديد إلى ذلك الشخص يؤدي إلى تركيز المشاعر والفكر فيه، ومحاولة الفوز به والسعادة بقربه سعادة معنوية أو حسّية، بحيث يمتزج بقلوبنا ودمائنا ومشاعرنا وعقولنا، ويصبح جزءاً منّا لا نطيق فراقه ولا نتصوّر أنفسنا بدونه.

ويقول أهل المعرفة أنّ أوّل الحب (الموافقة) ثم (المؤانسة) ثم (المودة) ثم (الهوى) ثم (الشغف) ثم (التيم) ثم (الوله) ثم (العشق).

العشق هو الإفراط في المحبّة.. ولكن!

فالعشق هو الافراط في المحبّة والميل الكلّي نحو المحبوب، والمذموم منه هو العشق الجسماني الحيواني الشهواني، وهو يزول بالوصول والاتصال، وهو العشق الشائع في الغرب، والممدوح منه هو العشق الإنساني النفساني الروحاني، وهو أكمل وأبقى وأروع، وهو الشائع في الشرق، وهو الذي يفجّر ينابيع النبوغ والإبداع ويصقل الأحاسيس والمشاعر، وهو الذي يؤثر عن رسول الله (ص) قوله فيه: ((من عشق وكتم وعفّ وصبر غفر الله له وأدخله الجنّة))(1).

وهذا اللون من الحب يهذّب الطباع، فلقد قيل لأحدهم: إنّ ابنك قد عشق، فأجاب: ((أي بأس به؟ إنّه إذا عشق نظُف وظُرف ولُطفَ))!

وقال أبو عثمان الجاحظ: ((قد ترى الأعرابي وظاهره الجفاء، فما هو إلاّ أن يعشق حتى تجده أرقّ من الماء وألطف من الهواء)).

ولهذا سميّ الحبّ بـ(المعلم) و(المربّي)، حتى لقد قيل إنه كان لأحد الملوك ولدٌ شاب ذو طباع فظّة خشنة، ولم يكن يفلح في تربيته المعلمون والموجهون، فأغرى الملك به امرأة حسناء، فأعجب بها ورقّت طباعه وألفاظه وسمت نفسيته.

وفي (الكشكول): قال أفلاطون: ((الحب غريزة متولّدة في نفس الإنسان، يُحدث للشجاع جُبناً، وللجبان شجاعة، وتكسب كلّ إنسان عكس طباعه)).

أخلاقيات الحبّ:

والحبّ بعد ذلك ليس انفلاتاً غرائزياً بلا حدود، فالمرأة الحبيبة إذا رأت الرجل يحترم نفسه وشخصيته وكبرياءه وكرامته، فلا يتماوع ولا يتضرّع أو يضعف أو يسقط أو يتمرّغ على أعتابها، تعرف أنّه يمتلك سمات الرجولة، فتحبّه أكثر، وتتعلّق به أكثر، كما هو حال (زليخا) زوجة العزيز مع يوسف (ع).

وكذلك الرجل، فكلّما رأى المرأة محافظة ممتنعة صائنة لنفسها معتصمة بعفافها، شغف بها أكثر، وكلّما رآها سهلة مبتذلة مائعة، زهد بها ونظر إليها بازدراء.

((قيل إنّ أعرابياً من بني أسد نزل ببيت أعرابية من بني تميم ضيفاً، فأتته بطعام وماء بارد، فجعل ينظر إليها من وراء الستر، ثم راودها عن نفسها فقالت له: يا هذا، أما يقرّعك (يعنّفك) الإسلام والكرم؟! كلْ، وإن أردت غير ذلك فارتحل، فقال لها: زوجيني إذاً نفسك؟ فقالت: الأولياء (تعني أولياء أمرها) يزوّجونك، فزوّجوه))(2).

((وقال أعرابي من فزارة: عشقت جارية من الحيّ، فحادثتها سنين كثيرة، والله ما حدّثتني نفسي بريبة قطّ، سوى أن خلوت بها، فرأيت بياض كفّها في سواد الليل، فوضعت كفّي على كفّها، فقالت: مه (أي كفّ وتوقف) لا تفسد ما صلح.. فارفضّ (سال) جبيني عرقاً ولم أعد))(3).

وقد يعجب شبانُ هذا العصر وفتياته من هذه الحالة أو من هذا النوع من الحب، لأن النوع السائد والطاغي هو حب (الالتحام الجسدي) لا التفاهم والانسجام العاطفي، وحال المتعجبين يشبه حال ذلك الأجنبي الذي سمع أن عنترة بن شداد يتغزّل بحبيبته (عبلة) و يقول:

ولقد   ذكرتكِ   والرماحُ   نواهلٌ        مني وبيض الهند تقطر من دمي

فوددتُ   تقبيل   السيوف  لأنـّها        لمعت   كبارق   ثغرك   المتبـسّم 

فقال: وعلام هذا الحرمان الجنسي الفظيع؟ أما كان يمكنه أن يمارس الحب معها حتى لا يحتاج إلى تقبيل السيوف؟! ظناً منه أن عنترة كان يعبّر عن حالة كبت جنسي لاحالة إعجاب وانجذاب نفسي وجداني وإبداعي شعري.

ولعلّه معذور لأنّه لا يفهم الحبّ إلا جنساً، بل إن المطرب الفرنسي (شارك ازنافور) حينما يفرّق بين نوعين من الحب (الأميركي) و(الفرنسي)، فإنه لا يخطر على باله سوى طريقة ممارسة الجنس، حيث يقول: ((إنّ الفرق في الحبّ بين الأميركيين والفرنسيين هو الفرق نفسه في تناول فنجان القهوة: الأميركي يشفطها بسرعة رغم كبر الفنجان، ثم يسرع نحو هدف آخر، والفرنسي يتذوّقها على مهل مع أن الفنجان صغير))(4).

أنواع الحب:

شتّان بين الحب الخاطئ والشبقي ، والحب النبيل الباعث على الزواج. والحب بين الرجل والمرأة أنواع، هي:

أ) الحبّ الخاطئ الدافع إلى الفاحشة والزنا والتحلّل من المحرّمات جرّاء الغريزة الحيوانية المستعرة التي تجعل صاحبها أعمى لا يرى إلا اطفاءها وهو الشائع في أسواق البغاء.

ب) الحب الشبقي، القائم على الرغبة الجسدية، وهو شكل من أشكال الشهوة والغلمة، وهو انهماك في البهجة الحسّية وحسب، وقد جعل الإسلام حلاً لهذا النوع من الحب بتشريع الزواج المؤقت بين الجنسين فضلاً عن الزواج الدائم.

ج) الحبّ الباعث على الزواج الدائم  والسعادة الزوجية الكاملة حيث جاء عن النبي (ص): ((من تزوج فقد أحرز نصف ـ وعلى رواية ثلثي ـ دينه فليتق الله في النصف ـ الثلث ـ الآخر)). علماً أن نتائج هذا الحب -وهو الزواج الدائم- تتيح تمام الإستقرار والبهجة وبناء الأسرة.لكل من الجنسين أن يتمتعا بكامل حقوقهما الجنسية، وفي إطار شرعي نظيف وطاهر.

وهذا هو الحبّ السامي النبيل، الذي ينظر فيه كلٌّ من الحبيبين للآخر نظرة إعجاب واحترام، وهو السبب في الكثير من الإبداعات الإنسانية، وهو الذي يهذّب النفس والأخلاق والمشاعر والعادات، ولهذا قال (برتاند رسل): ((الحبّ شيء أسمى من الميل إلى الأمور الجنسية))(5).

بل إن الإباحية الجنسية والتكالب على الملذات الجسدية كثيراً ما تضعف الحب الإبداعي الذي طالما ألهم الشعراء والفنانين والأدباء أروع إبداعاتهم، ذلك أننا نميّز بين (الحب) و (الجنس).

فالحبّ ـ بما هو انجذاب للآخر ـ ميل فطري غريزي في أعماق كلّ رجا وإمراة، وقد حثّ الإسلام على الحبّ كعاطفة إنسانية نبيلة لا تربط جنساً مع جنسٍ آخر فقط، بل تربط أفراد النوع الإنساني بعضه مع البعض الآخر.

جاء عن الإمام الصادق (ع) في وصف هذه العاطفة الإنسانية ـ في بعدها الأوسع ـ بالقول: ((وهل الدين إلاّ الحبّ)) اي أن حب الله عز وجل حينما يشع في ذات الإنسان يشمل حب الإنسان والمخلوقات كلها فضلاً عن الحب بين الجنسين.

والحبّ بين الشاب والفتاة بصفة خاصّة، وبين المرأة والرجل بصفة عامّة،هو انجذاب غريزي لا غبار عليه، فهو أشبه شيء بالمغناطيسية التي تجذب كلّ جنس إلى الجنس الآخر، وبالاقتران الزوجيّ تحصل حالة التكامل التي ينشدها كلّ منهما في قرينه.

إن الإسلام لم يحرّم الحب على مستوى العلاقة الجنسية بل نظمه وحدد له طرقاً إيجابية حتى لا يتحول إلى بركان مدمر، وإلاّ فلو كان الحبّ محرّما لما كانت دعوة الإسلام للزواج مبرّرة، ولكان حقّ للشاب الذي تعصف به غريزته، والفتاة التي تتشوق لمعاشرته أن يتساءلا: كيف يمكن لنا تصريف هذه العواطف الجامحة؟ ولما كان للغريزة من مبرر موضوعي إلاّ أن تكون سبباً في تعذيب من تستعر رغباتهم ولا يجدون لها منافذ للتخفّف منها.

لهذه الأسباب، كان المشرّع الإسلامي عملياً وواقعياً وموضوعياً في تعامله مع حالة التعارف بين الجنسين أو ما يسمّى بـ(الحبّ).

الحب .. نظرة فقهية: جواز إظهار المحاسن أمام من يريد التعرّف بهدف الزواج فقط:

يؤكّد الفقهاء على جواز التعارف والنظر المتبادل البريء لتفحّص المرشح لشراكة الحياة، كما يجوّزون للفتاة الكشف عن شعرها ويديها أمام من يريد التعرف عليها للزواج منها.

جاء في الفتاوى أنّه ((يجوز أن ينظر كلٌّ من الخطيبين أو الباحثّين عن الزواج إلى الآخر بالنظر الفاحص بدون تلذذ أو رغبة جنسية، كما لو كانا في جو عائلي، وذلك من أجل التعرّف المتبادل العام قبل الزواج. كما يجوز للفتاة أن تخلع حجاب شعرها أمام من جاء يخطبها ولو لمرة واحدة))(6).

وقال بعض الفقهاء بجواز النظر إلى محاسنها كلّها، وهي الشعر والرقبة والساعدان والساقان، واستدلّوا بقوله تعالى للنبي (ص) : {وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ}((الأحزاب: 33/52)).

لذا فعلى الأهل  ضمن أجواء جدية تسهيل زيارة الشاب إلى بيوتهم للتعرف الشخصي على فتاة أحلامه، ذلك أن هذه الفسحة الشرعية الممنوحة  تعطي للجنسين فرصة التحقق من أنهما لم يخدعا في خيارهما ولم يدلّس عليهما، فيقدمان باطمئنان وثقة نحو الزواج،و (ما راء كمن سمعا).

هذا التعارف الشخصي  حقّ شرعيّ للطرفين. قال الفقهاء: ((يحقّ لكلّ من الرجل والمرأة النظر إلى محاسن الآخر ومحادثته للتعرف عليه قبل الزواج منه، كما يحقّ للرجل رؤية وجه الفتاة وشعرها ورقبتها وكفّيها وساقيها ومعصميها وغير ذلك من محاسن جسمها من أجل الزواج بشرط أن لا يقصد بذلك التلذذ الجنسي، وينصح الأهالي بتسهيل ذلك للشبان والفتيات في جو من الآداب واللياقات))(7).

إننا نفهم من هذه النظرة الشرعية الواقعية أنّ ما يهمّ الشاب والفتاة هو الاطمئنان النفسي الناجم عن الشعور بالرضا لما يراه كلٌّ منهما في لقائه بالآخر عن كثب، وبدلاً من أن يمنع الأهل حقاً شرعياً أباحه الإسلام برحابة صدره، فيُلجئون شبانهم وفتياتهم في اللقاء في الخفاء وبعيداً عن أعين الرقباء، يمكنهم أن يكونوا عوناً على تيسير سبيل اللقاء الجاد، وقطع الطريق على الاحتيال والتجاوز والوقوع في المحرّم.

أمّا ما يقال من أنّ هذا اللقاء ليس كافياً، ولابدّ من إتاحة المجال للقاء أو لقاءات أوسع خارج المنزل أو خارج  رقابة الأهل أو المراكز الدينية ونوادي التعارف الشرعية، فإنّ التجارب أثبتت أنّ اللقاءات المعزولة ليست غالباً مأمونة، وقد يقع الخطيبان في المحذور الشرعي إنْ اختليا.

نعم، يمكن من الناحية الشرعية حلّ هذه الإشكالية، بأن يعقد الخطيبان عقداً منقطعاً برضا والد الفتاة تشطرت فيه الفتاة عدم الدخول حتى يتسنى لهما التعارف أكثر في إطار شرعي سليم، فإن حصل الدخول تحمّلا مسؤولية الزواج التام وعلى الشاب أن يدفع لها تمام مهرها المتعارف.

الحبّ أقوى من الجنس:

الحب لا يوقّت بلحظات، كما هو الجنس الذي يعتبر قصير العمر قياساً بالحب الذي لا تنطفئ شعلته، أما الغريزة فهي غليان واشتعال ينطفئ ، وإذا ما أشبعت خمدت وبردت، كالجائع إذا إملأ بالطعام عافه وأعرض عنه..لكن الجنس الذي يكتنفه الحب هو التعبير الأبهى عن العلاقة الحميمة بين الزوجين.

إنّ أحكام الإسلام في الحجاب والصون والمحافظة على العفة والاحتشام هي التي جعلت الحبّ السامي المبدع يقوى ويبرز في الشرق زارعاً روح التضحية والإيثار ونكران الذات والتفاني في خدمة المحبوب، في حين أطاحت به الإباحية العصرية حتى تحوّل أنانية واغتصاباً واشتهاءً جسدياً لا يرتبط كثيراً بشخص المحبوب وروحه حتى شاع القول بأن الرجل في الغرب يرى المراة بإستمرار قبل الزواج، فإذا تزوج بها لم تعد تراه، وإن الرجل في الشرق لا يرى المرأة قبل الزواج، فإذا تزوج بها بقي يراها طيلة حياته!!  .

أليس الانطلاق من حبّ الله إلى حبّ الشريك، والانغمار بقداسة حب الله وكلماته، هي التي تجعل الزواج الذي يمثل صورة الحب الأجمل في بعديه (النفسي) و(الجسدي) أشبه بالعبادة في محراب الشكر والثناء على نعمة الحب والمحبوب؟!

فالحب بين الزوجين اللذين جمعتهما كلمات الله وشريعته، هو الذي يجعلهما يتجرعان غصص الحياة ومرارتها بصبر ورضا تام وسعادة.

وسواء وصل الحب درجة الرضا بالزواج أو لم يصل إلى كماله وبقي المحبّان محرومين، فإن ما يجب أن يحكمه هو أجواء العفّة والطهارة والتقوى، وفي ذلك يقول الشهيد مطهري: ((فكلا النوعين زهرتان ناعمتان تنموان وتتفتحان فقط في مجتمع تحكمه خصلتا العفاف والتقوى))(8). قال الشريف الرضي، في وصف الحبّ مع التقوى:

بتنا ضجيعينِ في ثوبي هوىً وتقى       يلفنا  الشوق  من فرعٍ  إلى  قدم!!

الحبّ والجنس في الحياة الزوجية:

الحبّ والمودّة ليسا حالة جسدية فقط.

يجب أن يفصل الشابان أو الخطيبان أو الزوجان بين (الحبّ) كعاطفة وبين (الجنس) كشهوة، وقد ينبري أحدهما ليسأل: وكيف أمارس الجنس مع من لا أحبّ؟

أي أنّ المعترض يقول بعدم إمكانية الفصل بين الحب والجنس، لكننا نرى أنّ الحب في الجنس كالحب في الطعام، ما هو إلا حالة اشتهاء غريزي يحتاج إلى تلبية، فإذا لبيت حاجة الغريزة نامت قريرة العين، كما هو حالك مع معدتك، أي أنّ هناك ميلاً فطرياً إلى الطعام وإلى الجنس على حدّ سواء.

لكنّ الحبّ بين الجنسين والذي يعبّر عنه القرآن بـ(المودّة) ليس حالة شهوانية أو أنانية أو افتراسية، وإنّما هو ميل نفسي وتعلّق قلبي وانجذاب متبادل لخصال المحبوب أكثر من التعلق بجسده، وقد يلعب الجسد الجميل مع الخصال الجميلة دور مضاعفة الحب، وإلاّ فالذين يرتادون دور البغاء ينقلون صورة بائسة عن ممارسة الجنس، فهم يعتبرونه عملية آلية باردة يعقبها شيء من الندم وربما القرف.

في حين أن الحال تختلف مع الجنس الزوجي، فكلما اقترب الزوج من زوجته شعرا بالحميمية أكثر وتدفق ينبوع الحب من جديد، وسرت حرارة الوصل والاتصال إلى ما بعد اللقاء.

إنّ الجنس بين الزوجين يأخذ شكلاً آخر من حالة الرضا والإرضاء، فهو عملية تشترك فيها (النفس) و(الجسد)، أما في العلاقات الجنسية العابرة، فعملية لقاء جسدين ملتهبين لا تسمر سعادتهما طويلاً.

وخلاصة القول، إنّ الحب قبل الزواج إن لم يكن محكوماً بالحكم الشرعي الذي يجيز اللقاء، فإنّه غالباً ما يؤدي إلى الوقوع في المعصية، ويسبب التوتر والأزمات النفسية والخوف من فقدان الحبيب والتألّم من هجرانه والغيرة من لقائه بالناس، وهو في الغالب عواطف جياشة وأحياناً غير ناضجة خاصة في علاقات المراهقين العاطفية.

الحبّ والجنس.. أعرابية وأعرابي يصفان الحبّ والجنس:

سئلت أعرابية عن صفة الهوى، فقالت:

الحبُّ أوّله مـيـلٌ تهيم بـه
يكون مبدأهُ من  نـظرةٍ عـرضت

كالنـارِ مبدأها من  قـدحةٍ، فإذا

 

نفسُ المحبّ  فيلقى  الموتَ  كاللعبِ
أو  مزحةٍ أشعلت في القلبِ كاللهب
تضرّمت أحرقت مستجمعَ الحطب

 

وقيل لأعرابي: أتعرف الزنا؟ قال: وكيف لا؟ قيل: فما هو؟ فأخبرهم بأنه لثم العشيقة والأخذ من الحديث بنصيب. قيل ما هكذا نعدّه فينا! قال: فما تعدّونه؟ قيل: النقّ الشديد.. وصوت يوقظ النوّام.. وفعل يوجب كثيراً من الآثام، قال: لله!! ما يفعل هذا العدو البعيد، فكيف الصديق الودود؟!

هل القبلة والحديث مع المرأة محرّمان؟!

فانظروا إلى هذا الأعرابي الذي اعتبر مجرد القبلة محرّماً، والحديث مع المرأة بقصد الرغبة زنا وفاحشة، وهو يربأ بمن يحب فتاة أو امرأة أن يعرّضها إلى جريمة الزنا، فمن يودّ امرأة ويحبّها فليحافظ عليها وعلى كرامتها وعفّتها وسمعتها، وإذا أراد الاقتران بها فباب الزواج مفتوح، والعقلاء يقولون كما علّمهم القرآن: {وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا}((البقرة: 2/189)).

عجباً لبدوي في الصحراء يفقه نسبياً معنى الطهر، ويغرق متحضّر بالفاحشة وهو يدعّي العلم والثقافة والتطوّر.

ويبقى الحب العفيف قبل الزواج، الحب الذي تتأسس عليه بيوت الزوجية، هو الحب الذي نريده ونشجّع عليه، وإلاّ فالإنسان كبيراً كان أم صغيراً ، هو بغير الحبّ كما قال الفنان (فان غوغ): أشبه بمصباح لا يضيء.. إنّ المصباح قد يكون سليماً لا عيب فيه، خزانته مليئة بالزيت، ولكنّه يظلّ وكأنّ لا وجود له حتى تمسّه هذه الشعلة القدسية، فتجعله يشعّ نوراً وضياء، وتمكنه من تحقيق رسالته التي وجد من أجلها.

نتائج العلاقة الجنسيّة بشكليها: الحبّ والرغبة الجسدية:

للعلاقة الجنسية إذاً شكلان:

أ) الشكل الإباحي الناتج عن الشهوة والرغبة الجامحة في الجنس الذي لا ضابط يضبطه، وهو علاوة على أنه زنا محرّم، فإنّ نتائجه السلبية كثيرة وخطيرة، سواء في اختلاط الأنساب والإجهاض والاغتصاب، والاعتداء على الأطفال، أو المثلية الجنسية التي تفوق الزنا خطورة.

ب) الشكل الشرعي الناتج عن الحبّ والتفاهم العميق بين الشريكين، وهو الشكل الصحيح ، وله مردودات نفسيه وجسدية طيبة على كلّ منهما وعلى ذريّتهما أيضاً.

آراء خاطئة:

ولابد من الإشارة إلى أنّ بعض النساء يتحرجّن من العلاقة الجنسية، وربما يتقززن منها جرّاء التربية الخاطئة، والنظر إلى الجنس على أنه عمل قذر ومنحطّ.

وهناك من النساء من يعتبرن أن الحب العذري يجب أن يبقى مستمراً بعد الزواج، وأن الجنس يسقط معناه السامي ويزيل السموّ الروحي للحب.

فيما تعتبر نساء أُخريات أن الجنس إثم، فيشعرن بعد ممارسته بالذنب جرّاء الإيحاء الأسري السابق على الزواج بأن الجنس محرّم بشكل مطلق.

وهذه الآراء والمشاعر خاطئة كلّها، فهي تبالغ في الفهم السلبي للجنس ودوره الطبيعي في حياة كل من الرجل والمرأة. فلقد أثبتنا أن الثقافة الزوجية والجنسية منها على الخصوص ثقافة ضرورية لكل من الشاب والفتاة، حتى يتجاوزا النظرات السلبية لما هو صحيح وشرعي ومحبب، ولكي لا يدخلا في الدين ما ليس فيه.

مكتب المرجعية

مقتطف من كتاب “الزواج والأسرة في الإسلام”

عبد اللطيف برّي

أميركا ـ ديربورن

ربيع الأول 1429 ه‍ ـ آذار 2008 م‍


المصادر:

(1) كنز الكراجكي. خ7002.

(2) اخبار النساء. ص74ـ75.

(3) طرائف ونوادر. ج1. ص94.

(4) مجلة (الحوادث) العدد 1202. ص124 في 16/11/1979.

(5) الضوابط الاخلاقية . د. الشهيد مطهري. ص89.

(6) راجع (الفقه للمغتربين). الفصل السابع الخاص بالزواج.

(7) راجع (الفقه للمغتربين). الفصل السابع الخاص بالزواج.

(8) الضوابط الأخلاقية . د. الشهيد مطهري. ص93. 

مقابلات

أخبار ومناسبات

بيانات