حوارات عقائدية

يشكل هذا القسم حوارات عقائدية تعالج الإختلافات بين…

بين الإسلام واليهودية

* منهج الحوار بين أهل الأديان السماويّة * هل ور…

مسائل الفقه العملي

يتناول هذا الكتاب العديد من مواضيع الفقه العملي ال…

اسئلة حول الإسلام

تتناول هذه الزاوية اسئلة وإجابات حول الإسلام، وقد …

شؤون الأسرة

تتناول هذه الزاوية شؤون الاسرة وتنقسم إلى عدة فروع…

الاستفتاءات

يتناول هذا الباب العديد من الاستفتاءات التي يجيب ع…

«
»

النبي الأكرم (ص): الأمانة تجر الرزق والخيانة تجر الفقر

في المجمع الاسلامي الثقافي ألقى صاحب السماحة العلاّمة المرجع الديني آية الله العظمى الشيخ عبد اللطيف بري كلمة بدأها بقول الله تبارك وتعالى: {إنّا عرضنا الأمانة على السّماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسانُ إنّهُ كان ظلُوماً جهُولاً} الأحزاب 33/72.

وقال سماحته: أتحدث عن الأمانة في الآية، وقد اختُلف فيها وما المقصود منها؟ ما هي هذه الأمانة التي عُرضت بهذا الشكل الهائل على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها! إنها في ما أفهم مسؤولية التكليف الشرعي، ونتساءل كيف أن الجبال تأبى أن تحمل الأمانة؟ الجبال! تجلى موقفها بالرفض والإباء إذا جاز التعبير، والرفض مرة يكون ناتجاً عن إرادة فيكون رفضاً وإباءً بالإرادة، ومرة يكون رفضاً وإباءً ناتجاً عن عدم قابلية، كما يدعو الإنسان الحجر فلا يستجيب له، فنقول الحجر أبى أن يستجيب له، هنا الإباء والرفض بمعنى عدم القابلية، أي عدم قابلية الحجر للقبول لعدم وجود إرادة عنده. ولا يمكن للحجر أن يتجاوب، فهو بطبيعته آبٍ ورافض للتجاوب، وهذا لا إشكال فيه حسب الظاهر في فهم تعابير القرآن، وإن كان القرآن أيضاً يشير الى حقائق باطنية في قلب المادة وان هناك قوة في داخل المادة أثبتها العلم الآن في الذّرة. في القديم لم يكن الإنسان يعرف أن هذه المواد التي أمامنا هي في الواقع عبارة عن مصانع هائلة جداً تدور فيها الدواليب ليل نهار داخل الذّرة. هذه الذرّات التي بيننا، وكل شيء من أحجار وفحم ورمال وتراب وحديد وصلب كل شيء في داخله ذرّات صغيرة جداً جداً، ويقال إننا لو أردنا أن نجمع ونكبّر هذه الذرّات ونقيسها الى ملعقة صغيرة فكأنك وضعت شاطئَ رمالٍ في تلك الملعقة. وهذه الذرّات تحوي الكترونات كهربائية سالبة تدور حول بروتونات موجبة، وهذه البروتونات فيها أيضاً عناصر أخرى منها البوزترون في داخل البروتون. إنه عالم قائم بحد ذاته، والتفجير النووي يتوجه الى هذه المادة الدقيقة جداً في داخل هذه المادة الكبيرة، فحين يفتت العلم المواد، يصل الى هذه المادة الصغيرة جداً ويفتتها، وعندها يحصل هذا التفجير الهائل، ويقولون إن التفجير النووي اي المختص بنواة الذرّة يستطيع من خلال فحمة صغيرة أن يغذي بالطاقة الكهربائية مدينة كبيرة بقدر مدينة لندن لستة أشهر، وطبعاً حكاية إيران معروفة ورغبتها بالحصول على الكهرباء بهذه الطريقة السهلة جداً ولكن العالم يريد منعها بحجة أن ذلك يتيح لها تصنيع اسلحة نووية، وأيضاً لدينا مشاكل في الكهرباء في لبنان وكان من المفترض والممكن أن يقام معمل للطاقة النووية للأغراض السلمية على هذا المنوال لحل مشكلات هذا القطاع ولكن اسرائيل تهدد بقصفه وإبادته مع الأسف. لا إشكال أن في القرآن أسراراً حول الطبيعة، كيف أن الجبال تأبى؟ وكيف أنها تُشفق؟ هذه أسرار أخرى تتعلق بمستوى الإرادة ونسبها ومراتبها بدءاً من الاختيار والحرية عند الإنسان وصولاً الى خضوع المادة للقوانين الطبيعية الإلهية بشكل ميكانيكي أو بإرادة خفية، وطبعاً القرآن يشير الى أن هناك قوى أصغر من الذرّة كالالكترون والبروتون والبوزيترون… إلخ داخل الذرّة، فهذا كشف علمي.

نعود الى الآية الكريمة، ماهي الأمانة؟ الأمانة بالمعنى العام تشمل كل شيء يؤتمن عليه الإنسان، الإنسان يؤتمن على الدين، الإنسان يؤتمن على السر، نقول المجالس بالأمانات، والزوج يؤتمن على زوجته، والزوجة تؤتمن على زوجها، يؤتمن الزوج على مال زوجته، والزوجة تؤتمن على مال زوجها، الإنسان يؤتمن على صلة رحمه، ويؤتمن الإنسان من قبل الله عز وجل على تربية أولاده، فالولد أمانة في عنق أهله، وهكذا حقوق الأخوة وحقوق الناس والحيوانات والأشياء وحقوق الجسد والحواس وحقوق الأزمنة والوقت والأمكنة كحقوق الأوطان والمساجد والبيوت وحقوق الله في أساس ذلك كله. فهناك أمانات معنوية وأمانات مادية، هناك أمانات أدبية الى آخره، ومنها الأمانة المادية كالأموال عندما نودعها عند إنسان، أو ككتاب أو أغراض أو جواهر أو ذهب، كلها أمانات، القرآن الكريم يقول: {فإن أمن بعضُكُم بعضاً فليُؤدِّ الذي أؤتُمن أمانتهُ وليتَّق اللّه ربّهُ} البقرة 2/ 283، التعبير رائع جداً، (فإن أمن بعضُكُم بعضاً)، (إنْ) أداة شرط، ونفهم من هذا الملمح وهذه الإشارة القرآنية، أن يراقب وأن يفحص الإنسان الشخص الآخر قبل أن يأتمنه، فليتأكد منه، وربما يُجرِّبه قبل أن يعطيه الأمانة، فإن أمن بعضكم بعضاً فليؤدِّ الذي أؤتمن أمانته. الأمانة مأخوذة من الأمن. عندما يضع إنسان ماله عند شخص أمين ثقة يفترض أن يشعر بالأمان والراحة والاستقرار، لأن أمواله وأغراضه سترجع إليه ولن تضيع، أما إذا شعر أن أمواله ستذهب، عندها سيشعر بالخوف والقلق عليها، وحفظ الأمانة في المجتمع يحقق الأمن المعنوي والأمن الاقتصادي والأمن الإجتماعي بين الناس، وتزداد الثقة بين الناس بعضهم في بعض. إذاً الأمانة قضية مهمة جداً. وكثير من الناس يُمتحنون في الأمانة فيسقطون، والحديث الوارد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم رائع جداً، يقول: (لا تنظروا الى كثرة صلاتهم وصومهم، وكثرة الحج والمعروف وطنطنتهم في الليل، ولكن انظروا الى صدق الحديث وأداء الأمانة). ويُروى أن أمير المؤمنين عليّاً عليه السلام بلغ عند رسول الله ما بلغ من المنزلة العظيمة بصدق الحديث وأداء الأمانة. وجاء عن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال: (إن ضارب عليّ بالسيف وقاتله لو ائتمنني واستشارني ثم قبلت ذلك منه لأدَّيت إليه أمانته)، يعني أن ضارب أمير المؤمنين بالسيف لو أتى الإمام الصادق (ع) وقال له ضع سيفي هذا أمانة عندك، في الواقع لن يقبل الإمام الصادق ذلك، لأن هذا السيفالأمانةهو السيف الذي ضُرب به جده صلوات الله وسلامه عليه، لكن لو قبل الإمام الصادق (ع) لحفظ الأمانة وردَّها إليه لما لها من قدسية في الإسلام.

تناول الفقهاء جميعهم وتناولتْ كتبُهم موضوعَ الأمانة، وقالوا بضرورة إعادة الأمانة الى صاحبها حتى وإن كان فاسداً أو محارباً. بإمكانك رفض قبول الأمانة أما إذا أعطاك أحدهم أمانة وقبلت ذلك، فعليك المحافظة عليها حتى يعود صاحبها وتعيدها إليه، وهذا واجب شرعي، ونرى أن النبي (ص) عندما ترك مكة، كانت أمانات المشركين عنده، وافترش الإمام علي عليه السلام مكانه، وحضر المشركون لاغتيال النبي (ص) في فراشه فرأوا الإمام علياً (ع) مكانه، وعلموا عندها برحيل النبي (ص). ورحل النبي الى المدينة وأبقى علياً في مكة ليردّ الأمانات الى الناس، وبعدها أخذ الإمام علي (ع) الأمانات لأصحابها المشركين وردّها إليهم جميعاً، ثم أخذ نساء البيت النبوي والتحق بالنبي (ص) في المدينة.

هذا هو تاريخ الإسلام المجيد المشرّف في حفظ أمانات الناس حتى أمانات المشركين المحاربين للنبي (ص). لذا نحن نرى أن من يخون الأمانة مُعرَّض لأن يخون ثانية وثالثة ورابعة حتى يشيع أمره بين الناس ويُعرف بالخائن فلا يثق به الناس… ويصاب بسلسلة من حالات الفقر والحاجة لانفضاض الناس عنه وعدم توظيفه بأي عمل أو مهنة. والحديث الوارد عن الرسول الأكرم مهم جداً حيث يقول: (الأمانة تجرُّ الرزق والخيانة تجرُّ الفقر)، الإنسان بالأمانة يستجلب صاحب المال الذي يُسلِّمه الأموال والأرزاق لعلم صاحب المال أن الإنسان الأمين هو إنسان صادق يؤمن جانبه ولا خوف من التعامل معه، والله يمنّ على المؤمن الأمين ويرزقه ويزيده في رزقه وماله وثروته، بينما الخوّان يعرفه الناس بخيانته ويشتهر بينهم، ويخسر فرص العمل المتاحة، وبالتالي يسقط ويُجرّد، فالخيانة حتماً تؤدي الى السقوط والفقر، والأمانة تؤدي الى الرزق والبركة…، يُروى عن عبد الله بن عمر أنه مرَّ بمملوك راعٍ يرعى غنماً وماعزاً، فأراد أن يمتحن أمانته فقال له: هل من جزرة (شاة تصلح أن تُجزر وتذبح)، قال الراعي: ليس أنا ربها (لست صاحبها لأبيعها لك). قال ابن عمر: تقول لصاحبها: إن الذئب أكلها!! قال الراعي اتَّقِ الله! فسرّ ابن عمر بأمانته واشتراه من صاحبه واشترى الغنم من صاحبها ومن ثم أعتقه ووهبه كل ذلك الغنم. وهكذا نرى أن أمانة شاة واحدة أدت الى أن يتحرَّر الراعي ويملك الغنم كله بنتيجة أمانته.

أيها الأخوة والأخوات، الآن، أتطرق لأمر مهم، وأقول لكم: تُواجهنا حكاية الألاعيب في قضايا التأمين، الناس تؤمّن على السيارات والبيوت، والبعض يُقدم على التلاعب على شركات التأمين، وهذا البعض يُبرِّر ما يفعله من تلاعب على أنه رد على ما يُمارس ضدنا ويُفعل بنا من ظلم الى آخره من تبريرات واهية، لكني أقول لكم الحقيقة حول ما يجري. فأولاً هذا يخالف التعاليم والمبادئ العليا في القرآن الكريم، ففي القرآن مبادىء عليا وفيه مبادىء تفصيلية تتعلق بالحياة اليومية، والمبادىء العليا في القرآن تتعلق بحفظ الحياة ونموها، ومن المبادىء العليا في القرآن الإنسان، والإنسان في القرآن أعلى من التشريع، ومن المبادىء العليا حفظ حياة الشعوب، ونظام معايش الشعوب. جاء الإسلام لحفظ حياة الشعوب لا لتدمير معايشها وأرزاقها، لقوله تعالى: {ولا تبخسُوا النّاس أشياءَهُم ولا تعثوا في الأرض مُفسدين} الشعراء 26/ 183، وهذه من آيات المبادىء العليا في القرآن الكريم، والحاصل الآن هو أن الراغب منا بتأمين سيارته على سبيل المثال مطلوب منه أن يدفع في السنة ألف دولار أو ألفاً وخمسمائة دولار وأكثر، أي بما يعادل ثمن سيارة مستعملة كل سنة، لماذا؟ لأن التأمين ارتفعت رسومه بسبب الألاعيب التي يفتعلها بعض الناس تجاه التأمين وشركات التأمين، ارتفعت رسوم التأمين ولواحقها وتبعها ارتفاع متفاوت، فالساكن في ديربورن رسومه أعلى من الساكن في ديربورن هايتس، والسبب أن بعض الناس في ديربورن يتلاعبون كثيراً على شركات التأمين حتى شوّهوا سمعة المسلمين وسمعة العرب، لو اتبعنا تعاليم القرآن لم نكن لنصل الى هذا الوضع غير المقبول وغير المريح، فربح بعض الأفراد يضرُّ بكثيرين، ويضر بالجالية، ويتسبب بخسارة الجالية ملايين الدولارات، وهو أي المتلاعب يعتقد أنه قد ربح بعض الدولارات بينما هو خاسر حتماً بشكل عام، لأن الجالية عندما تخسر الملايين فإنها تالياً تخسر أعمالها ومن ثم أرزاقها، ويؤثر هذا على كل العائلات وهو يخسر ضمناً، لذلك علينا حفظ الأمانة، وتجنب أكل المال الحرام، وليكن رزقنا حلالاً ومشرِّفاً، والدقة في هذا الالتزام يرفع من شأن الإنسان في الدنيا والآخرة، ويجعله إنساناً موثوقاً محترماً ناجحاً، والله سبحانه وتعالى يوسع له في الرزق، وفي الآخرة له موقع كريم عند الله عز وجل في مقعد صدقٍ عند مليكٍ مقتدر.

يترك الإنسان بصمات عمله في الدنيا ذات أثر بين الناس، وعند الله تبارك وتعالى كما ورد في كتابه: {فمن يعمل مثقال ذرّةٍ خيراً يرَه * ومن يعمل مثقال ذرّةٍ شراً يرَه} الزلزلة 99/ 7 – 8. {إنّا نحنُ نُحيي الموتى ونكتُبُ ما قدّمُوا وآثارهُم وكلّ شيءٍ أحصيناهُ في إمامٍ مبينٍ} يس 36/ 12

مقابلات

أخبار ومناسبات

بيانات